عبد العاطي: مصر والسعودية تعملان على تسريع تفعيل مجلس الدول المشاطئة للبحر الأحمر
✍️ ريهام العبدلي
شارك:
✍️ ريهام العبدلي
أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي أن القاهرة تعمل مع المملكة العربية السعودية على تسريع تفعيل مجلس الدول المشاطئة للبحر الأحمر، الذي يتخذ من الرياض مقرًا له، بما يضمن أن تكون الكلمة الرئيسية في إدارة شؤون هذا الممر المائي للدول المطلة عليه، ويمنع وجود أي دولة غير مشاطئة من فرض دور في حوكمته.
ويأتي هذا الموقف في سياق تصاعد الحديث الإقليمي عن أمن البحر الأحمر وحرية الملاحة فيه، وعن حدود الدور الذي يمكن أن تلعبه الدول غير المطلة على سواحله. وقد ظلت القاهرة والرياض توجهان رسالة متكررة مفادها أن المسؤولية عن أمن هذا الممر وحوكمته لا تنفصل عن الدول المشاطئة، وأن الإطار المناسب لتنظيم هذه المسؤولية هو مجلس الدول العربية والأفريقية المشاطئة للبحر الأحمر وخليج عدن.
## تنسيق مصري سعودي لحصر الحوكمة بالدول المطلة
قال عبد العاطي، وفق التصريح المنسوب إليه، إن مصر تعمل مع السعودية على تسريع تفعيل المجلس، «لضمان أن تكون للدول المطلة على البحر الكلمة الرئيسية في إدارة شؤونه، ومنع وجود أي دولة غير مشاطئة». وهذه الصياغة لا تقتصر على الدعوة إلى تنشيط إطار تنسيقي، بل تربط التفعيل بهدف سياسي واضح: إبقاء قرار البحر الأحمر في يد الدول التي تمتلك سواحلًا عليه، وإغلاق الباب أمام أي ترتيب يمنح دولًا من خارج هذا النطاق حق المشاركة في إدارته.
وينسجم هذا الكلام مع موقف مصري ثابت عبّر عنه عبد العاطي في أكثر من محطة. ففي تصريحات نقلتها صحيفة الشرق الأوسط في حزيران العاشر من يونيو حزيران ألفين وستة وعشرين، شدد الوزير على ضرورة الإسراع في تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المشاطئة للبحر الأحمر وخليج عدن. وفي موقف سابق نقله موقع اليوم السابع في السادس عشر من فبراير من العام نفسه، أكد أن حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة فقط. كما أكدت الهيئة العامة للاستعلامات في مصر الموقف نفسه، مع التشديد على رفض القاهرة القاطع أي مسعى لتدويل هذا الملف أو فتحه أمام أطراف خارجية.
وفي تطورات أحدث، نقلت صحيفة «إيجيبت توداي» عن عبد العاطي قوله إن مصر تنسق يوميًا مع السعودية وبقية الدول المشاطئة، انطلاقًا من مبدأ أن مسؤولية حوكمة البحر الأحمر تقع على عاتق هذه الدول. كما نقل موقع «أهرام أونلاين» عنه أن الوصول العسكري إلى البحر الأحمر من جانب أي دولة غير مشاطئة أمر غير مقبول. وفي المقابل، أشارت تغطية الموقف نفسه إلى أن القاهرة تميز بين رفض الوجود العسكري للدول غير الساحلية، وبين قبول وصول تجاري متفق عليه للدول الحبيسة، وهو تمييز يحاول الجمع بين حماية السيادة الأمنية للدول المشاطئة وبين عدم إغلاق البحر أمام الحاجات التجارية المشروعة.
## ما هو مجلس الدول المشاطئة؟
يعود تأسيس مجلس الدول العربية والأفريقية المشاطئة للبحر الأحمر وخليج عدن إلى توقيع ميثاقه في الرياض في السادس من يناير عام ألفين وعشرين. وضمت الدول الموقّعة كلًا من المملكة العربية السعودية ومصر والأردن والسودان واليمن وإريتريا وجيبوتي والصومال، وهي الدول التي تمتلك سواحلًا على البحر الأحمر وخليج عدن. واختيرت الرياض مقرًا للأمانة العامة، في إشارة إلى الموقع المركزي للمملكة على ضفتي هذا الممر، شرقًا على البحر الأحمر وجنوبًا على خليج عدن.
ووُضع الميثاق ليكون إطارًا للتنسيق بين هذه الدول في ملفات الأمن البحري، وحماية الملاحة، ومكافحة القرصنة والتهريب والجريمة العابرة للحدود، والتعاون في مجالات البيئة والتنمية الساحلية. غير أن الانتقال من التوقيع إلى تفعيل مؤسسي كامل ظل ملفًا مفتوحًا، وهو ما يفسر تكرار الدعوات المصرية إلى الإسراع، والتشديد على أن هذا الإسراع يجري بالتنسيق مع السعودية بوصفها الدولة المضيفة للمقر.
### لماذا تعود الرياض والقاهرة إلى الملف؟
ليس الموقف المصري الجديد منفصلًا عن حسابات الممر نفسه. فالبحر الأحمر يربط قناة السويس بباب المندب، ويمر عبره جزء كبير من تجارة الطاقة والسلع بين آسيا وأوروبا. وبالنسبة إلى مصر، يرتبط أمن الممر مباشرة بأمن قناة السويس وباستقرار سواحلها الشرقي. وبالنسبة إلى السعودية، يرتبط بأمن سواحلها الغربي الطويل، وبموانئها على البحر الأحمر، وبمضيق باب المندب الذي يشكل بوابة الممر نحو خليج عدن وبحر العرب.
وقد أظهرت سنوات الاضطراب في جنوب البحر الأحمر كيف يمكن لهجمات على السفن أن ترفع أكلاف التأمين والنقل، وتدفع خطوط الملاحة إلى مسارات أطول، وتفتح الباب أمام تدخلات خارجية بذريعة حماية حرية الملاحة. ومن هنا تأتي أهمية التمييز الذي تشدد عليه القاهرة: التعاون مع الشركاء الدوليين لحماية الملاحة لا يعني، في المنظور المصري، نقل سلطة الحوكمة إلى دول لا تطل على البحر، ولا يعني قبول قواعد عسكرية دائمة لهذه الدول.
## رفض التدويل والعسكرة
تكرر التصريحات المصرية رفض ما تصفه بـ«تدويل» أمن البحر الأحمر أو «عسكرته». والمقصود، وفق ما ورد في تصريحات عبد العاطي المتكررة، هو منع تحويل الممر إلى ساحة تنافس بين قوى من خارج الإقليم، أو منح دول غير مشاطئة نفوذًا عسكريًا أو سياسيًا في إدارة شؤونه. ويرى المسؤولون المصريون أن هذا النفوذ، إن حصل، يضعف قدرة الدول المطلة على ضبط المخاطر، ويفتح الباب أمام تراجع لا يسهل احتواؤه.
وفي هذا الإطار، لا يُقرأ الرفض المصري بوصفه دعوة إلى إغلاق البحر. فحرية الملاحة مبدأ ثابت في الخطاب المصري، وقناة السويس نفسها ممر دولي تلتزم مصر بإبقائه مفتوحًا. الخلاف، كما ترسمه التصريحات، يتعلق بمن يملك سلطة تنظيم الأمن والتنسيق، لا بمن يحق له عبور الممر وفق قواعد القانون الدولي. ولذلك يكتسب التمييز بين الوصول العسكري المرفوض والوصول التجاري المتفق عليه أهمية عملية؛ فهو يحاول الإبقاء على انفتاح الممر أمام التجارة، مع منع تحول الحاجة التجارية إلى ذريعة لإنشاء وجود عسكري.
## المجلس بوصفه بديلًا إقليميًا
ترى القاهرة أن تفعيل المجلس يقدم إجابة إقليمية على سؤال يتكرر كلما ارتفعت مخاطر الملاحة: من ينسق الاستجابة؟ وبدلًا من ترك هذا السؤال لتحالفات عابرة للإقليم، تدفع مصر نحو جعل المجلس هو جهة التنسيق الأولى. ويشمل ذلك، وفق الخلفية التأسيسية للميثاق، التشاور حول التهديدات، وتبادل المعلومات، وتنسيق المواقف السياسية، والتعاون في حماية البيئة البحرية، ودعم قدرات الدول الأعضاء على مواجهة الأنشطة غير المشروعة.
ويكتسب اختيار الرياض مقرًا دلالة مضاعفة في هذا السياق. فالمملكة ليست فقط دولة مشاطئة، بل هي أيضًا الدولة التي احتضنت التوقيع على الميثاق، وتحتضن الأمانة العامة. وحين تقول القاهرة إنها تعمل مع السعودية على تسريع التفعيل، فإنها تشير إلى أن المسار لا يمر عبر مبادرة منفردة، بل عبر شراكة مع الدولة التي تؤوي المقر. وهذا التنسيق ينسجم مع نمط أوسع من التشاور المصري السعودي في ملفات الأمن الإقليمي، حيث ظلت العاصمتان تؤكدان تقارب مواقفهما من استقرار البحر الأحمر إلى أمن الملاحة في باب المندب.
### الدول الحبيسة وحدود الوصول
يظهر الجدل الإقليمي أيضًا في مطالب بعض الدول غير الساحلية، وفي مقدمتها إثيوبيا، بالحصول على منفذ بحري. وقد نقلت وسائل إعلام عن عبد العاطي، في تصريحات سابقة، رفض مصر أن تحصل إثيوبيا على موطئ قدم على ساحل البحر الأحمر. وهذا الموقف لا يلغي حق الدول الحبيسة في التجارة، لكنه يرفض تحويل الحاجة الاقتصادية إلى وجود عسكري أو إلى تغيير في خريطة النفوذ على الساحل.
وتشير التغطية الإعلامية الحديثة لموقف عبد العاطي إلى هذا التوازن: رفض الوصول العسكري للدول غير الساحلية، مع قبول وصول تجاري يتم بالاتفاق مع الدول المشاطئة. وبذلك تحاول القاهرة أن تفصل بين مطلب اقتصادي يمكن تنظيمه، وبين مطلب أمني ترى أنه يمس سيادة الدول المطلة وتوازنات القوة في الممر.
## ماذا يعني التفعيل عمليًا؟
لا يكفي، في المنظور الذي ترسمه التصريحات، أن يبقى المجلس إطارًا قانونيًا موقّعًا من دون آليات عمل. فالتفعيل يعني انعقاد الاجتماعات المنصوص عليها، وتشغيل الأمانة العامة من مقرها في الرياض، ووضع آليات للتشاور عند حدوث تهديد للملاحة، وتنسيق المواقف في المحافل الدولية بحيث لا تتعارض رسائل الدول المشاطئة. كما يعني بناء قدرة جماعية على رصد المخاطر، من القرصنة والتهريب إلى التلوث والحوادث البيئية، من دون أن يتحول هذا البناء إلى ذريعة لإدخال أطراف خارج العضوية.
ويبقى التحدي الرئيس في أن الدول الثماني لا تتساوى في قدراتها ولا في أولوياتها الداخلية. فبعضها يواجه نزاعات مسلحة، وبعضها يعاني ضعف البنى التحتية البحرية، وبعضها يركز على حماية الموانئ ومشاريع التنمية الساحلية. ومن دون حد أدنى من التوافق على آليات العمل، قد يبقى المجلس شعارًا سياسيًا أكثر منه أداة تنسيق. وهذا ما يفسر إصرار القاهرة على كلمة «تسريع»؛ فالمطلوب ليس إعادة تأكيد المبدأ، بل نقله إلى ممارسة مؤسسية.
## أثر محتمل على الملاحة والاقتصاد
يتجاوز أثر هذا النقاش الدوائر الدبلوماسية. فأي اضطراب في البحر الأحمر ينعكس سريعًا على أسعار الشحن والتأمين، وعلى جداول توريد السلع والطاقة، وعلى إيرادات قناة السويس، وعلى حركة الموانئ السعودية والمصرية والأردنية واليمنية وموانئ القرن الأفريقي. وكلما طال أمد عدم اليقين، ارتفعت كلفة التجارة على المستهلك النهائي، وازداد حافز البحث عن مسارات بديلة أكثر كلفة.
لذلك يرتبط الموقف المصري السعودي المشترك بين السيادة والاقتصاد. فاستقرار الممر ليس مطلبًا أمنيًا فحسب، بل هو شرط لاستمرار تدفقات التجارة التي تعتمد عليها اقتصادات المنطقة. وفي الوقت نفسه، ترى القاهرة والرياض أن هذا الاستقرار لا يُشترى بتنازل عن حق الدول المشاطئة في إدارة شؤون بحرها.
## رسالة موحدة إلى الإقليم والخارج
تخلص التصريحات المتتابعة إلى رسالة مركبة. الرسالة الأولى موجهة إلى الدول المشاطئة نفسها: المطلوب الإسراع في تفعيل المجلس حتى لا يبقى الفراغ التنسيقي مفتوحًا. والرسالة الثانية موجهة إلى الدول غير المشاطئة: لا مكان لوجود عسكري أو لدور في الحوكمة من خارج الدول المطلة. والرسالة الثالثة موجهة إلى الشركاء التجاريين: حرية الملاحة مصانة، لكن حمايتها يجب أن تبقى في إطار لا يمس سيادة الدول الساحلية.
وفي ظل استمرار التوترات الإقليمية، من المرجح أن يبقى ملف البحر الأحمر حاضرًا في جدول التشاور المصري السعودي. فالقاهرة لا تطرح المجلس بوصفه شعارًا، بل بوصفه الأداة التي ترى أنها قادرة على جمع الدول المطلة حول موقف واحد، وعلى منع تحول الممر إلى ساحة مفتوحة لأي دولة تبحث عن نفوذ. وسيظل مدى سرعة تفعيل المجلس، وقدرة أعضائه على تحويل الميثاق إلى عمل مشترك، محك الخطوة التالية في هذا الملف.