الفاشر تحت سيطرة الدعم السريع: تقارير عن أكثر من 6 آلاف قتيل ونزوح 300 ألف | سياسة | شبكة نفود الإخبارية
عاجل
سياسة
الفاشر تحت سيطرة الدعم السريع: تقارير عن أكثر من 6 آلاف قتيل ونزوح 300 ألف
✍️ ريهام العبدلي
شارك:
✍️ ريهام العبدلي
أفادت تقارير ميدانية متداولة بأن مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، باتت تحت سيطرة ميليشيا قوات الدعم السريع، في تطور يُعد من أخطر محطات الحرب السودانية المستمرة منذ منتصف أبريل 2023. ووفق الإحصاءات الواردة في التقرير الذي استند إليه هذا الخبر، قُتل أكثر من ستة آلاف شخص خلال ثلاثة أيام، فيما نزح نحو 300 ألف شخص، وسط روايات عن التعذيب والاحتجاز وتراجع ملحوظ في أعداد السكان داخل المدينة ومحيطها.
ولا تُعد هذه الأرقام، في هذه المرحلة، حصيلة نهائية صادرة عن جهة تحقيق دولية مستقلة، بل معطيات وردت في التقرير المشار إليه. غير أن حجمها، إذا تقاطع مع شهادات ميدانية وصور أقمار صناعية وسجلات طبية، يضع الفاشر أمام امتحان إنساني وسياسي لا يحتمل التأجيل. فالمدينة ظلت لأشهر طويلة آخر معقل حضري كبير للقوات المسلحة السودانية في إقليم دارفور، واكتظاظ داخلها وفي مخيماتها مدنيون نازحون من موجات عنف سابقة، في ظل حصار أضعف الغذاء والدواء والمياه.
## ماذا تقول الأرقام الواردة في التقرير؟
يشير التقرير إلى أن الأيام الثلاثة التي أعقبت بسط السيطرة شهدت حصيلة قتل مرتفعة تجاوزت ستة آلاف قتيل. وهذه الحصيلة، إن تأكدت عبر تحقيق مستقل، تضع ما جرى في الفاشر ضمن أشد موجات العنف كثافة منذ اندلاع الاقتتال بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع. كما يتحدث التقرير عن نزوح قرابة 300 ألف شخص في فترة قصيرة، وهو حجم يفوق قدرة المخيمات والطرق والمراكز الصحية في شمال دارفور على الاستيعاب، خاصة مع انقطاع كثير من خطوط الإمداد وتعذر الوصول الإنساني المنتظم.
ولا يقدم التقرير، بحسب المعطيات المتاحة للنشر، تفصيلاً نهائياً لآلية إحصاء الضحايا، ولا يميز بشكل قاطع بين القتلى من المدنيين والمقاتلين. لذلك يبقى التعامل الصحفي المهني مع هذه الحصيلة قائماً على نسبتها إلى مصدرها، مع التشديد على الحاجة إلى تحقق مستقل تجريه الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية والطبية، وإلى فتح ممرات آمنة لجمع الشهادات وانتشال الجثامين وتوثيق المقابر. في ظروف الحرب السودانية، ظهر مراراً أن الحصيلة الأولى تكون أقل من الواقع، لأن الجثث يُدفن سريعاً، ولأن العائلات تفقد الوسيلة التي تبلّغ بها عن موتاها، ولأن المستشفيات تخرج عن الخدمة قبل أن تُسجّل الأسماء.
## تقارير عن التعذيب والاحتجاز
إلى جانب حصيلة القتل والنزوح، وردت إفادات عن حالات تعذيب واحتجاز. وتكتسب هذه الإفادات خطورة مضاعفة لأن الفاشر تضم مزيجاً من السكان المقيمين والنازحين، بينهم مدنيون فرّوا من مخيمات مجاورة ومن ولايات دارفور الأخرى. وأي نمط من الاحتجاز التعسفي أو المعاملة القاسية، إذا ثبت، قد يرقى إلى انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، ويستدعي حماية فورية للفئات الأضعف، وفي مقدمها النساء والأطفال والجرحى والطواقم الطبية.
وقد وثّقت منظمات إنسانية وحقوقية، على امتداد الحرب السودانية، أنماطاً متكررة من الهجمات على المدنيين والنهب والعنف الجنسي واستهداف مرافق الرعاية. ولا يعني ذلك إسقاط تفاصيل لم تُحسم أدلتها بعد بشأن الفاشر على وقائع أخرى، لكن تراجع أعداد السكان، كما ورد في التقرير، يتسق مع صورة مدينة تفرغ سريعاً تحت وطأة الخوف وانهيار الخدمات. والمطلوب عاجلاً هو تمكين جهات محايدة، وفي مقدمتها اللجنة الدولية للصليب الأحمر، من زيارة أماكن الاحتجاز والتحقق من مصير المحتجزين والمفقودين.
## لماذا تُعد الفاشر مفصلاً في حرب دارفور؟
تقع الفاشر في قلب شمال دارفور، وكانت قبل الحرب مركزاً إدارياً وتجارياً وعسكرياً يربط الإقليم ببقية السودان وبمعابر تؤدي إلى تشاد وليبيا. وبعد سيطرة قوات الدعم السريع على مدن رئيسية في دارفور خلال العام الأول من الحرب، بقيت الفاشر الاستثناء الأبرز الذي احتفظ فيه الجيش بوجود مؤثر، مدعوماً بتحالفات محلية مسلحة. وتحول هذا الوضع إلى حصار طويل شل الحركة التجارية، ورفع أسعار الغذاء، وأضعف المستشفيات، ودفع مئات الآلاف إلى الاعتماد على مطابخ جماعية ومساعدات متقطعة.
ويعني سقوط المدينة، من زاوية عسكرية، تبدلاً في خريطة السيطرة داخل دارفور. فقد يمنح قوات الدعم السريع عمقاً أكبر في الإقليم، بينما يحرم الجيش من آخر قاعدة حضرية كبرى هناك. غير أن السيطرة على مدينة منهكة ومفرّغة جزئياً من سكانها لا تعني استقراراً، بل قد تفتح مرحلة جديدة من النزاع على الطرق والمخيمات والموارد، لا سيما إذا استمرت الاشتباكات في الأطراف أو اندلعت تصفيات على أساس الهوية والانتماء. وتاريخ دارفور خلال العقدين الأخيرين يظهر أن تبدل السيطرة العسكرية، حين لا يرافقه حماية للمدنيين، يتحول سريعاً إلى أزمة حماية ونزوح لا إلى نهاية للقتال.
## خلفية الحرب والحصار
اندلع القتال في 15 أبريل 2023 بين القوات المسلحة بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو، بعد أشهر من التوتر حول دمج القوات وشكل السلطة الانتقالية. وسرعان ما خرجت المواجهة من الخرطوم إلى ولايات واسعة، فدُمرت أحياء، وتوقفت مؤسسات، ونزح الملايين داخلياً وعبر الحدود إلى تشاد ومصر وجنوب السودان وإثيوبيا ودول أخرى. وصنّفت منظمات دولية الأزمة السودانية بين أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، مع تحذيرات متكررة من المجاعة وانهيار النظام الصحي وانتشار الأوبئة.
وفي دارفور تحديداً، أعادت الحرب فتح جراح نزاع مطلع الألفية، حين اتُهمت ميليشيات الجنجويد، التي تشكل قوات الدعم السريع امتداداً تنظيمياً وتاريخياً لجانب منها، بارتكاب فظائع واسعة ضد مجموعات سكانية. وظلت ملفات المحكمة الجنائية الدولية والعدالة الانتقالية حاضرة في خلفية أي تصعيد جديد، لأن الإفلات من العقاب شكّل، في نظر كثير من المتابعين، أحد أسباب تكرار العنف. ومن هذا المنظور، لا يمكن فصل أخبار القتل في الفاشر عن سؤال المساءلة: من يوثق، ومن يحقق، ومن يحمي الشهود قبل أن تُمحى الأدلة.
## الوضع الإنساني بعد السيطرة
يرسم النزوح المشار إليه، إذا بلغ نحو 300 ألف شخص، ضغطاً فورياً على مخيمات الإيواء في شمال دارفور، ومن بينها مخيم زمزم المجاور للفاشر، وعلى القرى والطرق المؤدية إلى تشاد. والنازح في هذه الظروف لا يغادر بموارد كافية؛ غالباً ما يتحرك بعد فقدان منزله، ويواجه نقص المياه النظيفة والدواء والوقود. أما من بقي داخل الفاشر فيواجه خطر الاعتقال والنهب ونقص العلاج، خصوصاً مع تقارير سابقة عن خروج مستشفيات وكوادر طبية عن الخدمة خلال أشهر الحصار.
وتحتاج الاستجابة الإنسانية إلى ثلاثة شروط متزامنة: وقف إطلاق نار محلي قابل للتحقق، ووصول آمن لوكالات الإغاثة من دون رسوم نهب أو حواجز تعسفية، وتسجيل الضحايا والمفقودين. ومن دون هذه الشروط تبقى أرقام القتلى عرضة للارتفاع الصامت، لأن الجرحى قد يموتون بسبب تعذر الإجلاء، ولأن الجوع والمرض يصبحان سبباً غير مباشر للوفاة لا يدخل دائماً في الحصيلة الأولية. كما أن تراجع السكان لا يعني بالضرورة أن جميع من غاب قد نجا؛ فجانب منهم قد يكون قتيلاً لم يُحصَ، وجانب محتجزاً، وجانب عالقاً في أحياء لا تصلها فرق الإغاثة.
## الصحة والغذاء والمخيمات
قبل سقوط المدينة، كانت مؤشرات الأمن الغذائي في شمال دارفور قد بلغت مستويات الطوارئ في مخيمات عدة، وتحدثت وكالات أممية عن مخاطر مجاعة في مواقع قريبة من الفاشر. والحصار لا يقتل بالنار فحسب، بل يرفع سعر الحبوب ويقطع الحليب العلاجي ويعطل شبكات المياه. وحين تنهار السوق المحلية، يفقد المدني القدرة على شراء ما تبقى من الغذاء حتى لو وصلت قافلة نادرة. وهذا السياق يفسر لماذا تتحول ثلاثة أيام من العنف الكثيف إلى كارثة أوسع: الجسد المنهك بالجوع لا يحتمل الهروب الطويل، والطفل المصاب بسوء التغذية لا ينجو من جرح كان يمكن علاجه في ظروف طبيعية.
وتضع موجة النزوح الجديدة المخيمات أمام خيار قاسٍ: إما الاكتظاظ ومواجهة انتشار الأمراض في مساحات مكتظة، وإما التحرك مجدداً نحو الحدود. وكلا المسارين مكلف. فالبقاء يعني المزيد من الضغط على مياه شحيحة وعلى عيادات بلا أدوية، والرحيل يعني طرقاً قد تكون مزروعة أو خاضعة للسلب. لذلك فإن أي خطة إغاثة لا تكتفي بإرسال شحنات، بل تحتاج إلى ممرات معترف بها وإلى ضمانات لعدم استهداف القوافل والعاملين الإنسانيين.
## تداعيات سياسية وإقليمية
لا ينفصل ما جرى في الفاشر عن توازن الحرب على مستوى السودان. فتمدد السيطرة في دارفور قد يعزز موقف قوات الدعم السريع في أي تفاوض مقبل، بينما يدفع الجيش إلى البحث عن تعويض ميداني في جبهات أخرى، من الخرطوم إلى الجزيرة وكردفان. وهذا المنطق يعيد إنتاج العنف بدلاً من حصره: كلما خسر طرف مدينة، ارتفع إغراء تصعيد القتال في مكان آخر، ودفع المدنيون ثمن التنافس على السلطة.
كما يضع سقوط الفاشر دول الجوار أمام موجة لجوء جديدة، في وقت تعاني فيه تشاد أصلاً من استضافة أعداد كبيرة من الفارين، وتواجه فيه المجتمعات الحدودية ضغطاً على المراعي والمياه والخدمات. وليبيا، بوصفها ممراً محتملاً لحركة السلاح والمقاتلين، تبقى عنصراً في معادلة التصعيد، من دون أن يعني ذلك تحميل طرف بعينه مسؤولية لم تثبت في هذا الخبر المحدد. أما الدول العربية والأفريقية التي حاولت وساطة جداول، فإن ما جرى يضعف فرص أي مسار تفاوض لا يتضمن حماية فورية للمدنيين في دارفور.
وعلى الصعيد الدولي، دعت أطراف متعددة منذ بداية الحرب إلى وقف إطلاق النار وفتح تحقيقات في الانتهاكات. غير أن فجوات التنفيذ ظلت واسعة، سواء في إيصال المساعدات أو في ضبط تدفق السلاح. وأي حصيلة تقترب من الآلاف خلال أيام قليلة تعيد طرح سؤال المساءلة بصيغة عملية: هل تصل فرق التحقيق قبل أن تُغلق المدينة، وهل يُحفظ حق العائلات في معرفة مصير أبنائها؟
## ما الذي ينبغي أن يعرفه القارئ؟
أولاً، أن الأرقام المركزية في هذا الخبر، وهي مقتل أكثر من ستة آلاف شخص خلال ثلاثة أيام ونزوح نحو 300 ألف، منسوبة إلى الإحصاءات الواردة في التقرير المتداول، وتحتاج إلى تقاطع مصادر مستقلة قبل اعتمادها رقماً نهائياً. ثانياً، أن سياق الحصار الطويل وانهيار الخدمات يجعل حتى التقديرات المتحفظة كافية لإعلان طوارئ إنسانية. ثالثاً، أن تقارير التعذيب والاحتجاز تفرض أولوية عاجلة لحماية المحتجزين والمدنيين العالقين، ولتمكين المنظمات الطبية من العمل من دون تسييس.
وتبقى الفاشر، بعد هذه السيطرة المعلنة، اختباراً لقدرة الأطراف السودانية والمجتمع الدولي على منع انزلاق دارفور إلى موجة فظائع أوسع. فالمدينة ليست رقماً على خريطة عسكرية فحسب، بل حاضنة لنازحين ومرضى وتجار وطلاب فقدوا، على مدى عامين، الحد الأدنى من الأمان. وكل يوم يمر من دون ممرات آمنة وتحقيق شفاف يزيد احتمال أن تتحول الحصيلة الأولية إلى مأساة يصعب إحصاؤها لاحقاً. والمسؤولية الصحفية، في هذا المقام، أن تنقل الوقائع بنسبتها الدقيقة، وألا تُسقط رقماً لم يُحسم، وألا تتجاهل حجم الخطر الذي يهدد مدنيي دارفور.