الجبهة الإعلامية للجيش الوطني: قواتنا على بعد 100 كيلومتر من صنعاء
✍️ ريهام العبدلي
شارك:
✍️ ريهام العبدلي
قالت الجبهة الإعلامية للجيش الوطني اليمني إن قوات الجيش أصبحت على بُعد 100 كيلومتر من العاصمة صنعاء. ويأتي البيان في وقت تتسع فيه العمليات العسكرية بين القوات الحكومية وجماعة أنصار الله الحوثية، ضمن عملية «فجر اليمن» التي أعلن مجلس القيادة الرئاسي أن هدفها استعادة مؤسسات الدولة وتحرير العاصمة وإنهاء سيطرة الحوثيين على المناطق التي يمسكونها منذ سنوات.
ولم تُنشر، في المصادر الإخبارية الدولية التي رواجعتها شبكة نفود الإخبارية، خريطة مستقلة تؤكد المسافة بالضبط، ولا تحدد المحور الميداني الذي تُقاس منه هذه المسافة. لذلك يبقى الرقم إعلانًا صادرًا عن الجبهة الإعلامية للجيش، فيما تتوفر معطيات أوسع من وكالات وصحف عدة حول اتساع القتال شرق العاصمة وشمالها وعلى الساحل الغربي.
## ما الذي ورد في بيان الجبهة الإعلامية؟
اقتصر النص المنشور على جملة واحدة تقريبًا: قوات الجيش الوطني اليمني على بُعد 100 كيلومتر من صنعاء. ولم يتضمن البيان، وفق النص المتاح، تحديدًا لمديرية أو موقع جغرافي بعينه، ولم يذكر خسائر أو غنائم ميدانية أو جدولًا زمنيًا للعمليات. كما لم يُرفق بتصريح منسوب إلى قائد ميداني يشرح كيفية احتساب المسافة: هل هي مسافة خط مستقيم على الخريطة، أم مسافة طريق فعلية تراعي التضاريس الجبلية وخطوط التماس؟
وهذا التمييز مهم صحفيًا. ففي حرب الجبهات اليمنية، قد تكون وحدة ما على مسافة أقل من غيرها على محور آخر، من دون أن يعني ذلك انهيار خطوط الدفاع أو انفتاح طريق مباشر إلى العاصمة. وصنعاء، المحاطة بسلاسل جبلية ومداخل طرقية محدودة، ليست مدينة يُقاس الاقتراب منها برقم واحد فقط. وقد تداولت منصات التواصل خلال الأسابيع الماضية صيغًا متقاربة، منها ما يقول إن مئة كيلومتر تفصل الجيش عن المدينة، ومنها ما يقول إن القوات ما زالت تبعد أكثر من مئة كيلومتر. وهذا التباين يفرض الحذر في استخدام الرقم بوصفه حقيقة ميدانية محسومة.
## سياق عملية «فجر اليمن»
تندرج الإعلان في سياق عملية عسكرية أوسع أطلقتها القوات الحكومية في مطلع أكتوبر/تشرين الأول 2026. ووفق وكالة الأناضول وموقع الجزيرة نت وقناة العربية، أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، في الخامس من أكتوبر، انطلاق عملية «فجر اليمن» بهدف استعادة مؤسسات الدولة وتحرير صنعاء وإنهاء انقلاب الحوثيين. ووصفت الجزيرة نت العملية بأنها أُطلقت في ذلك اليوم لاستعادة المؤسسات وتحرير العاصمة.
### الهدف المعلن والواقع الميداني
الهدف السياسي المعلن واضح: إعادة سلطة الدولة المعترف بها دوليًا إلى العاصمة التي سيطر عليها الحوثيون في سبتمبر/أيلول 2014. أما المسار العسكري فهو أكثر تعقيدًا. فالحوثيون يمسكون منذ أكثر من عقد بصنعاء وبمحافظات شمالية وغربية واسعة، وبنوا تحصينات وشبكات طرق وقدرات صاروخية ومسيّرة أثبتت قدرتها على استهداف عمق الأراضي الخاضعة للحكومة وللملاحة الإقليمية.
ونقلت وكالة رويترز وصحيفة الشرق الأوسط، في الثالث من أكتوبر، أن القوات المسلحة اليمنية قالت إنها تنفذ ضربات ضد الحوثيين في صنعاء. وفي الخامس من الشهر نفسه، نقلت الجزيرة الإنكليزية عن الجيش الحكومي قوله إنه «حيّد» 1747 مقاتلًا حوثيًا في 1122 عملية عسكرية شملت صعدة والجوف والساحل الغربي. وهذه أرقام صادرة عن طرف النزاع، ولم يتحقق منها طرف مستقل في المصادر المراجعة.
## الجبهات التي تتقدم نحو العاصمة
تتوزع العمليات، بحسب التغطية الإعلامية، على أكثر من محور. ونقلت العربية الإنكليزية أن الجيش الوطني شن هجومًا في مديريتي نهم والجوف شمال العاصمة، ضمن عملية واسعة حملت اسم «فجر اليمن». ونهم، الواقعة شمال شرق صنعاء، ليست جبهة جديدة على الحرب اليمنية؛ فهي مدخل تاريخي نحو العاصمة من جهة مأرب، وشهدت خلال السنوات الماضية معارك متكررة لم تُحسم لصالح أي من الطرفين بشكل نهائي.
### مأرب والجوف والساحل
في الثالث عشر من أكتوبر، نقلت الجزيرة الإنكليزية عن القوات الحكومية قولها إنها حققت تقدمات استراتيجية داخل محافظة مأرب، في وقت تواصلت فيه هجمات حوثية في تعز. ومأرب، التي ظلت لسنوات خط الدفاع الأهم شرق صنعاء، تحتل موقعًا مزدوجًا: فهي مقر للسلطة المعترف بها ومركز لمنابع الطاقة، وهي في الوقت نفسه قاعدة انطلاق نحو العاصمة عبر نهم وسرواح. أما الجوف فيفتح، إن تغيرت موازين القوى فيه، محورًا شماليًا يضغط على عمق الحوثيين ويربط جبهة صعدة بجبهة مأرب.
وعلى الساحل الغربي، نقلت صحيفة عرب نيوز عن مسؤول عسكري يمني قوله إن القوات تتقدم على جبهات عدة، وإن صنعاء هي المعركة الرئيسة، مشيرًا إلى اشتعال القتال في الساحل الغربي وذباب وجبال الكحبوب. وأكدت الجزيرة الإنكليزية، في تقرير نشرته في السابع من أكتوبر، مشاركة التحالف بقيادة السعودية في الهجوم الحكومي الرامي إلى استعادة الأراضي التي يسيطر عليها الحوثيون. وهذا الدعم الجوي، إن تأكد، يغير موازين القوة لكنه لا يلغي بنفسه صعوبة التضاريس البرية ولا كلفة الاقتراب من مدينة كبيرة.
## ماذا تعني مسافة مئة كيلومتر؟
من الناحية العسكرية، لا تعني مسافة مئة كيلومتر أن العاصمة أصبحت في متناول هجوم بري وشيك. فالمسافة تشمل، في أي تقدير واقعي، سلسلة من المرتفعات والمداخل والمخازن وخطوط الإمداد. والتجربة اليمنية منذ 2015 تُظهر أن التقدم على الخريطة قد يتوقف لأسابيع أو أشهر عند موقع واحد إذا كان مشرفًا على طريق إمداد. وقد سبق للجيش الحكومي أن أعلن عمليات نحو صنعاء من محور نهم، من بينها عملية «التحرير موعدنا» عام 2016، من دون أن تتحول إلى دخول إلى المدينة.
ومن الناحية السياسية، يحمل الرقم رسالة مزدوجة. فهو يقول لأنصار الحكومة إن العملية لم تعد شعارًا، ويقول للحوثيين إن عمقهم الدفاعي لم يعد منيعًا. وفي الوقت نفسه يبقي الرقم بعيدًا عن لغة الحسم النهائي. فمئة كيلومتر ليست ضواحي العاصمة، وليست سيطرة على مطار أو طريق دائري أو حي من أحيائها.
## التحدي السياسي داخل المعسكر الحكومي
لا يتوقف مسار العملية على الجبهة وحدها. فالسلطة المعترف بها دوليًا تضم مجلس قيادة رئاسيًا وقوى متعددة الولاءات، من الجيش الوطني إلى تشكيلات أخرى نشأت خلال الحرب. وأشار تحليل نشرته الجزيرة الإنكليزية في الرابع عشر من أكتوبر إلى أن الخلاف الداخلي بين مكونات الحكومة يُعد عائقًا رئيسًا أمام أي محاولة لاستعادة المدينة. وهذا العامل لا يلغي التقدم الميداني، لكنه يفسر لماذا تبدو بعض الجبهات أكثر حراكًا من غيرها، ولماذا يحذر متابعو الملف من تحويل الانتصار العسكري إلى خلاف سياسي جديد.
وفي مقال آخر للجزيرة، نُوقش دور القبائل في أي مواجهة مع الحوثيين. فالحرب اليمنية لم تكن يومًا مواجهة بين جيشين نظاميين فقط، بل شبكة من التحالفات المحلية التي تتبدل بحسب المنطقة والضمانات والثأر. وأي تقدم نحو صنعاء يحتاج، بحسب هذا التقدير، إلى أكثر من الغارات والبيانات: يحتاج إلى ترتيب مع القوى المحلية في المناطق التي يُراد عبورها.
## الكلفة الإنسانية والاقتصادية
يأتي التصعيد واليمن يعيش أحد أسوأ الأوضاع الإنسانية في العالم منذ سنوات. واتساع القتال حول صنعاء ومأرب والجوف والساحل يعني، بصرف النظر عن نتيجته العسكرية، مزيدًا من النزوح وانقطاع الطرق وارتفاع أسعار النقل والغذاء في مناطق أصلًا هشة. ولم تنشر الجبهة الإعلامية، في البيان محل الرصد، أي تفاصيل عن أوضاع المدنيين في المناطق التي تقول إن قواتها تتقدم فيها.
والاقتصاد أيضًا طرف في هذه المعادلة. فصنعاء ليست رمزًا سياسيًا فقط، بل مركز إداري ومالي وتجاري لمناطق واسعة من الشمال. وأي معركة طويلة حولها ستنعكس على حركة البضائع والوقود والتحويلات، وستضغط على الموانئ والممرات التي تعد شريان الواردات في بلد يعتمد على الخارج في معظم غذائه ودوائه. وهذا ما يجعل الحديث عن «الاقتراب من العاصمة» حديثًا عن مصير ملايين المدنيين، لا عن خط على خريطة فقط.
## ما الذي لم يُحسم بعد؟
ثمة ثلاث مسائل تبقى مفتوحة أمام أي قراءة رصينة للبيان. أولها الموقع الدقيق للقوات التي تقول الجبهة الإعلامية إنها على بُعد 100 كيلومتر. وثانيها ما إذا كان هذا الرقم يمثل أقرب نقطة وصول على كل الجبهات أم نقطة على محور واحد. وثالثها ما إذا كان التقدم المعلن في مأرب ونهم والجوف مستقرًا أم قابلًا للانكماش، في ظل غياب تأكيد مستقل واستمرار الطرفين في نشر روايات متضاربة.
وحتى لو ثبت الرقم، فإنه لا يعني أن معركة صنعاء قد حُسمت. فالعاصمة ما زالت، وفق كل المصادر المعتمدة، خارج سيطرة القوات الحكومية. والعملية المعلنة ما زالت في مرحلة الضغط على المحاور، لا في مرحلة الدخول. والفارق بين الأمرين هو ما سيحدد مسار الأسابيع المقبلة: هل تتحول الإعلانات المتوالية عن التقدم إلى تغيير مستقر في خطوط التماس، أم تبقى الجبهات عند حالة كر وفر معروفة في الحرب اليمنية منذ عقد؟
وإلى أن يصدر تأكيد ميداني مستقل، يبقى الخبر القابل للنشر هو أن الجبهة الإعلامية للجيش الوطني اليمني تقول إن قواتها على بُعد 100 كيلومتر من صنعاء، في ذروة عملية «فجر اليمن» التي أعلن العليمي أنها تستهدف استعادة العاصمة، وفي وقت تؤكد وكالات أنباء وصحف اتساع القتال على محاور مأرب ونهم والجوف والساحل الغربي، من دون أن يكون سقوط صنعاء قد أصبح أمرًا واقعًا أو وشيكًا.