الجيش اليمني يصل مديرية مجزر شمال مأرب للمرة الأولى منذ 2021

وصلت قوات الجيش اليمني إلى مديرية مجزر شمال محافظة مأرب للمرة الأولى منذ عام 2021، في تطور ميداني يعدّ من أبرز ما شهدته جبهات شمال المحافظة وشمالها الغربي خلال عملية «فجر اليمن». ويأتي هذا الوصول بعد سلسلة من التقدمات الميدانية التي أعلنتها القوات الحكومية المسنودة بتحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، وبعد السيطرة على معسكر ماس الاستراتيجي والتوسع باتجاه مديرية مجزر، وفق ما أوردته مصادر عسكرية وميدانية نقلتها وسائل إعلام عربية ويمنية خلال الأيام الأخيرة.
وصول يعيد رسم خريطة السيطرة شمال مأرب
تقع مديرية مجزر شمال غرب محافظة مأرب، على حافة إدارية تربط بين ثلاث محافظات في شمال شرق اليمن، وتتصل جغرافياً بمديريات في محافظة الجوف. ووفق ويكيبيديا، هي إحدى مديريات محافظة مأرب، وبلغ عدد سكانها 10477 نسمة في تعداد عام 2004. ولا يقتصر وزنها العسكري على مساحتها الإدارية؛ فهي تشكّل امتداداً طبيعياً لمحور يربط مأرب بالجوف، وتضم معسكر ماس، الذي وصفته مصادر عسكرية بأنه أحد أهم معسكرات الجيش اليمني في هذا المحور، إضافة إلى مواقع أخرى باتجاه الجوف.
وقد أشارت قناة الحدث، في سياق سابق للحديث عن المديرية، إلى أنها تضم معسكر ماس التابع للجيش اليمني وموقعاً لاستخراج الذهب. وهذا المزيج بين الموقع العسكري والمورد الاقتصادي يفسر لماذا ظلت المديرية، على مدار سنوات، محوراً متكرراً للاشتباكات والغارات. وفي نيسان/أبريل 2025، نقلت العربية أن المديرية طالتها أكثر من 35 غارة أميركية استهدفت مواقع للحوثيين، في مؤشر على أن مجزر لم تكن في أي مرحلة من مراحل الحرب منطقة هامشية.
من معسكر ماس إلى عمق المديرية
تراكمت الإعلانات الميدانية خلال أسبوعين. ففي 9 تشرين الأول/أكتوبر 2026، نقل موقع عدن الغد عن معلومات ميدانية أن القوات المسلحة سيطرت على معسكر ماس العسكري في محافظة مأرب بعقب هجوم بري. وقبل ذلك بيومين، في 7 تشرين الأول/أكتوبر، نقلت العربية عن مراسلها محمود الحميدي أن خمس غارات استهدفت المعسكر شمال مأرب، وأن مصادر عسكرية ميدانية قالت إنها دمّرت منصة صواريخ ومخابئ أسلحة.
ولم يكن التقدم مستقيماً في كل الروايات. فقبل نحو شهر، نقلت صحيفة الشرق الأوسط أن قوات الجيش سيطرت على معسكر ماس وتتقدم نحو مديرية مجزر. وفي الأيام الأخيرة، نقل التلفزيون العربي عن مصادر عسكرية أن القوات الحكومية سيطرت على مرتفعات ومواقع استراتيجية في محيط المعسكر بمديرية مدغل شمال غرب مأرب، وتقدمت باتجاهه. أما صحيفة سبق، فنقلت قبل يومين أن القوات الحكومية تكثّف عملية فجر اليمن بتقدم ميداني نحو معسكر ماس غرب مأرب، مع ضربات جوية وكمائن نوعية ضد المليشيا الحوثية في تعز ولحج.
ويعني هذا التباين في التواريخ والتفاصيل أن الخط الأمامي لم يكن ثابتاً طوال الأسبوعين الماضيين؛ فالمصادر تحدثت تارة عن محيط المعسكر، وتارة عن السيطرة عليه، ثم عن التوسع باتجاه مجزر. ومع ذلك، فإن الثابت في هذه الروايات هو اتجاه الحركة: من محيط ماس ومدغل إلى عمق مجزر، لا العكس. والوصول الأخير إلى المديرية، كما نقلته وسائل إعلامية يمنية، يمثل المرة الأولى التي تبلغ فيها قوات الجيش هذا العمق منذ عام 2021.
لماذا يُعدّ عام 2021 مرجعية؟
ليس عام 2021 تاريخاً إدارياً في سياق مأرب. ففي شباط/فبراير من ذلك العام بدأت معركة مأرب، بعد تقدم الحوثيين باتجاه المدينة، واستمرت حتى عام 2022، وفق ما وثقته موسوعة ويكيبيديا. وقبل ذلك بأشهر، في تشرين الثاني/نوفمبر 2020، نقلت صحيفة الإمارات اليوم أن قوات الجيش والقبائل أكملت تحرير منطقة الجفرة شرق مديرية مجزر. أما مرحلة 2021، فشهدت انكماش الخط الحكومي عن مناطق واسعة في شمال المحافظة وشمالها الغربي، بينها مدغل ومجزر.
وفي كانون الثاني/يناير 2022، نقلت صحيفة الثورة عن العميد يحيى سريع أن عملية «البأس الشديد» أفضت إلى السيطرة على مديريتي مدغل ومجزر، في مساحة قدرت بنحو 1600 كيلومتر مربع. وهذا الرقم، الوارد في رواية الطرف الآخر للصراع، يوضح حجم المنطقة التي خرجت حينها من يد القوات الحكومية. ومن هنا تستمد عبارة «للمرة الأولى منذ 2021» معناها: الوصول الحالي ليس زيارة عابرة لمنطقة مفتوحة، بل عودة إلى عمق خسرته القوات الحكومية قبل نحو خمس سنوات.
عملية فجر اليمن وسياقها
أطلقت القوات الحكومية اليمنية عملية «فجر اليمن» في 5 تشرين الأول/أكتوبر 2026 ضد الحوثيين، وهي جزء من الحرب الأهلية المستمرة منذ عام 2014، وفق ما ورد في ويكيبيديا. وتهدف العملية، بحسب إعلان مجلس القيادة الرئاسي، إلى استعادة الأراضي التي تسيطر عليها الجماعة. وفي اليوم نفسه، نقلت الجزيرة أن مصدراً قال إن غارات استهدفت مواقع حوثية قرب جبل حلان، ومستودع أسلحة وتعزيزات عسكرية شمال غرب مأرب.
وبعد أسبوع من انطلاق العملية، نشرت الجزيرة نت في 11 تشرين الأول/أكتوبر حصيلة الأسبوع الأول، وقالت إن القوات الحكومية المسنودة بالتحالف استكملت الأسبوع وسط احتدام المعارك والهجمات المتبادلة. وفي 13 تشرين الأول/أكتوبر، نقلت الجزيرة بالإنكليزية عن القوات الحكومية أنها حققت تقدمات استراتيجية داخل محافظة مأرب، في وقت شنّ الحوثيون هجمات قاتلة في تعز. وفي اليوم نفسه، نشرت الجزيرة نت أن الجيش اليمني أعلن تقدماً ميدانياً جديداً في مأرب ضمن العملية، بالتزامن مع اشتباكات عنيفة على جبهات تعز وقصف حوثي استهدف أحياء سكنية.
وهذا النمط مهم لفهم الخبر. فالوصول إلى مجزر ليس حدثاً معزولاً عن جبهة واحدة، بل هو جزء من عملية متعددة المحاور تشمل مأرب وتعز ولحج ومناطق أخرى. ونقلت صحيفة الشرق الأوسط أن القوات المسلحة واصلت، يوم الثلاثاء الماضي، تقدمها الميداني في الجبهة الجنوبية لمحافظة مأرب ضمن العملية، وسط تراجع مستمر وخسائر للطرف الآخر. كما نقل التلفزيون العربي أن الغارات والمعارك توزعت على أكثر من محور.
ما الذي يغيره الوصول عسكرياً؟
من الناحية العسكرية، يمنح وجود الجيش في مجزر قواته إشرافاً على ممر يربط مأرب بالجوف، ويقرّب معسكر ماس من المحاور التي استخدمتها جماعة الحوثي لسنوات منصة للتموضع والإطلاق. وفي آب/أغسطس 2026، نقل موقع ديفنس لاين أن مصادر رصدت إطلاق خمسة صواريخ من مواقع في محيط معسكر ماس بمديرية مدغل شمال غرب مأرب. والسيطرة على هذا المحيط، ثم الوصول إلى مجزر، يعنيان حرمان الجماعة من نقطة كانت تستخدمها للرمي ولتحريك التعزيزات بين المحافظتين.
ولا يعني الوصول، في حد ذاته، انتهاء القتال في المديرية. فالتجربة الميدانية في مأرب خلال السنوات الماضية تظهر أن السيطرة على معسكر أو مرتفع لا تترجم تلقائياً إلى ثبات الخط، خاصة في منطقة مفتوحة تسمح بالمناورة وبالقصف بعيد المدى. وقد حذّر مركز شاف لتحليل الأزمات، في قراءة نشرها قبل خمسة أيام، من سيناريوهن: احتواء التقدم الحكومي واستمرار الاستنزاف، أو اتساع المواجهة وتحولها إلى حرب متعددة الجبهات، وهو السيناريو الذي وصفه المركز بالأرجح في المدى القريب. والوصول إلى مجزر يرجّح كفة السيناريو الثاني، من دون أن يلغي احتمال الأول.
الأثر الإنساني والخدمات
لا تقتصر كلفة التغيير الميداني على المحاربين. فمحافظة مأرب تستضيف منذ سنوات مئات الآلاف من النازحين، وتعد آخر معقل كبير للسلطة المعترف بها دولياً في شمال البلاد. وفي آب/أغسطس 2026، نقلت الجزيرة أن القصف المتجدد على مأرب، المدينة التي تستضيف أكثر من مليوني نازح من نحو إجمالي يقارب خمسة ملايين نازح في اليمن، جاء بعد هجوم على مواقع حكومية. وفي 13 تشرين الأول/أكتوبر، قالت منظمة الصحة العالمية إن حالات الكوليرا ارتفعت في اليمن مع احتدام القتال.
ويعني ذلك أن أي توسع للعمليات في مجزر ومدغل والجوف يضع خدمات المياه والصحة والإيواء أمام اختبار جديد، في محافظة تعاني أصلاً من ضغط نزوح هائل. كما أن وجود موقع لاستخراج الذهب في المديرية، كما أشارت قناة الحدث سابقاً، يضيف بعداً اقتصادياً إلى البعد العسكري: فمن يسيطر على المنطقة لا يسيطر فقط على طريق أو معسكر، بل على مورد كان محل نزاع محلي قبل الحرب وبعدها.
ما الذي يمكن ترجيحه وما لا يمكن
يمكن القول، بناءً على تطابق المصادر، إن القوات الحكومية حققت خلال أسبوعين تقدماً ملموساً شمال مأرب وشمالها الغربي، وإن معسكر ماس كان في قلب هذا التقدم، وإن الوصول إلى مجزر هو أول وصول من نوعه منذ انكماش الخط الحكومي عن هذه المنطقة في عام 2021. ويمكن القول أيضاً إن العملية لم تعد محلية؛ فهي تتوازى مع قتال في تعز ولحج، ومع ضربات جوية للتحالف، ومع إعلان سياسي من مجلس القيادة الرئاسي يربط العملية بهدف استعادة الأراضي.
أما ما لا يمكن ترجيحه، فهو حجم المنطقة التي أصبحت تحت السيطرة الكاملة داخل مجزر، وعدد القتلى والجرحى في هذا المحور تحديداً، وما إذا كانت القوات قادرة على تثبيت المكسب أمام هجوم مضاد. فالمصادر المتاحة لا تقدم خريطة نهائية للمديرية، ولا حصيلة بشرية مستقلة يمكن البناء عليها. كما أن روايات متعارضة ظهرت حول توقيت السيطرة على معسكر ماس نفسه، بين من تحدث عن محيطه ومن تحدث عن دخوله، وهو ما يفرض التحفظ في وصف الخط الأمامي داخل المديرية.
الخلاصة
يضع وصول الجيش اليمني إلى مديرية مجزر عملية «فجر اليمن» أمام اختبار مختلف عن اختبار الأسبوعين الأولين. فالتقدم من محيط معسكر ماس إلى عمق مديرية لم تبلغها القوات الحكومية منذ عام 2021 يعني أن العملية انتقلت من مرحلة الضغط على الأطراف إلى مرحلة إعادة رسم خط التماس في شمال غرب مأرب. لكن تثبيت هذا الخط سيتوقف على قدرة القوات على حماية معسكر ماس وممرات مجزر، وعلى مدى قدرة الجماعة على فتح جبهات أخرى لتخفيف الضغط، وعلى ما إذا كانت الخدمات والطرق ستصمد أمام نازحي مأرب وسكان مديرياتها الشمالية. وحتى تتضح هذه العناصر، يبقى الوصول إلى مجزر تحولاً ميدانياً مهماً، لا نهاية للمعركة.