الخارجية الإيرانية: لم نغادر طاولة المفاوضات وتبادل الرسائل عبر الوسطاء مستمر | سياسة | شبكة نفود الإخبارية
عاجل
سياسة
الخارجية الإيرانية: لم نغادر طاولة المفاوضات وتبادل الرسائل عبر الوسطاء مستمر
✍️ طلال الدوسري
شارك:
✍️ طلال الدوسري
أكدت وزارة الخارجية الإيرانية أن طهران لم تغادر طاولة المفاوضات، وأن عملية تبادل الرسائل عبر الوسطاء ما زالت مستمرة، في مقابل ما وصفته بإصرار أميركي على مطالب أحادية الجانب. ويأتي هذا الموقف في وقت يتابع فيه الإقليم والعواصم أي إشارة إلى استمرار قنوات التواصل أو تعطلها، في ظل خلاف معروف بين المطالب الأميركية والشروط الإيرانية حول ملف العقوبات والبرنامج النووي ومسار التفاهم الغير مباشر.
## مضمون الموقف الإيراني
حمل التصريح الصادر عن الخارجية الإيرانية رسالة مزدوجة. فمن جهة، تشدد طهران على أنها ما زالت منخرطة في مسار تفاوضي، وأن غياب جلسات علنية معلنة لا يعني بالضرورة انهيار القناة. ومن جهة أخرى، تحمّل الجانب الأميركي مسؤولية تعثر التقدم، بوصف مطالبه بأنها أحادية الجانب، أي أنها لا تقوم، بحسب الرواية الإيرانية، على تبادل متوازن للالتزامات.
ولم يتضمن البيان المتداول تفاصيل عن هوية الوسطاء أو عدد الرسائل أو موعد جولة مقبلة. وهذا الاقتضاب مألوف في مسارات تُدار بعيداً عن الإعلان، حيث يُكتفى بتأكيد استمرار التواصل من دون كشف مضمون العروض أو نقاط الخلاف. ويبقى المعنى السياسي الأوضح هو رفض طهران تصوير المسار على أنه مغلق، مع تحميل واشنطن مسؤولية عدم تحول هذا التواصل إلى تفاهم.
### الرسالة الموجهة إلى الداخل والخارج
يخدم هذا النوع من التصريحات أكثر من جمهور. داخلياً، يحاول الخطاب الرسمي إظهار الدولة بموقف لا يتخلى عن التفاوض ولا يقبل الإملاءات. وخارجياً، يُوجه الكلام إلى الوسطاء وإلى العواصم المهتمة بمنع تصعيد لا يريده كثير من الأطراف الإقليمية. والتأكيد على البقاء على الطاولة يمنح الدبلوماسية الإيرانية مساحة للقول إن الباب لم يُغلق من جانبها، حتى لو بقي الخلاف على جوهر الملف قائماً.
## تبادل الرسائل عبر الوسطاء
أشارت الخارجية الإيرانية إلى أن عملية تبادل الرسائل عبر الوسطاء مستمرة. وهذه الصيغة تعني، في العرف الدبلوماسي، أن التواصل لم ينقطع، لكنه ليس بالضرورة تواصلاً مباشراً بين وفدين يجلسان إلى طاولة واحدة. وفي ملفات شديدة الحساسية، يسمح الوسيط لكل طرف بإبلاغ موقفه من دون تحمل كلفة الاعتراف العلني بتنازل أو بقبول إطار لا يريده.
ويعرف الملف الإيراني الأميركي، على مدى سنوات، باعتماده على قنوات غير مباشرة كلما تعذر الحوار العلني. وقد أدت دول إقليمية، في مراحل سابقة، أدوار تسهيل ونقل رسائل بين الطرفين، من دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود اتفاق نهائي. والتصريح الأخير يندرج في هذا السياق: القناة مفتوحة، لكن النتيجة غير مضمونة.
### فرق بين التواصل والاتفاق
من المهم عدم الخلط بين استمرار تبادل الرسائل وبين وجود تقدم تفاوضي قابل للقياس. فالرسائل قد تتضمن تثبيت المواقف لا تعديلها، وقد تكون وسيلة لإدارة الزمن لا لإنجاز تفاهم. كما أن الوسيط، مهما بلغ حرصه، لا يملك فرض حل إذا أصر أحد الطرفين على شروط يراها الآخر غير قابلة للقبول. ولذلك فإن التصريح الإيراني يثبت الحركة، لكنه لا يثبت الاختراق.
## المطالب الأميركية كما تراها طهران
قالت الخارجية الإيرانية إن أميركا مصرة على مطالبها أحادية الجانب. وهذا الوصف يعكس خلافاً قديماً في تعريف التفاوض المتوازن. فواشنطن، في المراحل المختلفة من هذا الملف، ربطت أي تخفيف للضغوط بقيود على البرنامج النووي الإيراني وبضمانات رقابة تراها ضرورية. أما طهران فتعتبر أن رفع العقوبات والاعتراف بحقها في الاستخدام السلمي للتكنولوجيا النووية يجب أن يكون جزءاً أصيلاً من أي ترتيب، لا مكافأة مؤجلة بعد تنفيذ مطالب الطرف الآخر.
وفي ظل السياسة التي ينتهجها الرئيس الأمريكي ترامب تجاه طهران، يبقى ملف الضغوط والعقوبات في صلب الموقف الأميركي العلني. ولا يقدم التصريح الإيراني الأخير تفصيلاً جديداً عن طبيعة المطالب التي تصفها بالأحادية، لكنه يؤكد أن طهران لا ترى في العروض المطروحة، حتى اللحظة، أساساً مقبولاً للتفاهم. وهذا التباين في تعريف الحل هو ما يجعل الوساطة صعبة، لأن كل طرف يطلب من الآخر أن يتحرك أولاً في مسألة يعدها جوهرية.
### العقوبات وملف الضمانات
يظل ملف العقوبات العنوان الأكثر حضوراً في أي نقاش حول إمكان التفاهم. فالجانب الإيراني يربط جدوى أي ترتيب بآثاره الاقتصادية والمالية، فيما يركز الموقف الأميركي على ضمانات تمنع، من وجهة نظره، تحول البرنامج النووي إلى مسار عسكري. وبين هذين المنطقين تقف الوساطة: تنقل الرسائل، وتختبر إمكان تضييق الفجوة، من دون أن تملك صلاحية تغيير أولويات أي من العاصمتين.
## خلفية المسار التفاوضي
لم يكن الخلاف بين واشنطن وطهران وليد اللحظة. فهو ملف تراكمت فيه عقوبات واتفاقات وانسحابات وجولات تفاوض غير مباشرة، إلى جانب تو8تر أمني متكرر في المنطقة. وقد أظهرت تجارب سابقة أن الوصول إلى ترتيب مكتوب ممكن عندما تتوافر إرادة سياسية لدى الطرفين، وأن هذا الترتيب يبقى هشاً إذا لم يُحصّن بآليات رقابة وبتزامات قابلة للتنفيذ.
كما أن التجربة أظهرت أن الانسحاب من اتفاق أو تعليق الالتزامات لا ينهي الحاجة إلى قناة تواصل. فالعواصم الكبرى، حتى في ذروة الخلاف، تحتفظ عادة بخط تواصل غير معلن لمنع سوء الحساب. ومن هنا تكتسب عبارة «لم نغادر طاولة المفاوضات» أهميتها: فهي لا تعني بالضرورة أن اتفاقاً قريباً، بل تعني أن الخيار الدبلوماسي ما زال مطروحاً من الجانب الإيراني.
### لماذا يهم الإقليم؟
يتابع الإقليم هذه التصريحات لأن مآل الملف لا تقتصر على واشنطن وطهران. فأي تصعيد ينعكس على أمن الممرات المائية وأسعار الطاقة وحسابات الدول المجاورة، فيما يُنظر إلى أي انفراج تفاوضي بوصفه عامل خفض للتوتر، لا ضماناً لحل نهائي. والدول التي اضطلعت بأدوار وساطة في مراحل سابقة تتابع الصياغة الإيرانية بعناية، لأنها تحدد هل ما زال هناك طلب على دورها أم أن المسار دخل مرحلة جمود.
## ما الذي لا يقوله التصريح
يُفضّل قراءة الموقف الإيراني بما يثبته وبما لا يثبته. هو يثبت أن طهران تعلن استمرارها في المسار، وأن الرسائل ما زالت تنتقل عبر وسطاء، وأنها تحمّل الجانب الأميركي مسؤولية الإصرار على مطالب لا تراها متوازنة. وهو لا يثبت وجود جولة جديدة، ولا يسمي الوسيط، ولا يحدد جدولاً زمنياً، ولا يعلن تقارباً في المواقف. وهذه الحدود ضرورية لفهم الخبر كما هو، لا كما قد يُراد له أن يعني.
وفي العمل الصحفي المنضبط، لا يُعامل التصريح الرسمي بوصفه اتفاقاً ولا بوصفه قطيعة نهائية. فهو موقف في لحظة معينة، قابل للتطور إذا تغيرت الرسائل أو تغير توزيع الأولويات. والجمهور والصناع القرار يحتاجون إلى متابعة ما إذا كان تبادل الرسائل سيُترجم بجولة علنية، أو سيبقى إطاراً لإدارة الخلاف من دون حسمه.
## السياق السياسي الأوسع
يتقاطع هذا الملف مع حسابات أوسع تتعلق بموقع إيران الإقليمي وبعلاقتها مع القوى الدولية وبأولويات الإدارة الأميركية. والرئيس الأمريكي ترامب يُقدّم، في خطابه العلني المعروف، سياسة ضغوط بوصفها أداة لفرض شروط أميركية. أما طهران فترد بالتشديد على أن الضغط لا ينتج تفاوضاً متكافئاً، وأن البقاء على طاولة المفاوضات لا يعني قبول تلك الشروط.
وهذا التوازن الهش يفسر لماذا تكثر التصريحات التي تجمع بين الانفتاح على الحوار والتشديد على الخطوط الحمراء. فالدولة التي تغلق الباب بشكل كامل تفقد هامش المناورة، والدولة التي تُظهر استعداداً غير مشروط تُضعف موقفها التفاوضي. والصيغة الإيرانية الأخيرة تحاول الجمع بين الأمرين: البقاء في المسار، ورفض تحمل مسؤولية تعطله.
## المشهد المحتمل
أمام هذا الموقف، تبدو ثلاث إمكانات عامة لا يمكن الجزم بأي منها في غياب معلومات إضافية من الطرفين. الإمكان الأول هو استمرار تبادل الرسائل من دون إعلان جولة جديدة، وهو السيناريو الأقرب إلى ما ورد في التصريح. والإمكان الثاني هو أن تُفضي الرسائل إلى جولة غير مباشرة إذا قدر الوسطاء على تضييق الخلاف حول ترتيب الخطوات. والإمكان الثالث هو أن يبقى المسار مفتوحاً شكلياً بينما يتصعد الخلاف السياسي والأمني خارج طاولة التفاوض.
ولا يمكن للتصريح الإيراني وحده أن يحسم أي هذه المسارات سيطغى. فالمطلوب موقف أميركي موازٍ يوضح هل ترى واشنطن القناة مستمرة بالصيغة نفسها، وهل تعد مطالبها أحادية الجانب أم شروطاً لا ترى تفاوضاً من دونها. وحتى يصدر هذا التوضيح، يبقى الخبر المؤكد هو ما قالته الخارجية الإيرانية: الطاولة لم تُغادر، والرسائل تُتبادل عبر الوسطاء، والمطالب الأميركية، بحسب طهران، ما زالت أحادية الجانب.
## خلاصة
يضع الموقف الإيراني الملف في منطقة وسطى: لا إعلان عن انهيار المفاوضات، ولا إعلان عن اختراق. وهو موقف يحفظ لطهران هامش الحركة، ويبقي الضغط مسلطاً على الوسطاء وعلى الإدارة الأميركية إذا كانت تريد تحويل الرسائل إلى تفاهم. وفي انتظار موقف أميركي موثق يوضح مصير هذه القناة، يبقى الخبر المركزي أن الدبلوماسية الإيرانية ترفض رواية الخروج من المفاوضات، وتؤكد استمرار التواصل غير المباشر، وتحمل واشنطن مسؤولية عدم تحول هذا التواصل إلى تفاهم يُنهي الخلاف حول المطالب الأحادية الجانب.