الخارجية الإيرانية: لم نغادر طاولة المفاوضات وتبادل الرسائل عبر الوسطاء مستمر
✍️ طلال الدوسري
شارك:
✍️ طلال الدوسري
أكدت وزارة الخارجية الإيرانية أن طهران لم تغادر طاولة المفاوضات، وأن عملية تبادل الرسائل عبر الوسطاء ما زالت مستمرة، في موقف يعكس حرص إيران على الإبقاء في دائرة التواصل الدبلوماسي حتى في ظل خلاف عميق مع واشنطن. وقالت الخارجية الإيرانية إن الجانب الأميركي مصر على مطالب تصفها طهران بأنها أحادية الجانب، في إشارة إلى أن قنوات التواصل لم تنقطع، لكن الهوة بين الموقفين ما زالت واسعة.
ويأتي هذا التصريح في وقت تتابع فيه العواصم الإقليمية والدولية مسار الحوار بين طهران وواشنطن، وسط تساؤلات متكررة عما إذا كانت قنوات التواصل غير المباشرة ما زالت قادرة على منع انهيار كامل للمسار الدبلوماسي. وبحسب ما نقلته وسائل إعلام عن الموقف الإيراني، فإن الرسالة المركزية تتمثل في التمييز بين البقاء على طاولة التفاوض وبين رفض ما تعده طهران شروطًا مفروضة من طرف واحد.
## مضمون الموقف الإيراني
يحمل التصريح ثلاث رسائل مترابطة. الأولى أن إيران لم تنسحب من مسار التفاوض، وهو تأكيد موجه إلى الداخل والخارج معًا، ويهدف إلى نفي انطباع بأن القنوات الدبلوماسية أغلقت. والثانية أن تبادل الرسائل ما زال يجري عبر وسطاء، ما يعني أن التواصل ليس مباشرًا بالضرورة، بل يمر عبر أطراف ثالثة تتولى نقل المواقف والملاحظات. والثالثة أن واشنطن، بحسب الرواية الإيرانية، تتمسك بمطالب أحادية الجانب، وهو وصف يعني أن طهران ترى في المطلوب الأميركي محاولة لفرض نتيجة مسبقة بدلًا من التفاوض على تسوية متبادلة.
ولم يتضمن البيان، كما نُقل، تفاصيل عن هوية الوسطاء أو مضمون الرسائل المتبادلة أو جدولًا زمنيًا لجولة مقبلة من المباحثات. وهذا الغياب للتفاصيل مألوف في ملفات حساسة تُدار عبر قنوات غير علنية، حيث تفضل الأطراف الإبقاء على هامش مناورة قبل أن تتبلور الصيغ النهائية أو تُعلن الخلافات علنًا.
ومن الناحية السياسية، يسمح هذا النوع من التصريحات لطهران بالجمع بين رسالتين: رسالة انفتاح على استمرار الحوار، ورسالة صلابة ترفض تحميل طرف واحد كلفة التنازل. وهو أسلوب دبلوماسي متكرر في الملفات الشائكة، حيث يسعى كل طرف إلى تثبيت أنه لم يغلق الباب، مع تحميل الطرف الآخر مسؤولية تعطل التقدم.
## خلفية الملف التفاوضي
يندرج هذا الموقف ضمن مسار طويل من الخلاف بين إيران والولايات المتحدة حول الملف النووي والعقوبات وقضايا إقليمية مترابطة. وقد شهد هذا المسار على مدى سنوات جولات من التفاوض المباشر وغير المباشر، تخلللتها فترات توتر وتبادل اتهامات وتشديد في الإجراءات العقابية.
وتظل نقطة الخلاف المركزية، وفق المواقف المعلنة على مدى سنوات، دائرة حول طبيعة التزامات التي يمكن لكل طرف قبولها. فواشنطن تربط تاريخيًا بين أي تخفيف للضغوط وبين ضمانات تراها كافية بشأن البرنامج النووي الإيراني ومسار الرقابة، فيما تشترط طهران رفع العقوبات وضمانات بعدم العودة عنها، وترفض ما تصفه مسًا بسيادتها الدفاعية والإقليمية خارج إطار تفاوض محدود ومتوازن.
وفي هذا السياق، يكتسب وصف «المطالب الأحادية الجانب» دلالة سياسية واضحة. فهو لا يعني بالضرورة رفض مبدأ التفاوض، بل يعني رفض صيغة ترى فيها طهران أن الطرف الأميركي يطلب تنازلات من دون مقابل تراه مكافئًا. وهذا التوصيف موجه أيضًا إلى الرأي العام الدولي، لأن مفهوم المطلب الأحادي يُستخدم عادة لتفسير تعثر الجولات ولتبرير عدم تقديم تنازلات إضافية.
## دور الوسطاء في إبقاء قناة مفتوحة
يُعد اللجوء إلى الوسطاء سمة ثابتة في العلاقة بين طهران وواشنطن كلما تعذر الحوار المباشر أو احتاج الطرفان إلى قناة أقل كلفة سياسية. فالوسيط يسمح بنقل الرسائل من دون أن يتحمل أي من الطرفين كلفة الاعتراف العلني بتقدم أو تراجع، ويوفر مساحة لاختبار الصيغ قبل تحويلها إلى موقف رسمي.
وفي تجارب سابقة، اضطلعت دول وأطراف إقليمية بأدوار وساطة في ملفات مشابهة، من دون أن يعني ذلك بالضرورة نجاح الوساطة في إنجاز اتفاق. فوظيفة الوسيط، في هذه المرحلة، هي إبقاء خط الاتصال قائمًا ونقل التحفظات والمقترحات، لا صناعة توافق غير موجود. وكلما طال أمد تبادل الرسائل من دون جلسة علنية، ارتفع احتمال أن يكون الهدف المباشر هو إدارة الخلاف لا حسمه.
ويعني الإبقاء على قناة الوسطاء أن الطرفين ما زالا يريان مصلحة في عدم القطيعة الكاملة. فالقطيعة ترفع كلفة الخطأ السياسي، وتُضيّق هامش المناورة أمام الرأي العام الداخلي في كل بلد، وتُعقّد إعادة فتح القناة لاحقًا. أما استمرار الرسائل فيبقي الباب مواربًا، حتى لو لم يُنتج عنه اختراق فوري.
## الموقف الأميركي في سياق الرئاسة الحالية
يتابع الملف الإيراني تحت إدارة الرئيس الأميركي ترامب، الذي ارتبط اسمه على مدى سنوات بسياسة الضغط الأقصى تجاه طهران، سواء عبر العقوبات أو عبر ربط أي تفاهم بشروط يراها الجانب الأميركي أكثر صرامة. وفي المقابل، تعد طهران هذا النهج محاولة لفرض إرادة طرف واحد، وهو ما انعكس في وصف المطالب الأميركية بأنها أحادية الجانب.
ولا يعني استمرار تبادل الرسائل أن الفجوة بين الموقفين قد ضاقت. فالتجربة السابقة في هذا الملف تُظهر أن قنوات التواصل قد تبقى مفتوحة لفترات طويلة من دون أن تُترجم إلى اتفاق، خاصة عندما يتمسك كل طرف بتعريف مختلف لما يُعد تنازلًا مقبولًا. وكلما ارتفع سقف المطالب، صعب على الوسطاء تحويل الرسائل إلى مسودة قابلة للتفاوض.
ومن المهم هنا عدم الخلط بين وجود قناة تواصل وبين وجود تفاهم. فالأول يمنع التصعيد المفاجئ ويحفظ إمكانية العودة إلى الطاولة، أما الثاني فيحتاج إلى تقاطع مصالح وضمانات متقابلة لم تظهر بعد في البيان الإيراني. ولذلك فإن قراءة التصريح بوصفه إشارة إلى اختراق وشيك تجاوز لما ورد فيه.
## الأبعاد الإقليمية والاقتصادية
لا ينفصل هذا الملف عن بيئته الإقليمية. فأي تقدم أو تعثر في القناة بين طهران وواشنطن ينعكس على حسابات الأمن في الخليج والمضايق وشرق المتوسط، وعلى موقف الدول المعنية باستقرار أسواق الطاقة ومسارات الملاحة. كما أن مستوى التوتر يؤثر في تقييم المخاطر لدى المستثمرين والشركات العاملة في المنطقة، حتى عندما لا يكون هناك تصعيد ميداني مباشر.
وعلى المستوى الاقتصادي، تبقى العقوبات عنصرًا حاسمًا في أي تفاهم محتمل. فطهران تربط بين جدوى التفاوض وبين تخفيف القيود المفروضة على قطاعاتها المالية والنفطية والتجارية، بينما ترى واشنطن في هذه القيود أداة ضغط رئيسية لا ينبغي التخلي عنها قبل الحصول على ما تعده ضمانات كافية. وهذا التباين يفسر لماذا تطول جولات الرسائل من دون أن تُنهي الخلافات الهيكلية.
وبالنسبة إلى دول المنطقة، فإن الاهتمام لا يقتصر على نتيجة التفاوض، بل يشمل طريقة إدارته. فاستمرار قناة الوسطاء يُقرأ على أنه مؤشر على رغبة في ضبط التصعيد، بينما يُقرأ الإصرار على مطالب متضادة على أن احتمال الوصول إلى تسوية سريعة ما زال منخفضًا. وهذا التمييز مهم للأسواق ولصناع القرار السياسي على حد سواء.
## ماذا يعني التصريح وماذا لا يعنيه
من الناحية العملية، يؤكد الموقف الإيراني أمرين فقط: أن طهران ما زالت تعد نفسها طرفًا في التفاوض، وأن الرسائل لم تتوقف. أما ما عدا ذلك فهو تقييم سياسي لموقف الطرف الآخر، لا إعلانًا عن اتفاق أو عن موعد جديد أو عن تغيير في شروط العقوبات. وهذا الحد مهم لأن بعض التغطيات السريعة قد تُحوّل عبارة «لم نغادر الطاولة» إلى انطباع بانفراج لا يسنده النص.
كما أن عدم ذكر أسماء الوسطاء لا يُلغي أهمية الجملة المتعلقة بهم. فوجود وسيط نشط يعني أن هناك طرفًا ثالثًا يرى مصلحة في منع الانهيار، ويعني أيضًا أن الطرفين المباشرين لم يصلا بعد إلى مرحلة الجلوس العلنية المشتركة. وفي الملفات المعقدة، قد تكون هذه المرحلة أطول من مرحلة الجلسات نفسها، لأنها تُستخدم لبناء ثقة حد أدنى ولاختبار النوايا قبل الالتزام.
ويمكن قراءة الإصرار الإيراني على وصف الموقف الأميركي بأنه أحادي الجانب بوصفه رسالة داخلية أيضًا. فالسلطة في طهران تحتاج إلى إظهار أنها لم تتنازل تحت الضغط، وأن البقاء في قناة التواصل لا يعادل قبول شروط واشنطن. وهذا التوازن بين الانفتاح الشكلي والصلابة الموضوعية هو ما يفسر صياغة البيان كما نُقلت.
## سيناريوهات المرحلة المقبلة
أمام هذا الملف ثلاثة مسارات محتملة، من دون أن يكون أي منها محسومًا بناءً على البيان وحده. المسار الأول هو استمرار تبادل الرسائل عبر الوسطاء لفترة أطول، مع الإبقاء على الخلافات الجوهرية من دون جلسة علنية. والمسار الثاني هو تحويل هذه الرسائل إلى جولة مباحثات أكثر تنظيمًا إذا تقاربت الصيغ. والمسار الثالث هو تصلب المواقف إذا رأت واشنطن أن طهران تستخدم القناة لكسب الوقت، أو رأت طهران أن المطلوب الأميركي لا يترك لها هامشًا مقبولًا.
وفي الحالات الثلاث، يبقى عامل العقوبات وعامل التوتر الإقليمي حاضرين. فالعقوبات تمنح واشنطن ورقة ضغط، لكنها تمنح طهران أيضًا ذريعة لرفض ما تصفه بالإملاء. والتوتر الإقليمي يرفع كلفة الفشل الدبلوماسي، لكنه قد يُستخدم أيضًا لتبرير التشدد. ولذلك فإن البيان الإيراني لا يُغلق باب التصعيد ولا يفتح باب التسوية، بل يبقي الخيارين قائمين.
وسيتوقف المسار الفعلي على ما إذا كانت الرسائل المتبادلة ستنتقل من تبادل المواقف إلى تبادل صيغ مكتوبة قابلة للنقاش. فالرسائل العامة تحفظ القناة، أما الصيغ المكتوبة فهي التي تكشف إذا كان هناك استعداد حقيقي للتسوية. وحتى الآن، لا يوجد في المعلن ما يؤكد الانتقال إلى هذه المرحلة.
## قراءة متأنية للمشهد الراهن
يُفهم التصريح الإيراني، في ضوء هذه الخلفية، بوصفه محاولة لضبط إيقاع الملف لا لإعلان نتيجة. طهران تقول إنها لم تغادر الطاولة، لكنها تشترط ضمنًا أن البقاء على الطاولة لا يعني قبول جدول أعمال أميركي تراه مخلا بالتوازن. وواشنطن، وفق هذه الرواية، ما زالت تقدم مطالبها كما هي، من دون إشارة في البيان الإيراني إلى مرونة جديدة.
وهذا النوع من الرسائل مألوف في مراحل الجمود الدبلوماسي، حيث يسعى كل طرف إلى تثبيت سرديته قبل أن تُكشف تفاصيل أي تقارب. كما أنه يسمح للوسطاء بمواصلة العمل من دون أن يتحولوا إلى طرف في الخلاف العلني. وكلما بقيت الصياغة عامة، بقي هامش الحركة مفتوحًا أمام الجميع.
وفي المحصلة، فإن المعلومة المؤكدة حتى الآن هي أن وزارة الخارجية الإيرانية تقول إن بلادها لم تغادر طاولة المفاوضات، وإن تبادل الرسائل عبر الوسطاء مستمر، وإن الجانب الأميركي مصر على مطالب تصفها طهران بأنها أحادية الجانب. وما عدا ذلك يبقى رهن تطورات لاحقة، ومدى استعداد الطرفين لتحويل هذه القناة إلى تفاهم قابل للتنفيذ، في ملف أثبتت السنوات أن المسافة بين الرسالة والاتفاق قد تكون طويلة.