الخارجية السعودية ترحب بالبيان الرئاسي لمجلس الأمن المندد بهجمات الحوثي وتهديداتها للملاحة
✍️ ريهام العبدلي
شارك:
✍️ ريهام العبدلي
رحّبت وزارة الخارجية السعودية بالبيان الرئاسي الصادر عن أعضاء مجلس الأمن الدولي، والذي أدان هجمات ميليشيا الحوثي الإرهابية على المملكة العربية السعودية وتهديداتها للملاحة، مؤكدة أن المملكة تثمّن تضامن أعضاء المجلس، وتشدد على حقها الأصيل في اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة للدفاع عن أمنها وحماية مواطنيها والمقيمين على أراضيها.
ويأتي الموقف السعودي بعد تبني المجلس بيانًا رئاسيًا حمل الوثيقة S/PRST/2026/4، أدان فيه أعضاء المجلس، وفق ما نشرته الأمم المتحدة، الضربات التي وصفوها بأنها «متهورة» في العاشر والحادي عشر من أكتوبر 2026، في سياق تصاعد هجمات ميليشيا الحوثي على المملكة. وأوضحت تغطيات وكالات أنباء دولية، من بينها وكالة الأنباء السعودية وشينخوا، أن الإدانة شملت الهجمات المتصاعدة والمستمرة ضد المملكة، بما في ذلك ما يمس الطيران المدني والبنية التحتية للطاقة، إلى جانب الهجمات والتهديدات الموجهة إلى الملاحة التجارية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
## مضمون الموقف السعودي
جاء في نص وزارة الخارجية أن المملكة «ترحب بالبيان الرئاسي الصادر عن أعضاء مجلس الأمن وإدانته هجمات ميليشيا الحوثي الإرهابية على المملكة وتهديداتها للملاحة»، وأنها «تثمّن تضامن أعضاء المجلس»، و«تشدد على حق المملكة الأصيل في اتخاذ جميع الإجراءات للدفاع عن أمنها وحماية مواطنيها والمقيمين».
ويحمل هذا الصياغة ثلاث رسائل مترابطة. الأولى أن الرياض تعدّ الإدانة الدولية الجماعية، لا مجرد موقف بياني، بل تسجيلًا سياسيًا لطبيعة الهجمات بوصفها أعمالًا إرهابية تستهدف دولة عضوًا في الأمم المتحدة وتهدد ممرًا بحريًا دوليًا. والثانية أن التضامن المعلن من أعضاء المجلس يُقرأ في الرياض بوصفه غطاء سياسيًا لمطلب سعودي متكرر بعدم السماح بتطبيع استهداف المدنيين والمنشآت المدنية والاقتصادية. والثالثة أن التشديد على الحق الأصيل في الدفاع لا يُطرح بوصفه شعارًا، بل بوصفه استنادًا إلى ما أكدته تغطيات إخبارية، منها هيئة الإذاعة البريطانية، من أن البيان الرئاسي أقر حق السعودية في الدفاع عن نفسها وفقًا للقانون الدولي.
### لماذا يهم البيان الرئاسي؟
البيان الرئاسي في مجلس الأمن وثيقة تُعتمد بتوافق الأعضاء، وهي أدنى من القرار من حيث الإلزام القانوني، لكنها أعلى من البيان الصحفي العادي من حيث الوزن السياسي؛ فهي تعبّر عن موقف مشترك للأعضاء الخمسة عشر، وتُسجّل وثيقة رسمية في سجلات المجلس. وفي ملف بلغ هذا الحد من التوتر الإقليمي والدولي، يُعدّ التوافق على إدانة واضحة لهجمات الحوثي على السعودية، وعلى تهديداتها للملاحة، رسالة مفادها أن المسألة لم تعد ملفًا ثنائيًا يمكن تجاوزه أو تخفيف وصفه.
وقد نشرت البعثة الدائمة لليونان لدى الأمم المتحدة، وهي الدولة التي تولت رئاسة المجلس في هذا السياق، نص الوثيقة، فيما أكدت تغطيات إخبارية متعاقبة أن أعضاء المجلس أدانوا «بأشد العبارات» استمرار الهجمات وتصاعدها. وهذا الوصف، في لغة المجلس، ليس تفصيلًا إنشائيًا؛ فهو يضع السلوك المدان خارج إطار النزاع المسلح الداخلي في اليمن، ويربطه مباشرة بالسلم والأمن الدوليين وبحماية المدنيين.
## سياق الهجمات على المملكة
تأتي الإدانة بعد أسابيع من التصعيد الذي طال مطار الملك خالد الدولي في الرياض ومنشآت مدنية واقتصادية. وكان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس قد أدان، وفق مركز أنباء الأمم المتحدة، هجومًا صاروخيًا حوثيًا على مطار الرياض الرئيسي، قالت السلطات السعودية إنه أوقع قتلى وجرحى. وفي إحاطة أوسع، نقلت وكالة رويترز وشبكة سي إن إن العربية عن المتحدث باسم التحالف تركي المالكي أن الحوثيين شنوا عشرين هجومًا على مطار الملك خالد الدولي منذ مطلع أكتوبر، أسفرت عن مقتل 17 شخصًا وإصابة 333 آخرين.
ولا تعدّ هذه الأرقام، بحسب ما نسبته الوكالتان إلى المتحدث الرسمي، تفصيلًا عارضًا في نشرة إخبارية، بل مؤشرًا على أن الاستهداف طال مرفقًا مدنيًا حيويًا للعاصمة ولحركة الطيران الدولية. ومطار الملك خالد ليس منشأة عسكرية؛ فهو بوابة رئيسة للمسافرين ولحركة البضائع عالية القيمة ولرحلات العمل والعمالة المقيمة. واستهدافه بصواريخ ومسيرات يضع حياة المدنيين، سعوديين ومقيمين وزائرين، في دائرة الخطر المباشر، ويُربك النشاط الاقتصادي وثقة شركاء النقل الجوي في المملكة.
### الطيران والطاقة والمدنيون
أشارت تقارير نشرت بعد تبني البيان الرئاسي إلى أن الإدانة شملت هجمات على مطارات سعودية وعلى مواقع مرتبطة بقطاع الطاقة، ومن بينها ما يتصل بشركة أرامكو. ويعني هذا الربط أن استهداف المطارات والمنشآت النفطية لا يُحدث أثرًا محليًا فقط؛ فالمملكة من أكبر مصدّري النفط في العالم، وأي اضطراب يمس سلامة منشآتها أو سلامة حركة الطيران المتصلة بها ينعكس على أسواق الطاقة وعلى سلاسل الإمداد الإقليمية.
ومن الناحية القانونية، يُعدّ استهداف الأعيان المدنية، ومن بينها المطارات المدنية والبنية التحتية الضرورية لحياة السكان، سلوكًا يتعارض مع قواعد حماية المدنيين في النزاعات المسلحة. ولذلك جاء تشديد الخارجية السعودية على حماية المواطنين والمقيمين معًا؛ فالمملكة تستضيف ملايين المقيمين الذين يعملون في مدنها ومنشآتها، وأي هجوم على العاصمة أو على مطاراتها يمس هذه الكتلة البشرية مباشرة، لا المواطنين وحدهم.
## تهديد الملاحة في البحر الأحمر
لم يقتصر البيان الرئاسي، بحسب وكالة الأنباء السعودية وهيئة الإذاعة البريطانية، على الهجمات داخل الأراضي السعودية. فقد شملت الإدانة الهجمات والتهديدات الموجهة إلى السفن التجارية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب. وهذا المضيق ليس ممرًا محليًا؛ فهو عنق زجاجة يربط خليج عدن والمحيط الهندي بالبحر الأحمر ثم بقناة السويس، ويمر عبره جزء كبير من تجارة الطاقة والسلع الاستهلاكية والمواد الأولية المتجهة إلى أوروبا وحوض البحر المتوسط.
وكلما تصاعدت تهديدات الملاحة في هذا الممر، ارتفعت أقساط التأمين وطالت مخاطر تحويل المسارات نحو رأس الرجاء الصالح، وهو ما يطيل مدة الرحلة ويرفع كلفة الشحن ويضغط على أسعار السلع. ولذلك كان تضمين الملاحة في بيان مجلس الأمن أمرًا جوهريًا للرياض كما هو جوهري لدول المنطقة وللاقتصاد العالمي. فالتهديد لا يطال سفينة بعينها فقط، بل يطال مبدأ حرية الملاحة وسلامة الممرات البحرية الدولية.
### أثر اقتصادي لا يقتصر على المملكة
تظهر التجربة خلال السنوات الماضية أن اضطراب الملاحة في البحر الأحمر ينتقل بسرعة من خانة العمليات في شركات الشحن إلى المستهلك النهائي. فارتفاع تكلفة النقل ينعكس على أسعار الغذاء والدواء والسلع المصنعة، ويضغط على الدول المستوردة في المنطقة العربية وشرق أفريقيا وأوروبا. ومن هنا كان ترحيب الرياض بالبيان مرتبطًا أيضًا بمصلحة إقليمية أوسع؛ فأمن الممرات البحرية جزء من أمن الإمدادات، وأمن الإمدادات جزء من استقرار الأسواق.
وفي الوقت نفسه، تظل المملكة معنية بألا تُقرأ إدانة الملاحة بمعزل عن إدانة الهجمات على أراضيها. فالسلوك الذي يستهدف السفن هو السلوك نفسه الذي يستهدف المدن والمطارات، ومصدره الواحد، وفق الموقف السعودي، هو ميليشيا الحوثي الإرهابية. وهذا الربط يمنع تفكيك الملف إلى مسألة بحرية منفصلة عن مسألة الاعتداء على أراضي دولة ذات سيادة.
## الحق في الدفاع وحدود القانون الدولي
أكد البيان الرئاسي، وفق ما نقلته وسائل إعلام من بينها العربية وهيئة الإذاعة البريطانية، الحق الأصيل للمملكة في الدفاع عن نفسها. وهذا الحق منصوص عليه في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، التي تُقر الحق الطبيعي في الدفاع عن النفس إذا وقع اعتداء مسلح على دولة عضو، إلى أن يتاح لمجلس الأمن اتخاذ التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدوليين. والترحيب السعودي بالبيان لا يعني التخلي عن هذا الإطار، بل يعني أن المملكة ترى في الإدانة الدولية دعمًا لموقفها القانوني، لا بديلًا عنه.
وقد دأبت الرياض، في بيانات سابقة مماثلة نشرتها وزارة الخارجية ووكالة الأنباء السعودية، على أن إجراءات الدفاع تأتي في إطار حماية الأمن والسيادة والمقدرات، وبما يتوافق مع القانون الدولي. والبيان الأخير يعيد تثبيت هذه القاعدة: الإدانة الدولية لا تُلغي مسؤولية الدولة عن حماية سكانها، والدفاع عن النفس لا يُقرأ بمعزل عن قواعد الضرورة والتناسب المعروفة في القانون الدولي.
## التضامن الإقليمي والرسالة السياسية
ليس الموقف السعودي معزولًا في ملف الحوثي. فقد رحبت دول خليجية وعربية، في محطات سابقة من العام نفسه، بإدانات مماثلة صدرت عن المجلس، وعدّت أمن المملكة جزءًا من أمن المنطقة. وفي أغسطس 2026، رحبت الرياض والدوحة وصنعاء ببيان أدان هجمات صاروخية حوثية على السعودية منذ منتصف يوليو، وهجمات على سفن تجارية منذ الثاني والعشرين من الشهر نفسه، وفق ما نشرته وكالة الأنباء السعودية ووزارة الخارجية القطرية ووكالة الأناضول. أما البيان الرئاسي الأخير فيُقرأ بوصفه تصعيدًا لهذا المسار، لا بداية له؛ فالمجلس سبق أن أدان هجمات الحوثي على السعودية في سبتمبر أيضًا، وفق مركز أنباء الأمم المتحدة، بما في ذلك ما ألحق ضررًا بالمدنيين.
والرسالة السياسية من التوافق الأخير أن استمرار الهجمات لم يعد ملفًا يمكن إدارته ببيانات قطرية أو خليجية فقط، بل أصبح موضوعًا لإجماع أعضاء مجلس الأمن. وهذا الإجماع، حتى وهو لا يفرض عقوبات جديدة بذاته، يرفع كلفة التبرير السياسي للهجمات، ويضيّق هامش المناورة أمام الدول التي تحاول فصل استهداف السعودية عن الالتزامات الدولية المتعلقة باليمن وبالملاحة.
## ما الذي يغيّره البيان وما الذي لا يغيّره؟
لا يُنهي البيان الرئاسي، بذاته، الهجمات، ولا يستبدل الجهود الدبلوماسية المطلوبة لإنهاء الحرب في اليمن وإعادة سلطة الدولة على كامل أراضيها. لكنه يغيّر البيئة السياسية التي تُدار فيها هذه الهجمات. فبعد الإدانة الجماعية، يصبح أصعب على أي طرف أن يصوّر استهداف مطار مدني أو تهديد سفينة تجارية بوصفه ردًا مشروعًا أو تفصيلًا يمكن تجاوزه. كما أن البيان يُثبّت اسم المسؤول عن التصعيد في وثيقة دولية، وهو أمر تستند إليه الدول لاحقًا عند مناقشة العقوبات والتسليح والمسارات التي تُمكّن هذه الهجمات.
وبالنسبة إلى السعودية، يُقدّم البيان غطاء سياسيًا لإجراءات حماية الأجواء والمنشآت، من دون أن يحدد هو نفسه طبيعة تلك الإجراءات. وهذا التمييز مهم: فالمجلس أقر الحق، والمملكة هي التي تمارسه في حدود القانون، والمسؤولية عن وقف الهجمات تقع أولًا على الجهة التي تشنها. وقد جاء في تغطيات إعلامية للبيان أن المجلس دعا إلى وقف فوري للتصعيد العسكري، وهو مطلب يتوافق مع الموقف السعودي القائل إن الأمن لا يُصان بالبيانات وحدها، بل بوقف المصدر الذي يُنتج الخطر.
## خلاصة الموقف
يُلخص الموقف السعودي الأخير معادلة واضحة: إدانة دولية جماعية، وتضامن معلن من أعضاء مجلس الأمن، وحق أصيل في الدفاع عن الأمن وحماية المواطنين والمقيمين. وهذه المعادلة لا تُغلق ملف اليمن، ولا تستبدل الحاجة إلى تسوية سياسية تعيد للدولة اليمنية سيادتها وتمنع استخدام أراضيها منصة لاعتداءات عبر الحدود ولتهديد الملاحة. لكنها تضع حدًا واضحًا بين ما يمكن قبوله دوليًا وما لا يمكن قبوله: لا يمكن قبول استمرار هجمات تقتل المدنيين وتعطل المطارات وتهدد السفن، ولا يمكن فصل أمن المملكة عن أمن الممرات البحرية المجاورة لها.
وستظل الأيام المقبلة هي المحك العملي لهذا البيان. فإما أن تترجم الإدانة إلى وقف فعلي للهجمات وللتهديدات، وإما أن تبقى وثيقة سياسية تضيق الخناق على من يواصل التصعيد. وفي الحالتين، ثبّتت الرياض موقفها: الترحيب بالإدانة، والتمسك بالحق في الدفاع، والتشديد على أن أمن المواطنين والمقيمين، وسلامة الملاحة، ليست مسائل قابلة للتفاوض.