القوات المسلحة اليمنية: 1292 عملية خلال 24 ساعة ضمن «فجر اليمن» وتقدم في مأرب وتعز

أعلنت القوات المسلحة اليمنية تنفيذ 1292 عملية استهداف خلال 24 ساعة ضمن عملية «فجر اليمن»، مشيرة إلى تحييد أكثر من 430 عنصرًا حوثيًا، وتدمير وإعطاب أكثر من 100 آلية ووسيلة عسكرية، بالتزامن مع تقدم ميداني في محافظة مأرب واحتجاز قادة ميدانيين للميليشيا في محافظة تعز. وجاء البيان في وقت تتوالى فيه القوات الحكومية نشر حصائل يومية للعملية، فيما تواصل وسائل إعلام عربية متابعة المواجهات على محاور مأرب وتعز والساحل الغربي.
وتظل الأرقام الواردة في البيان تقديرات ميدانية صادرة عن طرف واحد في القتال، ولم يتسنَّ التحقق المستقل منها وقت إعداد هذا التقرير. وهذا التحفظ معتاد في تغطية الجبهات اليمنية، حيث تصعب صعوبة الوصول الميداني والتحقق الفوري من حصيلة الخسائر أو مدى التغير في خطوط التماس.
ماذا تضمن البيان؟
وفق نص البيان المتداول، شملت عمليات الاستهداف مواقع دفاعية وتحصينات وخنادق تابعة للجماعة الحوثية. ولم يفصّل البيان، في صيغته المتاحة، توزيع هذه العمليات على المحافظات، ولا طبيعة كل وسيلة استُخدمت، ولا أسماء القادة الميدانيين الذين قال إنهم احتُجزوا في تعز. ويُفهم من صياغة البيان أن الحصيلة تتعلق بنافذة زمنية محددة هي 24 ساعة، لا بمجمل ما نُفّذ منذ انطلاق العملية.
ويأتي الإعلان بعد سلسلة بيانات سابقة نقلتها وسائل إعلام، منها الشرق وقناة المملكة وقناة العربية، تحدثت عن مئات العمليات يوميًا ضمن الاسم ذاته. وقد أوردت تلك التغطيات حصائل مختلفة بحسب النافذة الزمنية التي يغطيها كل بيان، من بينها ما نسبته قناة المملكة وصحيفة الشرق إلى إعلان سابق عن تنفيذ 2309 عمليات وتحييد نحو 1250 عنصرًا، وما نسبته تغطيات أخرى إلى 1732 عملية وتحييد أكثر من 900 عنصر. ولا يصح جمع هذه الأرقام في حصيلة واحدة، لأنها صدرت عن بيانات متتابعة لا عن حدث واحد، كما أن بعضها قد يكون تراكميًا وبعضها يوميًا.
التقدم في مأرب
ربط البيان الأخير العمليات بتقدم في محافظة مأرب، من دون أن يحدد المديريات أو المواقع التي شملها هذا التقدم خلال النافذة ذاتها. وكانت وكالة الأنباء القطرية «الجزيرة نت» قد نقلت، في تقرير نُشر في 13 أكتوبر 2026، إعلان الجيش اليمني تحقيق تقدم ميداني جديد في مأرب ضمن العملية نفسها، بالتزامن مع اشتباكات عنيفة على جبهات تعز وقصف حوثي استهدف أحياء في المدينة. كما تحدثت تغطيات لقناة الإخبارية عن استعادة مناطق وصفتها بالاستراتيجية في مأرب، وعن تقدم نحو مديرية مدغل، في إطار العملية ذاتها.
لماذا تُعد مأرب محورًا حاسمًا؟
تحتل مأرب موقعًا مختلفًا عن كثير من جبهات القتال اليمني، لأنها ظلت طوال سنوات الحرب أهم معقل شمالي كبير خارج سيطرة الجماعة الحوثية، وتضم منشآت للنفط والغاز تُعد من أبرز ما تبقى من مقدرات الدولة اليمنية في هذا النطاق. كما استقبلت المحافظة موجات نزوح واسعة من مناطق القتال، ما جعل أي تغير في خطوط التماس ينعكس مباشرة على أمن المدنيين وعلى حركة الإمدادات وعلى قدرة السلطات المحلية على إدارة الخدمات.
ولهذا السبب تتابع الوساطات الإقليمية والدولية أي تحرك عسكري واسع في مأرب بوصفه مؤشرًا على اتجاه المواجهة، لا بوصفه حدثًا محليًا معزولًا. غير أن الإعلانات الرسمية عن «التقدم» لا تكفي، وحدها، لتحديد ما إذا كان التغيير ميدانيًا واسعًا أم محدودًا في قطاعات معينة. والتجربة اليمنية خلال العقد الماضي تظهر أن خطوط الجبهات قد تتحرك أمتارًا معدودة ثم تعود المواجهات إلى طابع الاستنزاف والقصف المتبادل.
تعز واحتجاز قادة ميدانيين
الشق الآخر في البيان يتعلق بتعز، حيث قالت القوات المسلحة إنها احتجزت قادة ميدانيين للميليشيا. ولم يرد في المصادر المتاحة ما يؤكد هويات هؤلاء القادة أو رتبهم أو القطاع الذي جرى فيه الاحتجاز. وفي الأعراف الصحفي، يُنسب هذا المعطى إلى الجهة التي أعلنته، ويُترك الباب مفتوحًا أمام أي رد أو توضيح لاحق.
وتعز، كمأرب، ليست جبهة عادية في خريطة الحرب. فالمدينة ظلت لسنوات تحت حصار متقطع، وتقسمت أحياؤها ومداخلها بين قوات حكومية ومواقع حوثية، ودفع السكان ثمن انقطاع الطرق وارتفاع أسعار السلع وضعف الخدمات. ونقلت الجزيرة في تغطية حديثة أن المواجهات تتواصل في غرب تعز ومحيطها، وأن القوات الحكومية تسعى إلى فك الحصار عن المدينة. كما أشارت تغطيات سابقة إلى اشتباكات في قطاعات غربية، و5نها ما ورد في تقارير عن قطاع الكدحة، وإلى محاولات لاستعادة مواقع على مرتفعات مشرفة.
وإذا صحت رواية احتجاز قادة ميدانيين، فإن دلالتها المباشرة تتعلق بقدرة القوات الحكومية على الوصول إلى عناصر قيادية لا إلى مجرد استهداف خندق أو تحصين من بعيد. غير أن قيمة هذا المعطى تبقى رهن التوثيق، ورهن ما إذا كان المحتجزون يشغلون مواقع مؤثرة في سلسلة القيادة الميدانية أم مواقع أقل تأثيرًا. وفي الحروب طويلة الأمد، كما هي الحال في اليمن، لا يترجم احتجاز عدد محدود من القادة بالضرورة إلى انهيار تنظيم ميداني، لأن الجماعة الحوثية حافظت طوال سنوات على قدرة على تعويض الخسائر في الصفوف الأمامية.
سياق عملية «فجر اليمن»
تُقدّم عملية «فجر اليمن»، بحسب البيانات المتتالية، بوصفها حملة عسكرية واسعة تنفذها القوات التابعة للحكومة اليمنية المعترف بها ضد الجماعة الحوثية. ونقلت قناة الحدث مشاهد وتغطية عن تقدم في منطقة الوازعية وسيطرة على ذوباب وتأمين باب المندب، في إطار العملية. وإذا تأكدت هذه الرواية، فإن العملية لا تقتصر على جبهتي مأرب وتعز، بل تمتد إلى الساحل الغربي، وهو نطاق يتصل بمضيق باب المندب وبخطوط الملاحة في البحر الأحمر.
وقد عرضت قناة العربية مشاهد قالت القوات المسلحة اليمنية إنها لعمليات استهداف ضمن العملية، فيما تحدثت منصات إعلامية أخرى عن دخول العملية أيامها الأولى ثم التاسعة، مع تصاعد المواجهات على الساحل الغربي وفي تعز ومأرب. ويعني هذا التراكم الإعلامي أن القيادة العسكرية تسعى إلى إظهار العملية بوصفها حملة مستمرة لا مواجهة منفردة، وأن الحصيلة اليومية جزء من سردية أوسع.
الحصائل اليومية لا ترسم الخريطة وحدها
من الناحية العسكرية، تشير كثافة العمليات المعلنة، إذا أُخذت على محمل الجد، إلى نمط قتال يجمع بين استهداف التحصينات والخنادق وبين محاولة تحريك القوات على الأرض. لكن عدد العمليات، مهما بلغ، لا يُخبر وحده عن نتيجة المعركة. فالعملية الواحدة قد تكون رصدًا أو اشتباكًا محدودًا أو غارة أو استهدافًا لموقع دفاعي، والفارق كبير بين هذه الأنماط. كما أن تحييد أكثر من 430 عنصرًا، بحسب البيان، يظل تقديرًا ميدانيًا لا حصرًا مستقلًا، وقد يشمل القتلى والجرحى والأسرى من دون تمييز واضح في النص المعلن.
وينطبق الأمر نفسه على الآليات. فتدمير أو إعطاب أكثر من 100 آلية ووسيلة عسكرية يعني، إن صح، ضغطًا على حركة القوة المقابلة وعلى قدرتها على الإمداد والإخلاء. لكن البيان لا يميز بين المدمر كليًا والمعطوب جزئيًا، ولا بين الدبابات والعربات ووسائل النقل والأسلحة الثقيلة. وهذا التمييز ضروري لفهم ما إذا كانت الخسارة مؤثرة في قدرة الجماعة على المناورة أم محدودة في وسائل يمكن تعويضها.
البعد الإنساني والسياسي
لا تُقرأ الحصيلة العسكرية بمعزل عن أثرها في المدنيين. فمأرب وتعز من أكثر المحافظات التي دفعت ثمن الحرب طوال عقد، سواء بالنزوح أو بالحصار أو بانقطاع الطرق أو باستهداف الأحياء. وكلما اتسع نطاق القصف والاشتباك ارتفع احتمال نزوح جديد وضغط إضافي على المستشفيات والأسواق وشبكات المياه. ولم يتضمن البيان العسكري الأخير أرقامًا عن ضحايا مدنيين، ولا يجوز استنباط غياب هذه الأرقام للقول إن المدنيين بمنأى عن آثار القتال.
سياسيًا، تأتي العملية في سياق حرب ممتدة منذ عام 2014، حين سيطرت الجماعة الحوثية على العاصمة صنعاء ومناطق واسعة من الشمال والغرب، بينما احتفظت الحكومة المعترف بها دوليًا بمناطق أخرى، وتدخل تحالف عربي بقيادة السعودية عام 2015 دعمًا لها. ورغم جولات من الهدنة والمباحثات، لم يُنهَ النزاع العسكري ولم تُستعد الدولة الموحدة. والعملية الجارية تعيد فتح السؤال عن ما إذا كان المسار العسكري هو الخيار الذي تعول عليه الأطراف في هذه المرحلة، أم أن الضغط الميداني يُراد منه تحسين موقع التفاوض لاحقًا.
ولا تُقدم المصادر المعتمدة في هذا التقرير ما يفيد بوجود مبادرة تفاوض فورية مرتبطة بهذه الحصيلة، كما لا تُقدم ردًا موثقًا من الجماعة الحوثية على الأرقام الواردة في بيان الساعات الأربع والعشرين. ومن المألوف في مثل هذه المواجهات أن يصدر كل طرف رواية مغايرة، وأن تتأخر الصورة الأوضح إلى أن تتوفر شهادات ميدانية وصور وتقارير من مناطق القتال ومن منظمات إغاثية تعمل في المحيط.
ما الذي يمكن متابعته؟
تبقى النقاط الأكثر أهمية في الأيام المقبلة هي ما إذا كان التقدم المعلن في مأرب سيتحول إلى سيطرة مستقرة على مواقع محددة، وما إذا كان احتجاز القادة في تعز سيتبعه تغير ملموس في خطوط الجبهة الغربية للمدينة، وما إذا كانت الجماعة الحوثية ستقدم ردًا ميدانيًا أو إعلاميًا يغير صورة الحصيلة. كما ستظل حركة النازحين ووضع الطرق بين تعز والساحل ومأرب مؤشرًا عمليًا على شدة القتال، أكثر من البيانات اليومية وحدها.
وحتى يتوفر هذا التوضيح، يبقى الثابت هو أن القوات المسلحة اليمنية تقدم عملية «فجر اليمن» بوصفها حملة متصلة متعددة الجبهات، وأن آخر حصيلة معلنة خلال 24 ساعة تتحدث عن 1292 عملية استهداف، وتحييد أكثر من 430 عنصرًا، وتدمير وإعطاب أكثر من 100 آلية ووسيلة، مع تقدم في مأرب واحتجاز قادة ميدانيين في تعز. وهي معطيات كافية لوصف يوم قتالي كثيف، لكنها غير كافية، وحدها، للحكم على مآل الحرب أو على مصير المدنيين الذين ما زالوا يدفعون ثمن كل تقدم وكل انكماش على الأرض اليمنية.