القوات المسلحة اليمنية تنشر مشاهد لاستهداف تحصينات وآليات حوثية في جبهات مأرب ضمن «فجر اليمن»

نشر المركز الإعلامي للقوات المسلحة اليمنية مشاهد مصورة قال إنها توثق استهدافات نفذها سلاح الطيران المسيّر التابع للمنطقة العسكرية الثالثة ضد تحصينات وآليات قالة إنها تابعة لمليشيا الحوثي في جبهات محافظة مأرب، وذلك ضمن عمليات «فجر اليمن». وجاء نشر المشاهد عبر الحسابات الرسمية للمركز وإعلام المنطقة العسكرية الثالثة، وتداولته وسائل إعلامية يمنية وقنوات إخبارية إقليمية بوصفه جزءًا من نشاط متواصل للطيران المسيّر على محاور القتال في المحافظة.
ووفق نص البيان المرافق للمشاهد، فإن الاستهداف شمل تحصينات وآليات قالت القوات المسلحة إنها تابعة للمليشيا الحوثية في جبهات مأرب. ولم يتضمن البيان المنشور مع هذه المشاهد حصرًا مستقلًا للخسائر أو تحديدًا معلنًا لنوع الذخيرة المستخدمة أو إحداثيات الموقع الجغرافية داخل المحافظة، مكتفيًا بالإشارة إلى أن العملية جرت في إطار عمليات «فجر اليمن» وبوساطة سلاح الطيران المسيّر في المنطقة العسكرية الثالثة.
مشاهد متكررة من جبهات مأرب
تندرج هذه المشاهد ضمن سلسلة من المقاطع التي نشرها المركز الإعلامي للقوات المسلحة وحسابات مرتبطة بالمنطقة العسكرية الثالثة خلال الفترة الأخيرة، وتظهر فيها طائرات مسيّرة تستهدف ما تصفه القوات المسلحة بأنه مواقع وثكنات وتجمعات وآليات وعناصر تابعة للحوثيين. ونقلت وسائل إعلامية، من بينها العربية الإنجليزية وتي آر تي وورلد، مقاطع مماثلة لغارات مسيّرة على مواقع ومركبات ومقاتلين قالت القوات اليمنية إنهم حوثيون في عدة محاور بمأرب، بما في ذلك الجبهة الشمالية والجبهات الجنوبية للمحافظة.
وكانت وكالة الأناضول قد نقلت في العاشر من أغسطس/آب 2026 عن المركز الإعلامي للقوات المسلحة أن الجيش اليمني استهدف مقاتلين ومركبات ومواقع حوثية بطائرات مسيّرة على عدة جبهات في محافظة مأرب الوسطى. وتشير هذه التغطيات إلى أن نشر الصور أصبح أداة ثابتة في الخطاب العسكري الرسمي، تُستخدم لتوثيق ما تصفه القوات بعمليات دقيقة ضد أهداف ميدانية، من دون أن يعني ذلك بالضرورة توفر تقييم مستقل لحجم الأضرار أو لمدى استمرارية التأثير الميداني.
ماذا تعني المنطقة العسكرية الثالثة؟
تُعدّ المنطقة العسكرية الثالثة التشكيل المسؤول عن مسارح العمليات في مأرب وما يتصل بها من محاور، وهي من أكثر المناطق العسكرية اليمنية حضورًا في الخطاب الرسمي خلال السنوات الأخيرة. ويرتبط نشر المشاهد باسم هذه المنطقة لأن جبهات مأرب ظلت، على مدى عقد، خط التماس الرئيس بين قوات الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا والجماعة الحوثية التي تسيطر على العاصمة صنعاء ومناطق واسعة من شمال البلاد وغربها.
وتكتسب مأرب أهميتها من موقعها الجغرافي ومن كونها محافظة غنية بالنفط والغاز، ومن كونها استقبلت على مدى سنوات الحرب أعدادًا كبيرة من النازحين. كما أن السيطرة على مدينتها وعلى الطرق المؤدية إليها ظلت عنوانًا مركزيًا في موازين القوة بين الطرفين. ولهذا السبب، فإن أي نشاط عسكري يُعلن عنه في جبهاتها يُقرأ في سياق أوسع من مجرد غارة واحدة؛ فهو يتصل بمحاولة كل طرف تثبيت خطوطه أو استنزاف الطرف الآخر ومنعه من تحسين مواقعه.
تحصينات وآليات لا تغيّر في خريطة السيطرة
يشير وصف الأهداف في البيان الأخير، وهو استهداف تحصينات وآليات، إلى طبيعة القتال في مأرب، حيث تتوزع المواقع على جبهات ممتدة شمالًا وجنوبًا وشرقًا، وتعتمد الأطراف على خنادق ونقاط مرتفعة ومسارات إمداد. وفي هذا النمط من الحرب، يُستخدم الطيران المسيّر للوصول إلى أهداف يصعب اقتحامها بهجوم بري مباشر، ولإرباك حركة الآليات أو استهداف نقاط يرى الطرف المُعلّن أنها تُستخدم لأغراض قتالية.
غير أن المشاهد المنشورة لا تُقدّم، بحد ذاتها، دليلًا على تغيّر في خريطة السيطرة. فالقتال في مأرب ظل لسنوات حرب استنزاف وغارات متبادلة، تتخللها محاولات تقدم محدودة وفترات هدوء نسبي. ولم تذكر القوات المسلحة في البيان المرافق لهذه الصور أنها سيطرت على موقع جديد أو حررت منطقة، ما يجعل الخبر، في حدود ما هو معلن، عملية استهداف جوي لا إعلانًا عن تحول ميداني واسع.
عمليات «فجر اليمن» وسياقها
تطلق القوات المسلحة اليمنية اسم «فجر اليمن» على عملياتها العسكرية المعلنة ضد الحوثيين، وتدرج تحت هذا العنوان سلسلة من البيانات والمقاطع التي تشمل غارات للطيران المسيّر واستهدافات لمواقع وتجمعات في أكثر من جبهة. وتداولت منصات إعلامية أرقامًا تراكمية منسوبة إلى إحاطات عسكرية عن حجم هذه العمليات، غير أن هذه الأرقام لا تُعامل بوصفها حصيلة مؤكدة من جهة مستقلة، ولا يمكن ربطها تلقائيًا بالمشاهد الخاصة باستهداف التحصينات والآليات في مأرب.
ويأتي النشاط المعلن في وقت تشهد فيه جبهات مأرب تبادلًا للضربات. ففي السابع من أغسطس/آب 2026، نقلت رويترز أن الحوثيين شنوا هجمات على مأرب، في سياق تحذيرات أممية من اتساع القتال، وأشارت إلى مقتل عسكريين حكوميين في ضربات طالت معسكرات في مأرب وحضرموت. وهذا السياق يُظهر أن المحافظة ليست مسرحًا لعمليات من طرف واحد، بل ساحة تبادل نار مستمر، تتداخل فيها الغارات المسيّرة والقصف والاشتباكات المحدودة.
الطيران المسيّر في حرب الجبهات
أصبح الطيران المسيّر أداة راسخة في الحرب اليمنية، سواء في الجبهات الداخلية أو في الهجمات التي شنها الحوثيون خارج اليمن خلال السنوات الماضية. وبالنسبة إلى القوات الحكومية، يُتيح هذا السلاح إمكانية رصد الأهداف واستهدافها من مسافات تُقلل الاحتكاك المباشر مع خطوط الدفاع الحوثية، كما يوفر مادة بصرية تُستثمر إعلاميًا لإظهار استمرارية العمليات.
وفي المقابل، يمتلك الحوثيون قدرات صاروخية ومسيّرة ومدفعية استخدموها مرارًا ضد مواقع حكومية في مأرب وغيرها. ويعني ذلك أن تكثيف استخدام المسيّرات من الطرفين لا يخفّض بالضرورة منسوب الخطر على المدنيين، خاصة في محافظة تضم مدنًا ومخيمات نازحين قريبة نسبيًا من خطوط التماس. ولم تشر المشاهد الأخيرة إلى وقوع إصابات مدنية، كما لم يتضمن البيان الرسمي أي إشارة من هذا القبيل.
الخطاب الإعلامي وحدود المعلومة
يعكس أسلوب نشر المشاهد طريقة القوات المسلحة في التواصل مع الرأي العام: مقطع قصير يرافقه وصف موجز للهدف والوحدة المنفذة واسم العملية. وهذا النمط، الذي تكرر في حسابات المركز الإعلامي وقناة اليمن ووسائل محلية أخرى، يسعى إلى إثبات القدرة على الرصد والإصابة، لكنه يترك أسئلة عملياتية مفتوحة: هل أخرج الهدف من الخدمة؟ وهل كان الموقع مأهولًا أم خاليًا وقت الضربة؟ وما حجم الأضرار المادية والبشرية؟
وفي ظروف الحرب اليمنية، نادرًا ما تصدر الأطراف إجابات فورية ومفصّلة عن كل غارة. كما أن الوصول الميداني المستقل إلى خطوط التماس في مأرب محدود بسبب المخاطر الأمنية. ولذلك يبقى التحقق من نتائج كل غارة مرتهنًا بما تقوله الجهة المُنفّذة وبما يمكن رصده لاحقًا من تغيرات في حركة القوات أو في كثافة القصف.
مأرب في معادلة الحرب الأوسع
لا يمكن فصل ما يجري في جبهات مأرب عن مسار الحرب اليمنية منذ انقلاب الحوثيين على صنعاء عام 2014 وتدخل التحالف بقيادة السعودية عام 2015. ورغم هدن النار وجولات التفاوض وتبادل الأسرى، لم يُنهَ القتال في عدد من الجبهات، وظلت مأرب من أبرزها. وكلما تصاعدت الضربات هناك، عادت المخاوف من انزلاق أوسع يطال المدنيين ويعقد جهود التسوية السياسية.
وتُظهر التحذيرات الدولية المتكررة، ومن بينها ما نقلته رويترز عن مخاوف الأمم المتحدة من اتساع القتال، أن الوضع الميداني قابل للانزلاق حتى في ظل الجهود الدبلوماسية. ويزيد استخدام الطيران المسيّر من تعقيد هذه الصورة، لأنه يتيح للأطراف مواصلة الضغط من دون الدخول في مواجهات برية واسعة، ما يبقي الجبهة نشطة ويرفع في الوقت نفسه كلفة الحسم العسكري.
ما الذي يمكن متابعته؟
تبقى المسألة الأساسية بعد نشر المشاهد هي ما إذا كان هذا النشاط جزءًا من إيقاع ميداني متصل أم استهدافات منفصلة تهدف إلى استنزاف الخصم وإظهار الحضور. والمؤشرات التي يمكن متابعتها في الأيام المقبلة تشمل: هل تنشر القوات المسلحة مشاهد إضافية من الجبهة نفسها؟ وهل يصدر الحوثيون ردًا يؤكد وقوع الاستهداف أو ينفي نتائجه؟ وهل يترافق ذلك مع تغير ملحوظ في كثافة القصف على المحاور الشمالية أو الجنوبية لمأرب؟
وحتى تتوفر هذه المؤشرات، يبقى الثابت هو أن المنطقة العسكرية الثالثة تواصل توظيف سلاح الطيران المسيّر في جبهات مأرب، وأن المركز الإعلامي للقوات المسلحة يُدير هذا النشاط بوصفه جزءًا من عمليات «فجر اليمن». أما الأثر الميداني المتراكم لهذه الغارات، وما إذا كانت ستُغيّر موازين الجبهة أو تبقى ضمن حرب استنزاف طويلة، فهو أمر لا تحسمه صورة واحدة، بل مسار الأحداث على الأرض في محافظة ما زالت من أكثر ساحات اليمن حساسية عسكريًا وإنسانيًا.