القوات المسلحة اليمنية تواصل ضرباتها ضد الحوثيين ضمن عملية «فجر اليمن»

تواصل القوات المسلحة اليمنية العمليات العسكرية الموجهة ضد ميليشيات الحوثي، في سياق تصعيد ميداني متصل يجري تحت مسمى عملية «فجر اليمن». وتتابع وسائل الإعلام العسكري إصدار بيانات يومية تتضمن أرقامًا لعمليات الاستهداف وتقديرات للخسائر البشرية والمادية، في وقت تبقى فيه جبهات متعددة، وفي مقدمتها جبهة محافظة تعز، محور الاشتباكات الميدانية الأكثر كثافة.
وتداولت منصات التواصل الاجتماعي بيانًا منسوبًا إلى القوات المسلحة اليمنية يتحدث عن تنفيذ 835 عملية استهداف دقيقة ضد الميليشيات خلال 24 ساعة، وعن تحييد 285 عنصرًا وقياديًا في الضربات الأخيرة. ولم يظهر هذا الرقم بوصفه بيانًا مستقلًا في تغطية وسائل إخبارية كبرى وقت إعداد هذا التقرير، ولذلك يُعامل معه بوصفه رواية متداولة غير مؤكدة من مصادر مستقلة، لا بوصفه حصيلة نهائية موثقة.
سلسلة بيانات يومية موثقة
في المقابل، وثقت وسائل إعلامية عدة، من بينها قناة العربية وشبكة الشرق، سلسلة بيانات صادرة عن القوات المسلحة اليمنية تعكس استمرار العمليات على مدى أيام متتالية. وفقًا لما نشرته العربية في التاسع من أكتوبر 2026، أعلنت القوات تنفيذ أكثر من 2750 عملية استهداف دقيقة خلال 24 ساعة ضمن عملية «فجر اليمن». وفي بيانات لاحقة نقلتها القناة نفسها، جاء الحديث عن 744 عملية استهداف دقيقة خلال 24 ساعة، وعن تحييد نحو مئتي عنصر، مع استهداف مراكز قيادة ميدانية وتعزيزات تابعة للميليشيات.
وفي بيان آخر نشرته العربية قبل نحو يوم من إعداد هذا التقرير، قالت القوات إنها نفذت 1164 عملية استهداف دقيقة على مواقع الميليشيات خلال 24 ساعة، وأنها سيطرت على مواقع جديدة في تعز. ونقلت شبكة الشرق الإعلان نفسه منسوبًا إلى يوم الاثنين، وأضافت أن العمليات شملت استخدام المسيّر والمدفعية الميدان والراجمات والقناصة. كما نقلت الشرق بلومبرغ، قبل نحو يومين، بيانًا عن تنفيذ 1326 عملية استهداف، وتحييد نحو 370 عنصرًا، وتدمير أو إعطاب عشرات الآليات والمعدات العسكرية بحسب الحصر الأولي.
وفي بيانات سابقة خلال الأسبوعين الماضيين، تحدثت القوات عن 1732 عملية استهداف ضد مواقع ومنشآت عسكرية، وعن 2103 عمليات في بيان نقله موقع أخبار 24 في السابع من أكتوبر. كما تداولت منصات إعلامية رقمًا يتحدث عن أكثر من 1900 عملية وتحييد أكثر من 1150 عنصرًا. وهذه الأرقام، على تفاوتها، تصدر جميعًا عن جهة واحدة وتغطي نوافذ زمنية متداخلة، ولا يمكن جمعها للحصول على مجمل تراكمي دقيق.
تعز في قلب المواجهة
تظهر محافظة تعز بوصفها المسرح الأبرز لهذه البيانات. فإلى جانب الإعلان عن السيطرة على مواقع جديدة فيها، نقلت وكالة نيروز الإخبارية إعلانًا للقوات المسلحة اليمنية، يوم الاثنين، عن استهداف عناصر وعتاد ومقار تابعة للميليشيات في منطقة ذو باب بمحافظة تعز ومنطقة الخوخة. ويعكس هذا التوزيع امتداد الجبهة من المرتفعات والمحاور البرية حتى الساحل الغربي، حيث تتقاطع خطوط الإمداد والتموضع الميداني.
جبهة لا تهدأ
وليست المواجهة في تعز جديدة على العملية الحالية. ففي الرابع عشر من أغسطس 2026، نقل موقع صحافة مباشر أن القوات المسلحة أحبطت فجر ذلك اليوم هجومًا واسعًا شنته الميليشيات على مواقع في جبهة البرح غربي المحافظة، بعد مواجهات وصفت بالعنيفة. وفي السادس والعشرين من الشهر نفسه، أفاد الإعلام العسكري للمقاومة الوطنية التابعة للجيش اليمني بسقوط أكثر من 33 عنصرًا حوثيًا بين قتيل ومصاب في معارك وضربات مركزة، وفق موقع المنشار. وتظهر هذه الحوادث أن الجبهة شهدت موجات من الهجوم والرد قبل أن تتخذ عملية «فجر اليمن» شكلها الإعلامي الحالي.
ماذا تعني الأرقام؟
يحتاج قارئ هذه البيانات إلى التمييز بين عدد عمليات الاستهداف وبين الخسائر المؤكدة. فالرقم الكبير للعمليات يشمل، بحسب صيغة البيانات، نيراناً متنوعاً: صواريخ مسيّرة، وقذائف مدفعية، وراجمات، ونيران قناصة، إلى جانب استهداف تحركات وخطوط إمداد. وكل واحدة من هذه الوسائل تُحسب عملية، ما يرفع الإجمالي اليومي إلى مئات أو آلاف من دون أن يعني ذلك بالضرورة العدد نفسه من الأهداف المدمرة.
أما أرقام التحييد فتتراوح في البيانات الموثقة بين نحو مئتي عنصر ونحو 370 عنصرًا في نوافذ مختلفة، بينما ترتفع أرقام أخرى متداولة إلى ما فوق الألف. ويستخدم الإعلام العسكري عبارة «التحييد» لتشمل القتلى والجرحى الذين أُخرجوا من القتال، من دون فصل دائم بين الفئتين. كما أن الحصر الأولي، وهو الوصف الذي استخدمته الشرق بلومبرغ عند الحديث عن الآليات المدمرة والمعطوبة، قابل للمراجعة عند اكتمال تمشيط الميدان. ولا تنشر الميليشيات، في العادة، حصيلة مقابلة فورية تسمح بالمطابقة المستقلة.
خلفية عملية «فجر اليمن»
تندرج هذه الضربات ضمن عملية عسكرية أطلقت عليها القوات المسلحة اليمنية اسم «فجر اليمن»، وهي عملية تستهدف، وفق البيانات المتتالية، مواقع وتحركات ومنشآت وخطوط إمداد تابعة للميليشيات في أكثر من محور. ونشرت القوات مشاهد مصورة لبعض هذه العمليات، وتناولتها قناتا العربية والجزيرة في تقارير بثت خلال الأسابيع الأخيرة، من دون أن تُقدّم خريطة موحدة لمسار التقدم أو جدولًا زمنيًا نهائيًا للعملية.
وتأتي هذه المواجهة بعد سنوات من الحرب التي اندلعت عام 2014 مع سيطرة الميليشيات على العاصمة صنعاء ومناطق واسعة من شمال البلاد وغربها. وتدخل تحالف عربي بقيادة المملكة العربية السعودية عام 2015 دعمًا للشرعية، قبل أن تدخل جبهات كثيرة في حالة جمود نسبي، مع استمرار القصف والاشتباكات المحدودة. وتُعد تعز من أهم المدن التي بقيت خارج سيطرة الميليشيات، غير أن أطرافها ومداخلها الغربية ظلت مسرحًا لمواجهات متقطعة على مدى سنوات.
الأبعاد السياسية والإنسانية
لا يقتصر أثر هذه العمليات على الميدان. فالميليشيات تسيطر على موانئ الحديدة والصليف ومطار صنعاء، واستخدمت هذا الموقع خلال السنوات الماضية لاستهداف الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن، ما ربط الملف اليمني بأمن الملاحة الدولية وبمصالح إقليمية أوسع. وأي تغيير في موازين القوة على جبهات تعز والساحل الغربي يُقرأ لذلك في عواصم إقليمية بوصفه مؤشرًا على قدرة الميليشيات على تثبيت خطوطها الداخلية والخارجية.
في الوقت نفسه، تظل الكلفة الإنسانية حاضرة. فمدينة تعز وريفها يضمان مئات الآلاف من السكان، والقصف المتبادل والاشتباكات القريبة من المناطق الآهلة بالسكان يرفعان مخاطر وقوع ضحايا مدنية ونزوح جديد. ولم تتضمن البيانات العسكرية التي رصدتها وسائل الإعلام حصرًا مستقلًا للأضرار المدنية خلال نوافذ الـ 24 ساعة المشار إليها، وهو ما يبقي هذا الجانب بحاجة إلى متابعة من المنظمات الإنسانية والسلطات المحلية.
حدود ما يمكن الجزم به
يمكن القول، بناءً على المصادر المتاحة، إن القوات المسلحة اليمنية تدير حملة نار مكثفة متعددة الوسائل ضد الميليشيات، وإن تعز والساحل الغربي يحتلان موقعًا مركزيًا فيها، وإن البيانات الرسمية تدّعي تحييد مئات العناصر وإعطاب عشرات الآليات في كل نافذة يومية. كما يمكن القول إن رقم 835 عملية ورقم 285 عنصرًا لم يثبتا بعد في تغطية الوسائل الإخبارية الرئيسة، وإن الأرقام القريبة منهما والتي وثقتها العربية والشرق تدل على أن حجم النشاط المعلن عنه يتغير من يوم إلى آخر بشكل واسع.
ولا يمكن، في المقابل، الجزم بأن هذه الضربات أحدثت تغييرًا استراتيجيًا نهائيًا في خريطة السيطرة. فالبيانات المتاحة تتحدث عن مواقع جديدة في تعز، لكنها لا تحدد مساحتها ولا عمق التقدم ولا مدى قدرة القوات على تثبيتها. كما أن التاريخ القريب للجبهة يظهر أن الميليشيات قادرة على إعادة تنظيم هجومات محلية، كما حدث في جبهة البرح في أغسطس. وسيظل المؤشر الحاسم هو ما إذا تحولت عمليات الاستهداف اليومية إلى سيطرة مستقرة على الأرض، أم بقيت ضمن دائرة القصف والرد التي خبرتها جبهات كثيرة في اليمن خلال العقد الماضي.