الرئيس الأمريكي ترامب يتهم إيران باختلاق هجمات وألغام لرفع أسعار النفط قبل الانتخابات النصفية

اتهم الرئيس الأمريكي ترامب إيران بأنها تفعل كل ما في وسعها لرفع أسعار النفط قبل انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة، وقال إنها تختلق هجمات وتتحدث عن ألغام وهمية في مضيق هرمز، في تصريح نشره يوم الخميس على منصة «تروث سوشال». وجاء التصريح في سياق توتر متصاعد في المضيق، حيث أعلنت طهران في اليوم نفسه أن سبع ناقلات نفط تعرضت للهجوم أو اشتعلت أو تضررت بعد اصطدامها بألغام بحرية، وهو ما أعاد إثارة مخاوف من انزلاق أوسع للمواجهة.
مضمون التصريح الأمريكي
وفق ما نقلته وكالات أنباء وصحف متعددة، من بينها إيران إنترناشونال والعرب نيوز ويديعوت أخبروت ودون، كتب الرئيس الأمريكي ترامب أن إيران «تفعل كل ما في وسعها لرفع سعر النفط قبل انتخابات التجديد النصفي»، مضيفاً أنها «تختلق حتى هجمات وهمية وكل شيء آخر». وربط هذا السلوك، وفق نص التصريح المنقول، بأن كميات أكبر من النفط تمر حالياً عبر مضيق هرمز مقارنة بما كان عليه الأمر في مراحل سابقة من المواجهة.
ولم يقتصر التصريح على ملف الطاقة. وصف الرئيس الأمريكي ترامب النظام الإيراني بأنه «شرير حقاً»، وقال إنه قتل 75 ألف متظاهر، معبراً عن صدمته من عدم اكتراث العالم والحزب الديمقراطي بما وصفه بقمع الاحتجاجات. وهذا الرقم ليس جديداً تماماً في خطاب الرئيس الأمريكي؛ فقد نسبت صحيفة جيروزالم بوست ووكالة جي إن إس ومواقع أمريكية أخرى إليه القول، قبل يومين من هذا التصريح، إن السلطات الإيرانية قتلت ما لا يقل عن 75 ألف متظاهر خلال ثمانية أشهر. ويبقى هذا الرقم تقديراً سياسياً يطرحه البيت الأبيض، ولم تؤكده بعد جهة مستقلة في المصادر المتاحة.
ماذا حدث في مضيق هرمز؟
يمر عبر مضيق هرمز جزء كبير من تجارة النفط والغاز العالمية، وهو ممر مائي ضيق يفصل إيران عن سلطنة عمان ويربط الخليج العربي بخليج عمان والمحيط الهندي. ولهذا السبب تترجم أي أنباء عن ألغام أو اشتعال ناقلات إلى علاوة مخاطر فورية في أسواق الطاقة، حتى لو لم يتوقف العبور بشكل كامل.
ونقلت صحيفة لوس أنجلس تايمز عن إيران قولها إن سبع ناقلات نفط تعرضت للهجوم في المضيق، فيما ذكرت صحيفة بوسطن غلوب أن سبع ناقلات اشتعلت أو تضررت ليلاً بعد استهدافها من إيران أو اصطدامها بألغام بحرية، وفق رواية طهران. وهذا التباين في الروايات هو ما يجعل تصريح الرئيس الأمريكي ترامب ذا أهمية مباشرة؛ فهو لا ينفي وجود حوادث بحرية فحسب، بل يطعن في رواية طهران لها ويعدّها جزءاً من محاولة لتصنيع أزمة إمدادات.
تدفق النفط والهجمات في وقت واحد
وتشير تقارير أمريكية نشرت في الأسابيع الأخيرة إلى صورة معقدة. فقد نقلت شبكة إن بي سي نيوز أن هجمات السفن في هرمز بلغت مستوى قياسياً، وأن تصاعدها خفض تدفقات النفط وهز الأسواق، ما أضعف أمل الرئيس الأمريكي ترامب في خفض أسعار الوقود قبل الانتخابات النصفية. وفي المقابل، نقلت بلومبرغ في مطلع أكتوبر أن تدفقات النفط والغاز عبر المضيق ارتفعت في وقت كانت فيه طهران توسع استهداف السفن، وأن خام برنت ارتفع آنذاك نحو 0.8 في المئة ليتجاوز 101 دولار للبرميل.
وقبل نحو أسبوع، نقلت قناة الجزيرة أن واشنطن وطهران تتبادلان الادعاء بالسيطرة على المضيق وسط هجمات على السفن، وأن سفينتين أصيبتا بألغام بحرية خلال أسبوع واحد، فيما بلغ تدفق النفط عبر هرمز نحو 11.6 مليون برميل يومياً. وهذا الرقم، إن صح، يعني أن الممر لم يُغلق، لكنه لم يعد ممراً آمناً أيضاً. وكلما ارتفعت حجم الشحنات المارة عبر مياه معرضة للخطر، ارتفعت كلفة التأمين والنقل وارتفعت معها حساسية الأسعار لأي خبر جديد.
لماذ تهم الانتخابات النصفية؟
تُعد أسعار الوقود من أكثر المؤشرات الاقتصادية تأثيراً في السلوك الانتخابي الأمريكي، لأنها تظهر مباشرة في فاتورة الأسرة الأسبوعية وفي تكلفة نقل السلع. وقد نقلت صحيفة نيويورك تايمز قبل يومين أن الانتخابات النصفية أصبحت عاملاً في حسابات الطرفين، فيما يوازن الرئيس الأمريكي ترامب خطوته المقبلة. ووصفت الصحيفة سلوك طهران بأنه يحمل طابع التحدي للرئيس الأمريكي عبر ملف أسعار الوقود.
وقبل نحو أسبوعين، نقلت واشنطن بوست أن إيران وسّعت هجماتها في هرمز بشكل يرفع الضغط على الرئيس الأمريكي ترامب مع اقتراب الانتخابات، وأن شحنات النفط تباطأت بعدما احتفى باستئناف التدفق. وهذا التناقض بين الرسالة السياسية والواقع التجاري هو ما يفسر حدة لهجة البيت الأبيض اليوم؛ فهو يريد أن يقول للناخب الأمريكي إن ارتفاع السعر ليس نتيجة نقص فعلي في العرض، بل نتيجة رواية يراها مُفبركة وموجهة ضد موقعه الانتخابي.
أسعار النفط وأثرها خارج أمريكا
ونقلت صحيفة ذا غارديان البريطانية، في تغطية نشرت قبل ساعات من تصريح الرئيس الأمريكي ترامب، أن أسعار النفط قفزت إلى أعلى مستوى لها منذ خمسة أشهر، مع تهديد الهجمات للإمدادات العالمية. ولا يعني ذلك بالضرورة أن كل ارتفاع يعود إلى رواية إيرانية وحدها؛ فأسواق النفط تتحرك أيضاً بفعل الطلب والمخزون وقرارات المنتجين وتكلفة الشحن والتأمين. لكن المضيق يبقى نقطة اختناق لا يمكن للأسواق تجاهلها عندما تتزامن أنباء الألغام مع أنباء اشتعال الناقلات.
ولدول الخليج ، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، مصلحة مباشرة في استمرار العبور بأمان. فأي اضطراب يرفع أقساط التأمين ويزيد تكلفة حماية الممرات البحرية، ويضغط في الوقت نفسه على المشترين في آسيا وأوروبا للبحث عن مصادر بديلة أو عن عقود طويلة الأجل. وهذا ما يجعل الاستقرار البحري في هرمز مسألة اقتصادية بقدر ما هي مسألة أمنية.
الاحتجاجات والرقم المثير للجدل
ويأتي ربط الرئيس الأمريكي ترامب بين ملف هرمز وملف المتظاهرين ليوسع دائرة الاتهام من سلوك يراه مُضلّلاً في البحر إلى سلوك يصفه بالإجرامي في الداخل. وقد سبق له أن استخدم رقماً أعلى في شهر أغسطس، حين تحدث عن مقتل أكثر من 100 ألف متظاهر، وفق ما أشار إليه متابعون لتصريحاته اليوم. وهذا التباين في الأرقام، من 100 ألف إلى 75 ألفاً، يظهر أن البيت الأبيض يستخدم تقديرات متغيرة لم تُعرض بعد على تحقيق مستقل يمكن الاستناد إليه في التقارير الصحفية المتاحة.
ولا يغير غياب التحقق المستقل من حقيقة أن السلطات الإيرانية واجهت موجة احتجاجات واسعة بقوة قاتلة خلال الأشهر الماضية، وهو ما وثقته منظمات حقوقية ووسائل إعلام متعددة من دون أن تتفق على حصيلة نهائية للقتلى. ومن هنا يأتي انتقاد الرئيس الأمريكي ترامب للحزب الديمقراطي؛ فهو يحول ملفاً خارجياً إلى أداة في الاستقطاب الداخلي، ويحمّل خصمه السياسيين مسؤولية الصمت أو التردد تجاه طهران.
ما الذي يمكن أن يترتب على التصريح؟
لا يعد تصريح الرئيس الأمريكي ترامب، في حد ذاته، قراراً عسكرياً جديداً. لكنه يرسم خطاًاً واضحاً قبل أسابيع من الاستحقاق الانتخابي؛ أي ارتفاع في أسعار الوقود سيُقدّم بوصفه نتيجة مُوجهة لإيران، لا نتيجة لسياسة الإدارة الأمريكية. وفي المقابل، تملك طهران مصلحة في إبقاء مستوى من الغموض حول سلامة المضيق، لأن هذا الغموض يرفع قوتها التفاوضية ويضغط على واشنطن من دون أن يصل بالضرورة إلى مواجهة مفتوحة.
والسؤال الأهم خلال الأيام المقبلة هو ما إذا تكررت حوادث الناقلات. فإن ثبت أن الألغام حقيقية وأن الممر مهدد فعلاً، فستكون الأسواق أمام خطر إمدادات لا يمكن تعويضه بسرعة. وإن ثبت أن جانباً من الرواية مبالغ فيه، كما يقول الرئيس الأمريكي ترامب، فسيبقى الضرر السعري قائماً لأن الأسواق تسعر المخاطر قبل أن تحسم الجدل السياسي. وفي الحالتين، سيظل مضيق هرمز في قلب الحسابات الأمريكية الداخلية والخليجية والعالمية حتى إغلاق صناديق الاقتراع.