بزشكيان: الحوار أولى من القوة والعقوبات الأميركية تفاقم الأزمة

أكد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن من الأفضل العمل بمنطق الحوار بدلاً من القوة، وأن العقوبات الأميركية تزيد الوضع سوءاً. ويأتي هذا الموقف في وقت تتعثر فيه مسارات التفاوض بين طهران وواشنطن، وتتراكم فيه الضغوط العسكرية والاقتصادية، من دون أن تتوفر حتى الآن صيغة معلنة واحدة لتسوية النزاع.
ولم تُنشر العبارة بنصها الحرفي في بيان رسمي مستقل تمكن هذه الشبكة من مطابقته مع نص وكالة أنباء دولية، غير أن مضمونها يتقاطع مع خطاب موثق للرئيس الإيراني خلال الأسابيع الماضية: الدفاع عن الحوار بوصفه بديلاً من لغة القوة، والتحذير من أن الضغط والعقوبات لا تُنتج تسوية، بل تزيد كلفة الأزمة على إيران والإقليم.
موقف موثق: الحوار لا لغة القوة
في الثالث والعشرين من أيلول/سبتمبر 2026، نقلت شبكة الجزيرة عن بزشكيان قوله إن إيران «مستعدة للحوار والدبلوماسية والمفاوضات من دون قبول لغة القوة». وبعد أيام، في السادس والعشرين من الشهر نفسه، نقلت الشبكة عنه أن الأزمة يمكن حلها عبر المفاوضات لا بالقوة، وأن الممر المائي المرتبط بالحرب يمكن أن يُعاد فتحه أمام الملاحة التجارية إذا أنهت المحادثات الحرب.
هذا التمييز بين قبول مبدأ الحوار ورفض التفاوض تحت الإكراه هو ما يفسر تعاقب التصريحات الإيرانية. ففي الوقت الذي تقول فيه طهران إنها لا تتهرب من الجلوس إلى طاولة المفاوضات، تشترط أن يكون الحوار خالياً من التهديد العسكري ومن توسيع العقوبات. وقد نقلت وكالة رويترز، في تغطيتها لخطاب بزشكيان أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول/سبتمبر، إدانته ما وصفه ب«عقلية التنمر» في السياسة الأميركية، وقوله إن التهديدات لن تُسقط إيران بل ستزيد من تصلب موقفها.
شرط طهران للتفاوض
وفي تطور لاحق، نقلت وكالة «ويون» عن بزشكيان تحذيره من أن مفاوضات إنهاء الحرب لن تكون لها فرصة كبيرة ما لم تتخلّ واشنطن عن الضغط والتهديد. ووصف المصدر نفسه الحديث تحت القوة بأنه إكراه لا تفاوض. ونقلت صحيفة «إيكونوميك تايمز» عنه أيضاً تحذيره من أن العقوبات قد تعطل التجارة الإقليمية وتدفقات الطاقة، وهو ما يُقرّب التصريح المتداول من موقف موثق: العقوبة لا تُغلق الملف، بل تنقل كلفته إلى الأسواق والممرات والدول المجاورة.
العقوبات والاقتصاد: ماذا تعني «زيادة الوضع سوءاً»؟
لا تقتصر العقوبات الأميركية على إيران، في الخطاب الرسمي الإيراني، على أداة ضغط سياسي. فهي تمس التمويل والتأمين والنقل وقطاعات الطاقة، ثم تنتقل آثارها إلى سعر الصرف والتضخم وقدرة الحكومة على توفير السلع والدواء. وفي السادس من كانون الثاني/يناير 2026، نقلت صحيفة «النهار» عن بزشكيان وصفه الوضع بأنه «كارثي بكل معنى الكلمة»، في سياق حديثه عن استمرار فرض العقوبات وتقييد التعاملات.
وفي الخامس من أيلول/سبتمبر 2026، نقلت الجزيرة عن الرئيس الإيراني قوله إن الإجراءات الاقتصادية الأميركية لن تُرغم حكومته على تغييرات مفاجئة في سياستها، لأن مثل هذه التغييرات قد تُفضي إلى مزيد من الاضطراب الداخلي. وفي السادس من تشرين الأول/أكتوبر، نقلت الشبكة نفسها أن بزشكيان بحث مع أعضاء في الحكومة إجراءات لتخفيف الآثار الاقتصادية للحرب. وهذا المسار المزدوج، رفض الانهيار أمام العقوبة من جهة والاعتراف بثقل فاتورتها من جهة أخرى، هو الخلفية التي يُقرأ في ضوئها القول إن العقوبات تزيد الوضع سوءاً.
واشنطن والثقة المفقودة
لا يقتصر الخلاف على العقوبة. ففي الخامس من تشرين الأول/أكتوبر 2026، نقلت «إيران إنترناشونال» عن بزشكيان قوله إن الولايات المتحدة لا تسعى إلى الحوار، وإن هدفها «إسقاط النظام». وفي اليوم التالي، نقلت وسائل عدة، منها «فيرست بوست» و«تركيا توداي»، عنه أن التفاوض مع واشنطن يظل بلا معنى ما لم تتوقف الهجمات والعقوبات. وهذا الخطاب يضع الدعوة إلى الحوار في إطار شرطي لا في إطار مفتوح: طهران تقول إنها تقبل المفاوضة، لكنها لا ترى في السلوك الأميركي الحالي شريكاً يبحث عن تسوية.
وكان بزشكيان قد قال، وفق الجزيرة في السادس والعشرين من أيلول/سبتمبر، إن إيران لم تعد تثق بالمحادثات مع واشنطن. وهذا التناقض الظاهري، بين الدعوة إلى الحوار والإعلان عن فقدان الثقة، يعكس حساباً سياسياً لا تراجعاً عن الموقف. فالرئيس الإيراني يحاول الإبقاء على قناة دبلوماسية مفتوحة أمام الوسطاء الإقليميين والأسواق، من دون أن يُفهم ذلك بوصفه استعداداً للتنازل تحت النار أو تحت الحصار المالي.
الكلفة الإقليمية للخيار بين القوة والعقوبة
الممرات الملاحية وأسعار الطاقة وأمن الملاحة في الخليج ليست تفاصيل جانبية في هذا النزاع. فكلما طال أمد المواجهة، ارتفعت كلفة التأمين والنقل على الدول المصدّرة للنفط والغاز، وعلى الشركات التي تعبر مضيق هرمز. وقد ربط بزشكيان، وفق ما نقلته الجزيرة، إعادة فتح الممر أمام الشحن التجاري بإنهاء المحادثات للحرب. وهذا الربط يجعل الخيار بين الحوار والقوة خياراً إقليمياً لا ثنائياً فقط بين طهران وواشنطن.
أما العقوبات، فإن أثرها لا يتوقف عند الحدود الإيرانية. فالمصارف وشركات التأمين وخطوط الملاحة تعيد تسعير المخاطر كلما اتسع نطاق الإجراءات الأميركية، وهو ما يُفسر تحذير بزشكيان من اضطراب التجارة والطاقة. وفي مثل هذا السياق، يُصبح القول إن العقوبة تزيد الوضع سوءاً رسالة موجهة إلى الداخل الإيراني وإلى العواصم معاً: الضغط المالي لا يُقصر مدة الحرب، وقد يُطيل اضطراب الأسواق بعد أن تصمت المواجهة العسكرية.
الرئيس الأمريكي ترامب ومنطق الضغط
يقابل هذا الخطاب موقفاً أميركياً يقوم، وفق التغطية الإخبارية المتاحة، على الربط بين العقوبة والضغط العسكري وشروط التفاوض. وقد نقلت رويترز عن الرئيس الأمريكي ترامب تحذيرات وجهها إلى طهران في سياق الحرب والمحادثات، فيما و8َصف بزشكيان هذا المسار بأنه تنمر لا تفاوض. ولا تُغير هذه التغطية حقيقة أن المسارين لم يلتقيا بعد على تعريف واحد للحوار: واشنطن تراه نتيجة للضغط، وطهران تراه مساراً لا يصح إلا إذا رُفع الضغط.
ومن هنا تكتسب عبارة «منطق الحوار بدلاً من القوة» وظيفة سياسية محددة. فهي ليست دعوة مجردة إلى الهدوء، بل محاولة لنقل عبء المسؤولية عن تعطل التسوية إلى الطرف الذي يجمع، في الرواية الإيرانية، بين العمل العسكري والعقوبة. وفي المقابل، ترى واشنطن أن الضغط هو الوسيلة التي تجبر طهران على تغيير سلوكها. وهذا التباين في تشخيص الأداة الفعالة هو ما يجعل أي جولة مقبلة عرضة للانهيار منذ الجلسة الأولى.
ما الذي يترتب على التصريح؟
لا يغيّر تصريح واحد خريطة المواقف. فإيران ما زالت تربط أي تقدم بوقف ما تصفه بالهجمات وبرفع العقوبات أو تخفيفها، فيما تواصل واشنطن استخدام الضغط الاقتصادي والعسكري معاً. لكن التصريح يُعيد ترتيب الأولويات الإيرانية أمام الرأي العام: الحوار مُقدم بوصفه المسار الأقل كلفة، والقوة موصوفة بأنها الخيار الأسوأ، والعقوبة موصوفة بأنها عامل تفاقم لا عامل حل.
ويظل السؤال العملي هو ما إذا كان هذا الترتيب قابلاً للترجمة إلى خطوات. فالتجربة الموثقة خلال أيلول/سبتمبر وتشرين الأول/أكتوبر تُظهر أن الباب المفتوح للحوار لم يمنع طهران من وصف المحادثات بأنها بلا معنى عندما تواصل الضغط، كما لم يمنع واشنطن من التمسك بالعقوبة. وبين الوصفين، يبقى الملف معلقاً على مسألة واحدة: هل يمكن فصل مسار التفاوض عن مسار العقوبة والقوة، أم إن الطرفين سيواصلان إدارة الأزمة بالأداتين معاً، مع ما يعنيه ذلك من استمرار الكلفة على الاقتصاد الإيراني وعلى استقرار الممرات وأسواق الطاقة.