CENTCOM يعلن مقتل قيادي بارز في داعش بضربة جوية شمال غرب سوريا

أعلنت القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) أنها نفذت ضربة جوية دقيقة في شمال غرب سوريا يوم 19 يونيو/حزيران، أسفرت عن مقتل علي حسين العلوي، الذي وصفته بأنه أحد القياديين البارزين في تنظيم داعش. وجاء الإعلان بعد أيام من تنفيذ العملية، في إشارة إلى أن القوات الأمريكية تتابع نتائج الضربات الميدانية أولًا بأول قبل الكشف عنها رسميًا للرأي العام.
وفي البيان الرسمي المنشور على موقع القيادة المركزية، قال الجنرال براّد كوبر، قائد CENTCOM، إن القيادة و«شركاءها» يظلون ملتزمين بتجفيف ما تبقى من شبكات داعش، مضيفًا أن الجهود الحالية تستهدف «بقايا التنظيم» لمنعها من إعادة بناء قدراتها أو تهديد الأمريكيين خارج البلاد أو داخل الولايات المتحدة نفسها. هذا الخطاب يعكس أن العملية لا تُقرأ كحادثة منفصلة، بل كجزء من حملة أوسع لملاحقة القيادات التي ما زالت تحاول إعادة ترتيب الصفوف.
ومن جانبها، نقلت فرنسا 24 في تقريرها الصادر في 24 يونيو/حزيران أن الضربة نُفذت في شمال غرب سوريا وأن القتيل هو قائد رفيع في التنظيم، مع الإشارة إلى أن العملية جاءت ضمن سياق أمني إقليمي شديد التعقيد. وذكرت الشبكة الفرنسية أن واشنطن تحاول من خلال هذه التحركات إرسال رسالة مزدوجة: استمرار الضغط العسكري على داعش من جهة، والتأكيد للحلفاء الإقليميين أن الولايات المتحدة ما زالت حاضرة في ملف مكافحة الإرهاب من جهة أخرى.
وتكتسب هذه الضربة أهمية خاصة لأن شمال سوريا ما يزال ساحة مفتوحة لتداخل القوى والفصائل، ولأن التنظيمات المتطرفة عادة ما تستفيد من أي فراغ أمني أو ارتباك سياسي أو انشغال إقليمي. داعش لم يعد يملك المساحات الواسعة التي كان يسيطر عليها في ذروة تمدده، لكنه احتفظ بقدرة على الحركة، والاختباء، واستثمار الثغرات الأمنية، والاعتماد على الخلايا الصغيرة والهجمات المحدودة لتذكير خصومه بأنه لم يختفِ بالكامل.
وتوضح فرنسا 24 أن التنظيم أعلن في الأشهر الأخيرة مرحلة جديدة من عملياته في سوريا ضد حكومة الرئيس أحمد الشرع، ونفذ منذ فبراير/شباط سلسلة هجمات متفرقة. وهذا التطور مهم لأنه يبين أن الخطر لم يعد محصورًا في مناطق النفوذ التقليدية السابقة، بل تحول إلى نمط أكثر سيولة يعتمد على خلايا متنقلة، وقيادات متخفية، وقدرة على اختيار التوقيت والمكان بما يحقق أكبر قدر من التشويش الأمني والإعلامي.
كما أشارت فرنسا 24 إلى أن التنظيم تبنى هجومًا قرب مدينة منبج في محافظة حلب شمال شرق سوريا في وقت لاحق من الأسبوع نفسه، وهو ما يضيف بعدًا ميدانيًا مهمًا إلى الضربة الأمريكية. فالمسألة لا تتعلق فقط بملاحقة شخصية بعينها، بل بمحاولة إضعاف الشبكة التشغيلية واللوجستية التي تتيح للتنظيم الإعلان عن نفسه على الأرض، حتى لو كان ذلك من خلال هجمات محدودة أو رسائل رمزية.
وفي السياق الأمني الأوسع، تمثل هذه العملية تذكيرًا بأن مكافحة داعش ما تزال ملفًا دوليًا مفتوحًا، وأن القضاء على قادة التنظيم لا يعني انتهاء الخطر تلقائيًا. غالبًا ما تستفيد مثل هذه الجماعات من تكرار الضربات من ناحية، لأنها تضطر إلى إعادة توزيع القيادات، لكنها تستفيد أيضًا من الفجوات الزمنية بين الضربة والأخرى لإعادة التموضع. لذلك فإن النجاح الحقيقي لا يقاس فقط بعدد المستهدفين، بل بمدى القدرة على منع التنظيم من استعادة شبكات التمويل والتجنيد والاتصال.
وتبرز هنا قيمة التنسيق بين الولايات المتحدة وشركائها في المنطقة، وهو ما أكدته CENTCOM في بيانها حين قالت إن قواتها تواصل العمل إلى جانب شركاء إقليميين. هذا النوع من التنسيق يبقى أساسيًا في بيئة تتقاطع فيها مصالح دولية ومحلية، خصوصًا في مناطق مثل شمال سوريا حيث تداخلت أولويات مكافحة الإرهاب مع حسابات الحدود، والأمن الداخلي، وحماية المدنيين، وإدارة المخيمات ومراكز الاحتجاز، وكلها ملفات لا تزال تلقي بظلالها على مستقبل المنطقة.
كما أن استمرار استهداف القيادات البارزة في داعش يحمل رسالة سياسية تتجاوز الجانب العسكري المباشر. فهو يبعث برسالة ردع إلى التنظيم وأنصاره، ويؤكد للحلفاء أن واشنطن لا تزال تعتبر الساحة السورية جزءًا من معادلة الأمن الإقليمي. وفي المقابل، يمنح الدول المجاورة وخصوصًا في الشرق الأوسط والخليج قدرًا من الطمأنينة بأن أي عودة نشطة للتنظيمات المتطرفة ستواجه متابعة استخباراتية وعسكرية مستمرة، لأن خطرها لا يتوقف عند حدود سوريا وحدها.
ومع ذلك، لا ينبغي المبالغة في اعتبار العملية تحولًا جذريًا أو نهاية قريبة للخطر. التجارب السابقة في مواجهة داعش أظهرت أن التنظيمات المشابهة قادرة على إعادة إنتاج نفسها بأشكال مختلفة، سواء عبر بقايا ميدانية متناثرة أو عبر دعاية رقمية أو خلايا نائمة. لذا فإن الضربة الأخيرة، على أهميتها، تمثل حلقة جديدة في صراع طويل، عنوانه منع التنظيم من العودة إلى المشهد، لا مجرد إزاحته عن الواجهة لأسابيع أو أشهر.
في المحصلة، تبدو الرسالة الأمريكية واضحة: استمرار ملاحقة القيادات المتطرفة داخل سوريا، والعمل مع الشركاء الإقليميين، ومنع داعش من استغلال الفوضى الأمنية لإعادة بناء حضوره. أما الرسالة الأهم بالنسبة للمنطقة فهي أن معركة مكافحة الإرهاب لم تعد تُحسم بالبيانات وحدها، بل بالقدرة على الجمع بين الاستخبارات الدقيقة، والتحرك السريع، والتنسيق السياسي مع العواصم المعنية، حتى لا تعود التنظيمات المتطرفة إلى فرض نفسها على حساب الاستقرار الهش.