فاديفول: أوروبا في مرمى إيران وألمانيا لن تتسامح مع أنشطتها العدائية

أكد وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول أن أوروبا أصبحت في مرمى إيران، وأن ألمانيا لن تتسامح مع الأنشطة العدائية الإيرانية. وجاء التصريح يوم الجمعة 16 أكتوبر 2026، في وقت تتسع فيه المواقف الأوروبية الرافضة لما تصفه عواصم عدة بأنشطة عدائية تُنسب إلى الدولة الإيرانية خارج حدودها، وبعد أيام من إدانة مشتركة أوروبية ودولية لما وُصف بأنشطة عدائية ذات طابع دولتي.
ونقلت وكالات أنباء التصريح كما ورد عن الوزير الألماني، ومفاده أن أوروبا في مرمى إيران، وأن برلين لن تقبل الأنشطة العدائية المنسوبة إليها. ولم يربط النص المنشور التصريح بإجراء عملي محدد، لكنه جاء في سياق أوروبي مكثف خلال الأيام الماضية، بعد حادثة ارتبطت بقاعدة جوية بريطانية، وبعد بيانات وزارية مشتركة أدانت ما وصفته بأنشطة عدائية تُنفّذ لصالح إيران أو باسمها.
تصريح يضع الأمن الأوروبي في صلب الموقف الألماني
يحمل التصريح دلالة مزدوجة. فمن جهة، يصف الوزير الألماني الخطر بأنه لم يعد محصورًا في دولة واحدة، بل يطال القارة الأوروبية بوصفها هدفًا محتملًا. ومن جهة أخرى، يرسم حدًا سياسيًا واضحًا لبرلين، مفاده رفض التسامح مع أي نشاط عدائي يُنسب إلى إيران، سواء اتخذ شكل الترهيب أو التهديد أو العمل عبر شبكات سرية أو وسائط تعمل لصالح جهة خارجية.
ويأتي هذا الموقف منسجمًا مع خطاب ألماني متكرر خلال العام 2026، يُميّز بين رفض الانخراط العسكري المباشر في المواجهة مع إيران، وبين التشديد على أن الخطر الناتج من برنامجها الصاروخي وسلوكها الإقليمي وأنشطتها خارج المنطقة يمس الأمن الأوروبي. وقد سبق لفاديفول أن أكد، في تصريحات سابقة، أن إيران يجب ألا تظل مصدر تهديد لجيرانها، وأن برنامجها الصاروخي يمثل عاملًا من عوامل القلق بالنسبة إلى أوروبا.
خلفية الأيام الأخيرة: حادثة بريطانية وإدانة جماعية
ترتبط التصريحات الأوروبية الأخيرة بحادثة تعلقت بقاعدة راف فيرفورد الجوية البريطانية. وفي 12 أكتوبر، نشرت الحكومة البريطانية بيانًا مشتركًا بشأن إيران، أشارت فيه إلى أن ما وقع يبيّن، بحسب التقييم البريطاني، استمرار استعداد الحرس الثوري الإيراني لمد نشاط عدائي إلى ما وراء حدود إيران عبر شبكات سرية ووسائط. ولم تنشر في البيان العلني تفاصيل عملياتية كاملة، غير أن الرسالة السياسية كانت واضحة: لندن تعد الحادثة جزءًا من نمط أوسع، لا حدثًا معزولًا.
وفي اليوم التالي، 13 أكتوبر، أدان الاتحاد الأوروبي ما وصفه بالأنشطة العدائية للنظام الإيراني، وأكد دعمه لبريطانيا. ونشرت وسائل إعلام أن نحو ثلاثين دولة، من بينها إسبانيا والولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وفرنسا، أدانت ما سمّته «الأنشطة العدائية ذات الطابع الدولتي» المنسوبة إلى إيران. وجاء في بيان وزراء خارجية مشاركين أن كل من ينفذ أنشطة عدائية لصالح إيران، أو لصالح أي دولة أخرى، يجب أن يعلم أن الدول الموقعة ستتخذ إجراءات للتعرف والتحقيق والملاحقة.
النفي الإيراني والعرض بالتعاون
نفت طهران أي دور لها في حادثة القاعدة البريطانية، بعد استدعاء سفيرها. ونقلت وكالة الأنباء الإيرانية عن مسؤولين أن إيران مستعدة للتعاون مع السلطات البريطانية المعنية. ويظل هذا النفي جزءًا من السجل العلني، في مقابل تقييمات بريطانية وأوروبية ترى في الحادثة مؤشرًا على استمرار نمط من النشاط العدائي خارج الحدود. ولم تُنشر، حتى ساعة إعداد هذا التقرير، نتائج تحقيق قضائي نهائية تحسم الخلاف حول وقائع الحادثة نفسها.
وفي تقرير نشرته «دويتشه فيله» قبل أيام من تصريح فاديفول، نقلت المحسة عن وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند أن إيران تسعى إلى استهداف ما وصفه بـ«أهداف أصعب» في هجمات خارج أراضيها، وأن عقوبات فرضت على أشخاص لدورهم في تسهيل نشاط عدائي أو المشاركة فيه لصالح النظام الإيراني. وهذه الصياغة تشير إلى أن القلق الأوروبي لم يعد مقتصرًا على حادثة واحدة، بل يتعلق بما تراه لندن وشركاؤها محاولة لنقل النشاط العدائي إلى أهداف أكثر حساسية داخل أوروبا.
موقف ألماني ثابت: رفض الحرب ورفض التهديد
لا يمكن فهم تصريح الجمعة بمعزل عن الخط الألماني الذي رسمه فاديفول والمستشار فريدريش ميرتس منذ مطلع العام. ففي مارس 2026، قال ميرتس إن ألمانيا لن تشارك في الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران. وفي الاتجاه نفسه، أكد فاديفول أن برلين لن تنضم إلى الضربات العسكرية ضد إيران، ولن تكون طرفًا في عمليات تغيير النظام. وقال أيضًا إنه من غير الواقعي توقع تغيير متحكم فيه للنظام في طهران عبر الحرب.
هذا التمييز مهم لقراءة التصريح الجديد. فألمانيا لم تعلن انضمامًا إلى عمل عسكري، ولم تعلن عقوبات جديدة في نص التصريح المنسوب إلى فاديفول يوم الجمعة. ما قاله الوزير هو أن برلين ترى أوروبا هدفًا، وأنها لن تتسامح مع الأنشطة العدائية. وفي الممارسة الأوروبية، يمكن أن يترجم هذا السقف إلى تنسيق أمني واستخباراتي، وإلى إجراءات قانونية ضد أفراد أو كيانات، وإلى دعم سياسي للدول المستهدفة، من دون أن يعني بالضرورة دخولًا عسكريًا جديدًا.
لماذا تهم برلين بصفة خاصة؟
تحتل ألمانيا موقعًا مركزيًا في أي نقاش أوروبي حول إيران، لأنها أكبر اقتصاد في الاتحاد الأوروبي، ولأن موقفها يؤثر في توجه السياسة الخارجية والأمنية للتكتل. كما أن برلين تحمل مسؤولية تاريخية خاصة تجاه إسرائيل، وهو ما جعل حكومتها تؤكد في مراحل سابقة أنها تقف إلى جانب إسرائيل في مواجهة ما تصفه بالتهديد الإيراني، من دون أن تتحول هذه الشراكة السياسية إلى مشاركة قتالية.
ويزيد من وزن التصريح أن فاديفول كان، حسب روايات سابقة نقلتها وكالة رويترز في فبراير، أول مسؤول أوروبي تلقى إخطارًا بشأن بدء العمليات ضد إيران. هذا الموقع يجعل برلين طرفًا مطلعًا في الإدارة الأزمة، لكنه لا يحولها تلقائيًا إلى طرف محارب. وقد حاولت الحكومة الألمانية، طوال أشهر، الحفاظ على هذا الفاصل: دعم سياسي لإسرائيل وللشركاء الأوروبيين، ورفض للمشاركة في القتال، وتشديد على أن التهديد الصاروخي والنووي والأنشطة العدائية خطوط حمراء لا يمكن تجاوزها.
ماذا يعني «لن نتسامح» في الممارسة الأوروبية؟
عبارة «لن نتسامح» ليست جديدة في القاموس الدبلوماسي الأوروبي. وقد استخدمتها لندن قبل أسابيع، حين حذر ميليباند، خلال لقاء مع نظيره الإيراني عباس عراقجي في سبتمبر، من أن بريطانيا لن تتسامح مع الترهيب أو التهديد أو الأنشطة العدائية. وحين يكرر فاديفول المعنى نفسه بعد أقل من شهر، فإن الرسالة الموجهة إلى طهران هي أن الموقف لم يعد بريطانيًا فحسب، بل أصبح موقفًا تتبناه أكبر دولة في الاتحاد الأوروبي.
غير أن العبارة، في حد ذاتها، لا تحدد أداة الرد. فهي قد تعني تشديد الحماية حول المنشآت الحساسة، أو توسيع قوائم العقوبات على أفراد وكيانات يُتهمون بتسهيل نشاط عدائي، أو طرد دبلوماسيين، أو تقييد حركة أموال وشركات. كما قد تعني، في الإطار الأوروبي، تعزيز التنسيق بين أجهزة الاستخبارات والشرطة لمواجهة ما تصفه الحكومات بتهديدات دولتية. ولم يُعلن فاديفول، في التصريح المنسوب إليه يوم الجمعة، أيًا من هذه الأدوات ستُستخدم فورًا.
ويبقى السؤال العملي هو ما إذا كانت الإدانة الجماعية ستتحول إلى إجراءات منسقة داخل الاتحاد الأوروبي. فالتكتل يمتلك أدوات للعقوبات ولحماية البنى التحتية الحيوية، لكن قراراته تحتاج إلى توافق سياسي. ومشاركة ألمانيا وفرنسا وإسبانيا في بيان الإدانة تشير إلى اتساع نسبي في الموقف من الأنشطة العدائية، بينما لا تعني بالضرورة زوال الخلافات حول طبيعة المواجهة العسكرية مع إيران.
الأمن الداخلي الأوروبي والتداعيات الإقليمية
يربط المسؤولون الأوروبيون، في خطابهم العلني، بين ملفين كانا يُعالجان أحيانًا على حدة. الأول هو البرنامج الصاروخي والنووي الإيراني، الذي وصفه فاديفول سابقًا بأنه يهدد أوروبا، وقال إنه غير متأكد من استعداد طهران للتخلي عن البرنامج النووي. والثاني هو ما تسميه الحكومات الأوروبية الأنشطة العدائية داخل القارة، وهو ملف أمني داخلي يتعلق بحماية المنشآت والأفراد والبعثات. وتصريح الجمعة ينقل التركيز، ولو مؤقتًا، من مسألة المشاركة في الحرب إلى مسألة حماية الأراضي الأوروبية من نشاط يُنسب إلى دولة أجنبية.
وللمنطقة العربية مصلحة مباشرة في هذا التمييز. فالممرات الملاحية وأسواق الطاقة واستقرار الخليج تتأثر بأي تصعيد بين إيران والغرب، كما أن أي نشاط عدائي يُنسب إلى الحرس الثوري أو إلى جهات مرتبطة بإيران يثير قلق دول المنطقة التي ترى في هذا النمط تهديدًا لأمنها قبل أن يكون تهديدًا لأوروبا. وقد زار فاديفول المنطقة في مراحل سابقة، ووصفت تغطيات إعلامية زيارته بأنها تعكس قلقًا أوروبيًا متزايدًا من تداعيات المواجهة.
كما أن الموقف الألماني يُقرأ في ضوء العلاقة مع واشنطن. فألمانيا رفضت المشاركة في الحرب، لكنها تبقى شريكًا أمنيًا للولايات المتحدة داخل حلف شمال الأطلسي، وتنسق معها في ملفات العقوبات والانتشار والبرنامج النووي. وحين تقول برلين إن أوروبا في مرمى إيران، فإنها توجه رسالة إلى الحلفاء أيضًا: الخطر ليس شرق أوسطيًا فحسب، والرد عليه يجب أن يشمل حماية الأراضي الأوروبية نفسها.
حدود التصريح وما يُنتظر لاحقًا
من المهم عدم تحميل التصريح أكثر مما يحتمل. فهو لا يعلن عملية عسكرية، ولا يسمي أفرادًا أو كيانات جديدة، ولا يقدم أدلة إضافية على ما ورد في البيانات البريطانية والأوروبية خلال الأيام السابقة. وهو كذلك لا يغير الموقف الألماني المعلن منذ مارس بعدم المشاركة في الحرب. قيمته السياسية تكمن في أنه يضع اسم ألمانيا، بوضوح، خلف الموقف الأوروبي القائل إن القارة مستهدفة، وإن الأنشطة العدائية لن تُترك من دون رد.
وسيتوقف الأثر العملي للتصريح على ما سيليه من خطوات. فإذا اكتفت برلين بالبيان السياسي، فسيُقرأ بوصفه رسالة ردع وتضامن مع لندن والاتحاد الأوروبي. أما إذا تلاه إعلان عن عقوبات أو إجراءات طرد أو تحقيقات جنائية جديدة، فسيكون الموقف الألماني قد انتقل من خانة التحذير إلى خانة الإجراء. وحتى الآن، لا يوجد في التصريح المنشور ما يؤكد هذا الانتقال.
وتبقى طهران، من جهتها، على موقف النفي من العلاقة بحادثة القاعدة البريطانية، مع عرض التعاون مع السلطات المختصة. هذا التناقض بين روايتين لن يُحسم بالبيانات السياسية وحدها. فالتحقيقات البريطانية، وما قد تكشفه الإجراءات القانونية في بريطانيا أو في دول أوروبية أخرى، هي التي ستحدد ما إذا كان الموقف الألماني سيبقى في خانة التحذير أم سيتحول إلى ملفات قانونية وعقوبات.
في المحصلة، يضيف تصريح فاديفول طبقة سياسية ألمانية واضحة إلى موجة إدانات بدأت في لندن يوم 12 أكتوبر واتسعت في اليوم التالي لتشمل الاتحاد الأوروبي ونحو ثلاثين دولة. الرسالة التي يريد الوزير الألماني إيصالها هي أن الخطر، كما تراه برلين، لم يعد بعيدًا عن القارة، وأن رفض التسامح مع الأنشطة العدائية أصبح جزءًا من سياسة ألمانيا العلنية تجاه إيران، إلى جانب الخط الثابت القائل بعدم الدخول في حرب لا ترى برلين أنها طرف فيها.