فؤاد حسين من روما: خسائر العراق من الحرب الأميركية الإيرانية نحو 60 مليار دولار
✍️ ريهام العبدلي
شارك:
✍️ ريهام العبدلي
كشف وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين أن بلاده تكبّدت خسائر تُقدّر بنحو 60 مليار دولار جراء الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، مؤكدًا أن استمرار الصراع خلّف خسائر اقتصادية كبيرة طالت الاقتصاد العراقي على نحو مباشر، رغم أن بغداد ليست طرفًا مباشرًا فيه.
وجاء التصريح أثناء وجود الوزير في العاصمة الإيطالية روما، حيث نقلت وسائل إعلام عراقية ودولية، من بينها قناة السومرية وسبوتنيك وموقع نبض، تقديره لحجم الضرر المالي الناجم عن الحرب. وأشار حسين إلى أن استمرار الصراع الأميركي الإيراني خلّف خسائر اقتصادية كبيرة، موضحًا أن العراق تكبّد خسائر تُقدّر بنحو 60 مليار دولار خلال هذه الحرب.
ويعدّ هذا الرقم أحد أوضح التقديرات الرسمية التي صدرت عن مسؤول عراقي رفيع حول كلفة الحرب على اقتصاد يعتمد بشكل كاد يكون كليًا على إيرادات النفط، ويمر معظم صادراته عبر مضيق هرمز. ولم يقدم الوزير، في ما نقلته الوسائل، تفصيلًا محاسبيًا مستقلًا لمكونات هذا الرقم، غير أن السياق الذي أطره في تصريحات سابقة وفي تغطيات إعلامية متعددة يربط الخسائر باضطراب تصدير النفط وبضغوط المرور عبر المضيق.
## تصريح من روما يضع الفاتورة في العلن
نقلت قناة السومرية عن فؤاد حسين قوله إن العراق تكبّد خسائر تُقدّر بنحو 60 مليار دولار خلال الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران. وأكدت تغطيات لسبوتنيك ولموقع نبض المضمون نفسه، مع الإشارة إلى أن الوزير أدلى بهذا التقدير وهو في روما، في توقيت يعكس حرص بغداد على وضع أزمتها أمام شركاء أوروبيين ودوليين.
ولا يقتصر دلالة المكان على البعد البروتوكولي. فالحديث من روما عن خسائر بهذا الحجم يضع الملف العراقي في سياق دولي، ويرسل رسالة مفادها أن الحرب لم تعد شأنًا ثنائيًا بين واشنطن وطهران، بل أصبحت لها كلفة مقاسة على دولة مجاورة تعتمد موانئؤها وميزانيتها على ممر بحري واحد. وهذا المعنى هو ما تسعى الدبلوماسية العراقية إلى تثبيته منذ اشتداد القتال: أن الحياد لا يحمي الاقتصاد إذا أُغلق الممر الذي تخرج منه السلعة الأهم.
وقد سبق هذا التقدير تصريحات مشابهة من مسؤولين عراقيين خلال الأشهر الماضية. ففي 22 أيلول/سبتمبر 2026، نقلت القاهرة الإخبارية عن رئيس مجلس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي أن بلاده خسرت نحو 60 مليار دولار من الإيرادات منذ بدء الحرب الإيرانية الأميركية. وبذلك لا يبدو رقم فؤاد حسين تقديرًا معزولًا، بل امتدادًا لخطاب حكومي يرى في الحرب فاتورة مالية متراكمة على الخزينة وعلى قدرة الدولة على الإنفاق.
## هرمز والنفط: منفذ الأزمة
يظل مضيق هرمز هو العقدة التي تفسّر حجم الخسارة. فمعظم النفط العراقي المصدّر من جنوب البلاد يخرج عبر الخليج العربي، وأي اضطراب في المضيق ينعكس فورًا على حجم الصادرات وعلى السعر الذي تُباع به الشحنات. وفي 22 تموز/يوليو 2026، نقلت فرانس 24 عن مسؤول عراقي أن إيرادات البلاد تراجعت بأكثر من 40 مليار دولار منذ اندلاع الحرب في الشرق الأوسط، وأن معظم هذا التراجع يعود إلى الهبوط الحاد في الصادرات النفطية بسبب إغلاق المضيق.
والفارق بين رقم الأربعين مليارًا في تموز/يوليو ورقم الستين مليارًا الذي أعاد الوزير تأكيده في تشرين الأول/أكتوبر يعكس، بحسب ما نقلته الوسائل، استمرار النزف المالي مع امتداد أمد الأزمة. كما أن تغطيات إعلامية خلال الأسابيع الماضية ربطت خسائر تجاوزت 60 مليار دولار بفترة تقل عن سبعة أشهر، ما يعني أن الفاتورة لم تتراكم على مدى سنوات، بل في مدى زمني قصير بمقاييس الموازنات العامة.
وفي تصريحات نُقلت عن فؤاد حسين في وسائل عراقية، من بينها قناة الرشيد، أشار الوزير إلى أن إيران رفضت السماح بمرور النفط العراقي عبر هرمز، في حين ساعد الجانب الأميركي بغداد على التصدير. وفي مقابلة مع قناة العربية قبل أسابيع، قال حسين إن اقتصاد بلاده هو الضحية الأولى لحرب إيران، وإن العراق يصدّر النفط عبر مضيق هرمز بتعاون كامل مع الجانب الأميركي. وهذا التناقض الظاهر، بين رفض إيراني وتعاون أميركي، يلخص المأزق الذي تتحرك فيه بغداد: هي بحاجة إلى المضيق لتبيع نفطها، وهي بحاجة إلى علاقة مستقرة مع جارتها، وهي بحاجة في الوقت نفسه إلى تنسيق أمني مع واشنطن لإبقاء خط التصدير مفتوحًا.
## اقتصاد يعيش على برميل واحد
تُظهر خطورة رقم الستين مليار دولار عند وضعه إلى جانب هيكل المالية العامة العراقية. فالرواتب والدعم وخدمة الدين والإنفاق الاستثماري تعتمد، بنسب تتجاوز تسعين في المئة في سنوات طبيعية، على إيرادات النفط. وحين يتوقف التصدير أو ينخفض، لا تملك الحكومة مصدرًا بديلًا يسد الفجوة بالسرعة نفسها.
وكانت دويتشه فيله قد نقلت في حزيران/يونيو 2026 تحذيرات من انهيار مالي في العراق مع توقف النفط عبر هرمز، وذكرت أن فؤاد حسين كشف عن طباعة 25 تريليون دينار، أي ما يزيد على 19 مليار دولار، لمواجهة الأزمة المالية. وطباعة النقد بهذا الحجم ليست إجراءً فنيًا محايدًا؛ هي اعتراف بأن الإيرادات الجارية لم تعد تكفي لتمويل الالتزامات، وأن الحكومة لجأت إلى توسيع الكتلة النقدية لتفادي تعطل دفع الرواتب. وهذا المسار يحمل مخاطر معروفة: ضغط على سعر الصرف، وارتفاع في تكلفة السلع المستوردة، وتآكل القدرة الشرائية للدينار.
وقد حذّر فؤاد حسين، في تصريحات سابقة نقلتها وسائل عراقية، من أن استمرار الحرب حتى نهاية العام قد يضع الحكومة أمام مشكلة في دفع الرواتب. وهذا التحذير ليس تفصيلًا إداريًا؛ هو إشارة إلى أن العقد الاجتماعي بين الدولة وملايين الموظفين والمتقاعدين يمر عبر قدرة بغداد على تحويل برميل النفط إلى رواتب شهرية. وحين يتعطل هذا التحويل، تنتقل الأزمة من خانة المالية إلى الشارع.
## من 40 مليارًا إلى 60: تراكم لا توقف
تسمح مقارنة التصريحات الرسمية على مدى أشهر برسم منحنى تصاعدي. ففي تموز/يوليو كان الحديث عن تراجع في الإيرادات يتجاوز 40 مليار دولار. وفي أيلول/سبتمبر تحدث رئيس الحكومة عن نحو 60 مليار دولار من الإيرادات المفقودة. وفي تشرين الأول/أكتوبر أعاد وزير الخارجية تثبيت الرقم نفسه من روما، مع وصف الخسائر بأنها نتيجة مباشرة للحرب الأميركية الإيرانية.
ولا تقدم المصادر المتاحة جدولًا موحدًا يفصل بين فقدان الكمية وفقدان السعر وتكلفة التأمين والخصومات التي يُباع بها النفط العراقي في ظروف المخاطر. وقد أشارت تقارير محلية إلى أن جزءًا من الكلفة يتعلق ببيع النفط بأسعار أقل من الأسعار العالمية، وبتكاليف إضافية للمرور والتأمين. ومع ذلك، فإن الرقم الذي يتكرر في الخطاب الرسمي هو 60 مليار دولار، وهو الرقم الذي أعاده وزير الخارجية من روما.
ويكتسب هذا الرقم معنى إضافيًا عند مقارنته بإيرادات شهرية كانت، قبل اشتداد الأزمة، في حدود ستة إلى سبعة مليارات دولار في بعض الأشهر، بحسب تقديرات نشرتها مراكز دراسات عراقية عن مطلع العام. فخسارة بقيمة 60 مليار دولار تعادل، بمقاييس تلك الإيرادات، عدة أشهر كاملة من تدفقات النفط في ظروف طبيعية. وهذا ما يفسر لماذا تصف بغداد الوضع بالكارثة المالية لا بالتراجع المؤقت.
## حياد سياسي وكلفة اقتصادية
حاولت بغداد، منذ اندلاع القتال، أن تبقى خارج دائرة الاشتباك المباشر. وفي آذار/مارس 2026، نقلت الجزيرة نت عن فؤاد حسين رفضه أن يكون العراق طرفًا في الحرب، مع تأكيده أن قرار الحرب بيد الحكومة لا بيد الفصائل. غير أن الحياد السياسي لم يحمِ الاقتصاد. فالجغرافيا والنفط والمضيق جعلت العراق، بحسب تعبير الوزير نفسه، الضحية الأولى.
وهذا الوضع يضع الدبلوماسية العراقية أمام مهمة مزدوجة. من جهة، هي تحاول منع انزلاق البلاد إلى القتال، وتحافظ على قنوات مفتوحة مع واشنطن وطهران في آن واحد. ومن جهة أخرى، هي تطلب من الشركاء الدوليين الاعتراف بأن استقرار العراق المالي جزء من استقرار سوق النفط. فالحرب التي ترفع أسعار الطاقة عالميًا قد تُفقر، في الوقت نفسه، دولة منتجة لا تستطيع الوصول إلى البحر.
والرسالة التي حملها حسين من روما تندرج في هذا الإطار. فهو لا يطلب، بحسب ما نُقل، تعويضًا محدد الآليات، لكنه يضع رقمًا واضحًا أمام الشركاء: 60 مليار دولار. وهذا الرقم، إن ثبت في حسابات لاحقة، يعادل جزءًا كبيرًا من الناتج المحلي العراقي، ويكفي لتمويل شهور طويلة من الرواتب والخدمات الأساسية. وهو كذلك رقم يصعب على أي حكومة أن تمتصه من الاحتياطيات من دون أن تظهر آثار ذلك في سعر الصرف وفي توفر الدولار وفي ثقة الأسواق.
## ماذا يعني الرقم للمواطن وللسوق
على مستوى الحياة اليومية، لا يظهر رقم 60 مليار دولار في بند واحد، بل في سلسلة من الضغوط. أولها تراجع الدولار الداخل إلى الخزينة، وما يعنيه ذلك من صعوبة في تمويل الاستيراد والدواء والسلع الأساسية. وثانيها الضغط على سعر الصرف في السوق الموازية، حيث يلجأ التجار والمواطنون إلى الدولار كملاذ كلما ضعفت الثقة بالتدفقات النفطية. وثالثها تأجيل المشاريع وتراجع الاستثمار، لأن المستثمر لا يبني قراره على دولة لا تعرف متى ستعود صادراتها إلى مستواها السابق.
وقد أشارت تغطيات إعلامية إلى أن جزءًا من الكلفة ارتبط برسوم وترتيبات للمرور، وبخصومات سعرية فرضتها ظروف السوق. وهذه العناصر، إن صحت، تعني أن الخسارة ليست فقط نفطًا لم يُبع، بل نفطًا بيع بسعر أقل وبتكلفة أعلى. والفارق بين الحالتين هو ما يتراكم في النهاية على شكل عجز في الموازنة وضغط على الاحتياطيات.
ولا تملك الحكومة، حتى الآن، خطة معلنة لتعويض هذا الفقدان من مصدر غير نفطي. فالقطاعات الأخرى، من الزراعة إلى الصناعة والخدمات، لا تولد عملة صعبة بالسرعة المطلوبة، ولا تمر عبر منفذ بحري واحد يمكن إغلاقه. ولهذا السبب يظل الحديث عن تنويع الاقتصاد شرطًا مؤجلًا، فيما الحاجة العاجلة هي إعادة فتح خطوط التصدير بانتظام وبسعر لا يُباع به النفط تحت الإكراه.
## ما الذي ينتظره الملف
يبقى السؤال العملي هو كيف ستدير بغداد ما تبقى من العام المالي. فإذا استمر الاضطراب في هرمز، فإن رقم الستين مليار دولار قد يرتفع، لأن كل شهر إضافي من التصدير المنخفض يضيف مليارات جديدة إلى الفاتورة. وإذا عاد المرور إلى انتظامه، فإن الخسارة المتحققة لن تختفي؛ ستظل فجوة في الموازنة تحتاج إلى سنوات من التصدير المستقر لسدها، إذا لم تتدخل أسعار النفط العالمية لصالح المنتجين بشكل كبير.
والخيارات المطروحة أمام الحكومة محدودة. فهي يمكن أن تواصل طباعة النقد، مع ما يحمله ذلك من مخاطر على التضخم والصرف. ويمكن أن تلجأ إلى الاقتراض، داخليًا أو خارجيًا، مع ما يعنيه ذلك من ارتفاع في خدمة الدين. ويمكن أن تخفض الإنفاق، وهو مسار يصادم التزامات اجتماعية واسعة، من الرواتب إلى الدعم. ولا يبدو أن هناك خيارًا رابعًا سريعًا خارج هذه الدائرة، ما لم يعد النفط إلى التدفق بالحجم والسعر اللذين بُنيت عليهما الموازنة.
وفي هذا السياق، يكتسب تصريح روما وظيفة مزدوجة. هو من جهة توثيق رسمي لحجم الضرر، ومن جهة أخرى نداء لشركاء العراق بأن استمرار الحرب له ثمن عراقي مقاس، وأن هذا الثمن لن يبقى حبيس جداول وزارة المالية. فالرواتب والصرف والاستيراد وثقة المستثمرين كلها تتأثر بما يجري في مضيق لا تسيطر عليه بغداد.
ويبقى أن الرقم الذي أعلنه فؤاد حسين تقدير حكومي، لا حسابًا نهائيًا صادرًا عن جهة محاسبة مستقلة. ومن المرجح أن تنشر وزارة المالية والبنك المركزي لاحقًا تفصيلًا يوضح كيف توزعت هذه الخسائر بين الكمية والسعر والتكاليف. غير أن غياب هذا التفصيل لا يلغي الدلالة السياسية للتصريح. فوزير خارجية يتحدث من روما عن خسائر بقيمة 60 مليار دولار يقول، بلغة الأرقام، إن بلاده دفعت ثمن حرب لم تخترها، وإن هذا الثمن ما زال يتراكم.