مارسيل غانم من بيروت: نحن مع السعودية.. والصاروخ الذي يستهدف الرياض من مصدر الأذى الذي طال لبنان

أعلن الإعلامي اللبناني مارسيل غانم، من بيروت، وقوفه إلى جانب المملكة العربية السعودية في مواجهة الاعتداءات الصاروخية، مؤكدًا أن الصاروخ الذي يقتل في الرياض يأتي من مصنع الصاروخ الذي قتل اللبنانيين، وأن من يصفق للاعتداءات هو نفسه من أقفل أبواب العرب في وجه اللبنانيين. وجاء الكلام في حلقة من برنامجه «صار الوقت» على شاشة تلفزيون الـ«إم تي في» اللبناني، وتداولته مقاطع مصورة نقلت العبارة كما وردت من دون إضافات لم تثبت في نص مستقل.
نص الموقف كما ورد ف الحلقة
قال غانم، وفق النص المتداول من الحلقة: «نقولها من بيروت، نحن مع السعودية، الصاروخ الذي يقتل في الرياض من مصنع الصاروخ الذي قتلنا، ومن يصفق للاعتداءات هو نفسه من أقفل أبواب العرب في وجه اللبنانيين». والعبارة، على قصرها، تجمع بين إعلان سياسي مباشر وتحديد لسردية طالما فصلت، في خطاب بعض الأطراف اللبنانية، بين ما يجري في الرياض وما يجري في بيروت.
ولم يُسمِّ غانم، في المقطع المتداول، جهةً بعينها، ولم يقدم رقمًا أو تاريخًا لهجوم محدد. ومن ثم فإن ما ورد يُقرأ بوصفه موقفًا إعلاميًا وتقديرًا سياسيًا، لا بوصفه نتيجة تحقيق فني في منشأ صاروخ بعينه. وهذا الفصل ضروري في تغطية تتصل بملفات أمنية معقدة، تتبادل فيها الاتهام والنفي منذ سنوات، من دون أن يكون للإعلام أن يحوّل التقدير إلى حقيقة قضائية.
دلالة الجملة الأولى
اختيار غانم عبارة «نقولها من بيروت» ليس تفصيلًا عارضًا. فالعاصمة اللبنانية ظلت، في السنوات الأخيرة، موضع خلاف حاد حول علاقة الدولة بالمملكة، وحول ما إذا كان القرار اللبناني في ملفات السلاح والحدود يصدر عن مؤسسات الدولة أم عن قوى خارج سلطة الدولة. والقول العلني بالوقوف مع السعودية، من داخل هذا السياق، هو محاولة لفصل الموقف الشعبي والإعلامي عن خطاب يعد أي انحياز للرياض خضوعًا أو انقطاعًا عن قضية لبنان.
من هو مارسيل غانم وما «صار الوقت»؟
يُعد مارسيل غانم من أبرز مقدمي البرامج الحوارية السياسية في لبنان. وبحسب سيرته الموثقة، انتقل إلى محطة «إم تي في» اللبنانية ليقدم برنامج «صار الوقت» اعتبارًا من الرابع من أكتوبر عام 2018، ويُبث البرنامج كل خميس. وتصفه المحطة، على منصتها الرسمية، بأنه برنامج سياسي اجتماعي أسبوعي من إعداده وتقديمه، يناقش أهم مواضيع الساعة في لبنان والعالم.
وظل البرنامج، طوال مواسمه، منبرًا لمقدمات حادة تتناول السلاح خارج الدولة، وسيادة القرار، والعلاقة بالخارج. ومقدمات متداولة خلال الأشهر الماضية على منصات المحطة نفسها تظهر استمرار هذا الخط؛ منها ما ربط الصمت على مخزون المتفجرات بتفاقم الأزمة، ومنها ما ذهب إلى أن من لا يملك قراره لا يملك وطنه. وفي هذا الإطار، يأتي الكلام عن السعودية امتدادًا لخط ثابت في البرنامج، لا استثناءً عارضًا على مساره.
الرياض تحت النار مجددًا
يكتسب الكلام زخمه من سياق أمني متجدد. ففي الثامن من أكتوبر 2026، نقلت وكالات وشبكات إعلامية، بينها هيئة الإذاعة البريطانية وفرانس 24 ويورونيوز، إعلان جماعة أنصار الله الحوثية استهداف مطار الملك خالد الدولي في الرياض، في موجة هجمات قالت الجماعة إنها شملت أكثر من مرة. ولم تُنشر، في المقاطع الإعلامية المراجعة، حصيلة نهائية موحدة لهذه الهجمات، لكن تكرار اسم العاصمة السعودية في بيانات الجماعة أعاد فتح ملف قديم: استهداف مدني لقلب المملكة بصواريخ تُطلق من اليمن.
وليس الأمر جديدًا على الرياض. ففي كانون الأول/ديسمبر 2017، تناولت هيئة الإذاعة البريطانية اتهامات سعودية وأميركية لإيران بتزويد الحوثيين بصاروخ أُطلق تجاه العاصمة السعودية، ونفت طهران تلك الاتهامات. ووثق معهد دولي، في ما نقلته صحافة عربية لاحقًا، استخدام صواريخ تجمع بين مكونات مختلفة في هجمات على الرياض عام 2017. أما ربط هذه المنظومة، مصنعًا ومسارًا، بما وصفه غانم بـ«الصاروخ الذي قتلنا»، فهو استنتاجه السياسي، لا خلاصة فنية نشرتها جهة رسمية في بيان معلن.
اتهام قديم ونفي موثق
سبق للرياض أن اتهمت «حزب الله» بالمساعدة في استهداف الأراضي السعودية انطلاقًا من اليمن. وفي السابع والعشرين من كانون الأول/ديسمبر 2021، نقلت دويتشه فيله وصف الحزب لهذه الاتهامات بأنها «أمور تافهة»، فيما أدانت خارجية لبنان استهداف جازان. السجل العلني إذن يحفظ الاتهام والنفي معًا، ولا يحسم جدل المصنع الذي أشار إليه غانم.
ومع ذلك، فإن الجملة الثانية في كلامه لا تحتاج إلى حسم فني لكي تُفهم سياسيًا. فهو يقول إن من يصفق للاعتداء على الرياض هو نفسه من أسهم، برأيه، في إغلاق الأبواب العربية أمام اللبنانيين. والإشارة هنا إلى تجربة معاشة: قيود سفر، وحظر واردات، وتراجع ثقة خليجية وعربية بالدولة اللبنانية كلما بدا أن قرار السلم والحرب لا يمر عبر مؤسساتها.
علاقة تراوحت بين الحظر والدعم
لم تكن العلاقة السعودية اللبنانية، خلال السنوات الأخيرة، علاقة قطيعة واحدة. فهي مرت بمراحل من التوتر الشديد، شملت قيودًا على سفر المواطنين السعوديين وحظرًا على الواردات اللبنانية، ثم بدأت تظهر إشارات انفراجة مشروطة بسلوك الدولة اللبنانية.
وفي السابع عشر من تشرين الثاني/نوفمبر 2025، نقلت العربية أن الدبلوماسية السعودية في بيروت تستند إلى مبدأين: دعم المؤسسات الرسمية، والانفتاح على مختلف المكونات اللبنانية. وفي الشهر نفسه، أفادت الشرق بلومبرغ بأن محادثات لبنانية سعودية على هامش مؤتمر «بيروت 1» تناولت ثلاثة ملفات، من بينها رفع الحظر عن الصادرات وعن السفر وتسهيل التجارة. أي أن مطلب رفع القيود كان مطروحًا على الطاولة، لا منجزًا كاملًا.
وفي العاشر من حزيران/يونيو 2026، نقلت رويترز أن السعودية رفعت حظرًا دام نحو خمس سنوات على الواردات من لبنان، في بادرة وصفتها الوكالة بأنها دعم لحكومة بيروت. وفي اليوم التالي أكدت فرانس 24 أن الحظر المفروض منذ عام 2021 رُفع، وأن الرياض ربطت الخطوة بالإجراءات التي اتخذتها السلطات اللبنانية. وهذا التمييز مهم: رفع حظر الواردات موثق، أما ملف السفر فله مسار مختلف. وقد جددت سفارة المملكة في بيروت، في رسالة نُشرت قبل أشهر، دعوتها المواطنين المتواجدين في لبنان إلى المغادرة، التزامًا بقرار منع السفر. الدعم الاقتصادي المعلن لا يلغي، إذن، تقدير الرياض للمخاطر الأمنية.
لماذا يهم الموقف الآن؟
يأتي كلام غانم في لحظة تحاول فيها بيروت استعادة بعض ما خسرته من ثقة عربية، بينما تعود الرياض إلى دائرة الاستهداف المعلن. والرسالة التي يريدها الإعلامي، إذا قُرئت في هذا الضوء، هي أن التضامن مع المملكة ليس مجاملة لعاصمة خليجية، بل دفاعًا عن سردية يراها واحدة: من يطلق النار على مدنيي الرياض لا يمكن أن يكون، في الوقت نفسه، ضامنًا لاستقرار لبنان ولا لعودة اللبنانيين إلى فضائهم العربي.
وهذا الربط هو ما يجعل التصريح أوسع من مجرد تعاطف. فالمملكة ظلت، حتى في ذروة الخلاف، بوابة اقتصادية وسياسية رئيسة للبنان تجاه الخليج. ورفع حظر الواردات في حزيران/يونيو الماضي يعني، بحسب رويترز، إمكانية مساعدة شركات لبنانية تضررت من القطيعة. أما التصفيق للهجوم على الرياض، فهو برأي من يتبنى منطق غانم، يعيد إنتاج العزلة التي يشكو منها اللبنانيون أنفسهم.
حدود ما يمكن استنتاجه
لا يقدم التصريح خريطة طريق للصاروخ، ولا يثبت وحده مسؤولية جهة لبنانية عن تصنيعه أو تهريبه. كما أنه لا يلغي حق الجهة المتهمة في النفي، وهو نفي سُجّل علنًا في محطات سابقة. ما يفعله الكلام هو أنه يضع المسألة الأخلاقية والسياسية أمام الرأي العام اللبناني: هل يمكن إدانة قصف مدنيي الرياض والمطالبة، في الوقت عينه، بفتح الأسواق العربية والخليجية أمام البضائع والمواطنين اللبنانيين؟
والإجابة، في منطق الحلقة، واضحة عند غانم: لا. وهو لا يقدمها بوصفها موقف حكومة لبنان، بل بوصفها موقفًا يُقال «من بيروت». والفرق يهم القارئ. فالحكومة اللبنانية لها قنواتها الرسمية مع الرياض، وهي قنوات شهدت في الأشهر الماضية حديثًا عن التجارة والمؤسسات والدولة. أما البرنامج فيخاطب رأيًا عامًا منقسمًا، ويحاول أن يجعل الوقوف مع السعودية جزءًا من الجدل الداخلي على معنى السيادة.
ما الذي يترتب على الكلام؟
لا يغير تصريح تلفزيوني، مهما بلغ انتشاره، موازين القوة في الميدان. فهو لا يوقف صاروخًا، ولا يفتح سوقًا، ولا يُلزم حكومة. لكنه يضيق المساحة أمام من يريد تصوير الوقوف مع الرياض بوصفه خيارًا أقليًا معزولًا داخل لبنان. وهو يذكّر، في الوقت نفسه، بأن ثمن هذا العزل دفعه اللبنانيون في معيشتهم اليومية: في السفر، وفي التصدير، وفي الثقة التي تحتاج إليها أي خطة للخروج من الأزمة.
وتبقى المسؤولية السياسية أوسع من الشاشة. فالرياض ربطت، في بياناتها السابقة عن رفع حظر الواردات، الخطوة بما تتخذه السلطات اللبنانية من إجراءات. واستمرار استهداف العاصمة السعودية، واستمرار الجدل داخل لبنان على السلاح والقرار، يبقيان الاختبار الذي ستقاس به الرياض أي انفراجة لاحقة. وفي هذا المعنى، فإن جملة غانم لا تُغلق الملف، بل تعيد وضعه على الطاولة العامة: الوقوف مع السعودية، كما قاله من بيروت، والرفض العلني لمن يصفق لقصف مدنييها، والتنبيه إلى أن أبواب العرب لا تُفتح بالخطاب وحده.