نساء تعز يحملن السلاح في مواجهة الحوثي ويفضحن تناقض شعارات الميليشيا

تناقلت منصات إعلامية ومواقع تواصل اجتماعي مشهدا من محافظة تعز أظهر فيه نساء يمنيات وهن يحملن السلاح، معلنات دعمهن القوات الحكومية والمقاومة في جبهات المحافظة ضد ميليشيا الحوثي. ورددت النساء، وفق مقطع مصور جرى تداوله على نطاق واسع، عبارة «يروح يحارب إسرائيل، يروح يحارب أمريكا»، في رسالة مباشرة تستهدف الفجوة بين شعارات الميليشيا الموجهة إلى الخارج وواقع سلاحها الموجه إلى اليمنيين.
ويأتي المشهد في سياق تصاعد المواجهات على امتداد جبهات تعز، ولا سيما الجبهة الغربية حيث تتركز المعارك حول المرتفعات والممرات الجبلية الحاكمة. ووصفت تغطيات إعلامية، من بينها مواد نشرتها الجزيرة نت ومنصات محلية، هذه المشاركة بأنها تنتقل من جمع التبرعات وتجهيز الطعام إلى حمل السلاح في إطار جهود الإسناد والتعبئة المجتمعية. وأشارت مواقع محلية إلى أن جانبا من هذه المشاركة رمزي، غير أن الرسالة السياسية التي حملها المقطع لم تعد رمزية؛ فهي تضع المدنيين، والنساء منهم، في مواجهة مباشرة مع خطاب الميليشيا الذي يُسوّق القتال بوصفه مواجهة مع أطراف خارجية، بينما تتحمل مدينة يمنية كلفة الحصار والقصف وانقطاع الإمداد.
رسالة من الصفوف الأمامية
لا يمكن فصل المشهد عن سياقه العسكري. فمنذ أسابيع تتواصل المواجهات والقصف المتبادل بين القوات الحكومية وجماعة الحوثي على جبهات عدة، وتبقى تعز في قلب هذا التصعيد. ونشرت الجزيرة نت في الثامن والعشرين من أيلول/سبتمبر 2026 تحليلا بعنوان «معركة الممرات والمرتفعات في تعز»، أوضحت فيه أن المواجهات تدور حول مرتفعات وممرات جبلية يتكرر اسمها في الأخبار، من بينها الكدحة وراسن وجرداد وجبل نعمان وبني بكاري، وأن ما يجري ليس اشتباكا عابرا بل معركة تتصل بمصير المدينة نفسها.
وأشار مركز المخا للدراسات الاستراتيجية، في قراءة للمعركة نفسها، إلى أن القتال يتحرك على امتداد الجبهة الغربية، وأن طبيعة الأرض فرضت نمط المواجهات؛ إذ تدور حول مرتفعات وممرات تتحكم في حركة القوات والإمداد. وفي تغطية لاحقة نشرتها الجزيرة نت في الخامس عشر من تشرين الأول/أكتوبر 2026، قال الخبير العسكري العميد حسن جوني إن الحوثيين يستغلون سيطرتهم على المرتفعات لتطويق مدينة تعز ناريا، في حين تسيطر القوات الحكومية على مساحات داخل المدينة ومحيطها. ووصفت الجزيرة نت هذا الوضع بأنه «حصار غير تقليدي»، لأن قطع الإمداد لا يعتمد دائما على إغلاق شامل للمدينة، بل على السيطرة النارية على الطرق والممرات.
وفي هذا الإطار، تكتسب عبارة النساء معنى مضاعفا. فالميليشيا تُقدّم نفسها، في خطابها العلني، بوصفها طرفا يخوض مواجهة مع إسرائيل والولايات المتحدة، بينما يرى سكان تعز أن ثقل السلاح والحصار ينصب على مدينتهم. ولم تكن العبارة التي رددها النساء تحليلا سياسيا مكتوبا، بل صيغة شعبية مكثفة تلخص هذا التناقض: إذا كان الخصم المعلن خارج البلاد، فلماذا يُوجّه السلاح إلى مدينة يمنية ويُحاصر سكانها منذ سنوات؟
من الإسناد إلى حمل السلاح
تظهر التغطيات المتداولة أن مشاركة النساء لم تبدأ بحمل السلاح. فقد نشرت الجزيرة مقطعا بعنوان «من جمع التبرعات وتجهيز الطعام إلى حمل السلاح»، وثقت فيه مشاركة نساء في تعز بأدوار مختلفة ضمن جهود الإسناد والتعبئة المجتمعية لدعم القوات الحكومية. ونشر موقع «الوطن» أن نساء المحافظة أعلنّ مساندتهن الكاملة للقوات المسلحة في جبهات القتال ضد الحوثي، خلال مشاركة وصفها بالرمزية حملن فيها السلاح ضمن مبادرات الإسناد الشعبي. كما نشرت قناة سبأ الفضائية مقطعا عن امرأة من تعز تحمل السلاح وتتعهد بمقاومة الميليشيا.
ويُفهم هذا التنوع في الأدوار ضمن سياق أوسع من التعبئة. فقبل أيام من تداول المقطع الأخير، دشّنت دائرة المرأة في المقاومة بتعز، التابعة للمجلس الأعلى للمقاومة الشعبية، حملة بعنوان «عتاد التحرير والكرامة». ووفق ما نشرته منصة «تعز تايم» وموقع «يمن ديلي نيوز» في الثامن من تشرين الأول/أكتوبر 2026، تستهدف الحملة جمع تبرعات لشراء عشرة آلاف قطعة سلاح من نوع كلاشنكوف وعشرة ملايين طلقة، لتجهيز عشرة آلاف مقاتل. وأكدت تغطيات أخرى أن الحملة أُشهرت خلال مؤتمر عقدته دائرة المرأة في المجلس الأعلى للمقاومة الشعبية بالمحافظة.
أرقام الحملة ودلالتها
لا تُقرأ هذه الأرقام بوصفها خطة تنفيذ مكتملة، بل بوصفها مؤشرا على حجم التعبئة التي تريد جهات محلية إظهاره. فطلب عشرة آلاف قطعة سلاح وعشرة ملايين طلقة يعني، في حده الأدنى، أن الجهة المنظمة للحملة ترى المعركة ممتدة وتحتاج إلى تعبئة مالية ولوجستية لا تقتصر على المقاتلين في الخنادق. ويُلاحظ أن الجهة التي أطلقت الحملة هي دائرة المرأة، لا جهة عسكرية ميدانية، ما يعكس استمرار دور النساء في جمع الموارد وتنظيم الإسناد، قبل أن يصل الأمر إلى ظهور بعضهن في صور وهن يحملن السلاح.
وهذا التمييز مهم صحفيا. فالمقاطع المتداولة لا تثبت، بحد ذاتها، أن النساء الظاهرات فيها يخضن قتالا ميدانيا مستمرا في خطوط التماس، كما أن بعض التغطيات وصفت المشاركة بالرمزية. لكن الدلالة السياسية لا تتغير بهذا التحفظ: فالمجتمع المحلي يُعيد تعريف جبهة القتال، ويرفض اختزال الحرب في شعار خارجي، ويضع المدنيين — ومنهم النساء — في موقع المعني المباشر بالمواجهة.
لماذا تعز بالذات؟
ليست تعز جبهة كغيرها من جبهات الحرب اليمنية. فهي ثالث كبرى محافظات البلاد من حيث السكان، وعقدة طرق تربط المرتفعات الوسطى بالساحل الغربي، ومدينة ظلت لسنوات تحت حصار متقطع فرع أثمانها الاقتصادي والإنساني على ملايين السكان. ونشرت الجزيرة نت في الرابع عشر من تشرين الأول/أكتوبر 2026 مادة عنونتها «معركة المرتفعات.. لماذا تشكل تعز عقدة الإمداد الحاكمة في اليمن؟»، وهي صيغة تلخص الموقع: من يمسك بالمرتفعات المطلة على المدينة وطرقها يمسك بقدرة كبيرة على حركة السلع والمساعدات والإمداد العسكري.
ولهذا السبب تتكرر أسماء المرتفعات في البيانات العسكرية أكثر مما تتكرر أسماء الأحياء. فالقتال داخل المدينة، كما أوضحت تغطية الجزيرة نت في أيلول/سبتمبر، يحد من بعض مزايا الأسلحة الثقيلة ويحول التقدم إلى سلسلة معارك على مناطق متقاربة تحتاج معرفة دقيقة بالأرض. أما المرتفعات المحيطة فتمنح لمن يسيطر عليها قدرة على الرؤية والنيران وقطع الطرق، من دون الحاجة إلى اقتحام كامل للمدينة. وهذا ما يفسر إصرار الجماعة على الضغط من الغرب، عبر جبهات مثل راسن وسامع وحبشي، وفق تقارير ميدانية نشرتها قناة الجزيرة خلال الأسابيع الماضية.
والنساء في هذا المشهد لسن طرفا جديدا على الحرب. فمنذ الأشهر الأولى للحصار، وثقت تقارير حقوقية وإعلامية أن النساء كن من الفئات الأكثر تضررا؛ فهن من يتحملن عبء البحث عن الغذاء والماء والدواء حين تُقطع الطرق، وهن من يدفعن ثمن انهيار الخدمات الصحية والتعليمية، وهن من يُجبرن على سلوك طرق بديلة طويلة وخطرة للوصول إلى المدينة. وحين يظهرن اليوم وهن يحملن السلاح أو يجمعن التبرعات، فإن الصورة لا تنفصل عن ذلك التراكم؛ هي نتيجة حصار طويل، لا مشهدا منفصلا عن سياقه.
الشعار الخارجي والجبهة الداخلية
تكتسب عبارة «يروح يحارب إسرائيل، يروح يحارب أمريكا» وزنها من كونها تصدر من نساء في مدينة تعيش تحت النار منذ سنوات. فالجماعة تبني شرعيتها، في جزء كبير من خطابها، على رفع شعارات المواجهة مع إسرائيل والولايات المتحدة، وتربط عملياتها في البحر الأحمر وباب المندب بهذا الخطاب. غير أن سكان تعز لا يقيسون الجماعة بما تقوله عن الخارج، بل بما تفعله على الأرض التي يسكنونها: حصار طرق، وقصف، وضغط على المرتفعات، ومحاولات لتطويق المدينة ناريا.
وهنا يكمن التناقض الذي أشار إليه المقطع. فالشعار الخارجي يحتاج إلى جبهة بعيدة لكي يكتسب معناه، بينما الجبهة الفعلية التي تستنزف الرجال والعتاد والقصف هي جبهة داخلية. وكلما اشتد الضغط على تعز، ازداد هذا التناقض وضوحا لدى سكان لا يملكون رفاهية تفسير الحرب بوصفها مواجهة بعيدة. والنساء، بحكم موقعهن في إدارة شظف البقاء اليومي، هن أقدر على رؤية هذه الفجوة؛ فالشعار لا يُطعم أسرة، ولا يفتح طريقا، ولا يوقف قذيفة.
ولا يعني ذلك أن الموقف المحلي موحد سياسيا. فتعز مدينة متعددة المكونات، والقوات الحكومية والمقاومة ليستا كتلة واحدة، والخلافات بين المكونات المحلية ظهرت في مراحل سابقة من الحرب. لكن المشهد المتداول لا يتحدث عن وحدة سياسية، بل عن موقف اجتماعي يرفض أن تُحوّل المدينة إلى جبهة ثانوية في خطاب يدّعي أن معركته في مكان آخر. وهذا الموقف هو ما يمنح الصورة قوتها، لا حجم السلاح الظاهر فيها.
تعبئة لا تلغي كلفة الحرب
إن قراءة المشهد بوصفه مظهرا معزولا عن الحصار تُفقده معناه. فالنساء اللاتي يجمعن التبرعات أو يحملن السلاح هن أنفسهن من دفعن ثمن الحرب في البيوت والمشافي وطرق التهريب. وحملة «عتاد التحرير والكرامة»، مهما بلغ رقمها المعلن، لا تلغي أن المدينة ما زالت تعتمد على ممرات جبلية قابلة للقطع، وأن الإمداد الطبي والغذائي يبقى رهينة السيطرة على المرتفعات. كما أن الحملة نفسها تكشف ضعف الإمداد النظامي للجبهات؛ فلو كانت القوات الحكومية تتلقى ما يكفيها من العتاد بصورة منتظمة، لما احتاجت دائرة نسوية إلى حملة عامة لجمع عشرة آلاف قطعة سلاح.
وهنا يبرز بعد آخر للخبر. فالتعبئة المجتمعية، مهما بدت واسعة، لا تستبدل قرارا عسكريا واضحا لفك الحصار أو تثبيت المرتفعات. والجزيرة نت نقلت، في تغطية نشرتها قبل يوم واحد من إعداد هذا المقال، أن القوات الحكومية تسعى لفك حصار تعز وسط تصعيد ميداني. وهذا السعي، إن نجح، هو ما يُغيّر معادلة المدينة، لا حملة تبرعات مهما اتسع نطاقها. أما إذا بقي الوضع على حاله، فستظل الصور التي تُظهر النساء في مواجهة الميليشيا تتكرر، لأن السبب الذي أنتجها لم يزل.
ما الذي يثبته المشهد وما لا يثبته
من الناحية المهنية، يجب التمييز بين ما هو موثق وما هو استنتاج. الموثق هو أن مقاطع مصورة جرى تداولها على نطاق واسع خلال الأيام الماضية تُظهر نساء في تعز وهن يحملن السلاح ويعلن دعمهن القوات الحكومية والمقاومة ضد الحوثي، وأن بعضهن رددن عبارة تدعو الميليشيا إلى توجيه سلاحها نحو إسرائيل وأمريكا بدلا من اليمنيين. والموثق أيضا هو أن دائرة المرأة في المقاومة أطلقت حملة لجمع عشرة آلاف قطعة سلاح وعشرة ملايين طلقة، وأن المواجهات مستمرة على المرتفعات الغربية بحسب تغطيات الجزيرة نت ومركز المخا.
أما ما لا يثبته المقطع فهو حجم المشاركة النسائية الميدانية الفعلية، أو عدد النساء المنخرطات في قتال منتظم، أو نتائج الحملة المالية. ولم تنشر جهة رسمية مستقلة رقما نهائيا لما جمعته الحملة حتى إعداد هذا المقال. كما أن بعض المنصات التي أعادت نشر المقطع حملت تعليقات سياسية لا تسندها الصور نفسها، من بينها ربط المشهد بانسحاب أطراف محلية من الجبهات، وهو زعم لم يثبت في المصادر المستقلة التي راجعتها شبكة نفود الإخبارية.
ومع ذلك، فإن الحد الأدنى المؤكد كاف لقراءة الخبر. فتعز ليست مدينة تتلقى الحرب فقط، بل مدينة يعيد سكانها، ومنهم النساء، تعريف الخصم والجبهة. والعبارة التي رددنها لا تطلب تفسيرا طويلا: هي تقول إن السلاح الذي يُرفع بشعار المواجهة مع الخارج موجه إلى الداخل، وإن من يدفع الثمن ليس خصما بعيدا، بل مدينة يمنية اسمها تعز.
وسيظل السؤال المفتوح هو ما إذا كانت هذه التعبئة ستترجم إلى تغيير ميداني، أم إلى مزيد من الصور التي توثق كلفة الحصار من دون أن تكسره. والإجابة لا تكمن في الشعارات، بل في ما إذا كانت القوات الحكومية ستنجح في فك الطوق الناري عن المدينة، وفي ما إذا كان الضغط على المرتفعات الغربية سيتراجع. وحتى يتضح ذلك، ستبقى صورة النساء وهن يحملن السلاح وثيقة على مرحلة من الحرب لم يعد فيها المدنيون مجرد خلفية للجبهة.