رفض طبي لرئتي متبرع في الثانية والخمسين بعد 30 عاماً من التدخين.. تلف بالغ يعيد فتح ملف أضرار التبغ
✍️ هند الشمري
شارك:
✍️ هند الشمري
عاد مقطع طبي موثق إلى التداول الواسع على منصات التواصل، يُظهر رفض فريق جراحة زراعة الرئة في مستشفى ووشي الشعبي بمقاطعة جيانغسو الصينية زوجاً من الرئتين المتبرع بهما من رجل بلغ من العمر 52 عاماً، بعد أن تبيّن أن العضوين أصيبا بتلف بالغ واسوداد شديد يرتبطان بتاريخ تدخين امتد نحو ثلاثين عاماً. والمقطع ليس حادثة طبية جديدة؛ فهو موثق منذ تشرين الثاني/نوفمبر 2019، غير أن عودة انتشاره تُعيد فتح سؤال طبي وأخلاقي متكرر: ما الحد الذي يجعل رئة المدخن غير صالحة لإنقاذ حياة مريض ينتظر الزراعة؟
## ماذا يُظهر المقطع الموثق؟
يُظهر المقطع، الذي نشره الجراح الصيني تشن جينغيو وتناولته وسائل إعلامية عدة في حينه، رئتين مستأصلتين من متبرع تُوفي دماغياً. ووفق ما نقلته صحيفة «القدس العربي» وموقع «دنيا الوطن» في 19 تشرين الثاني/نوفمبر 2019، اضطر الفريق الطبي إلى رفض العضوين لعملية الزراعة، بعدما تبيّن أن صاحبهما، البالغ من العمر 52 عاماً، قضى نحو 30 عاماً منها في التدخين المكثف.
ووصفت التقارير الرئتين بأنهما اسودّتا اسوداداً شديداً، على نحو يجعل الفرق بينهما وبين رئة سليمة واضحاً بالعين المجردة، قبل أن تُستكمل الفحوصات الوظيفية والمخبرية اللازمة لقبول العضو. ولم يكن الرفض، وفق سياق التغطية الإعلامية الآنفة الذكر، قراراً انطباعياً بل نتيجة تقييم جراحي: العضو لم يعد قابلاً للنقل إلى مريض على قائمة الانتظار.
وقال الدكتور تشن جينغيو، وفق النقل الصحفي المعاصر للمقطع، إن كثيراً من المدخنين في بلده لديهم رئات مماثلة، وإن فريقه قرر رفض إجراء الزراعة بهاتين الرئتين. وأضافت تغطيات لاحقة أن الجراح نبّه إلى أن المدخن الشره قد لا تُقبل رئتاه للزراعة حتى إذا رغب في التبرع بهما. أما بعض الروايات التي حددت كمية التدخين بعلبة واحدة يومياً، فلم يؤكدها الجراح في التصريحات المنسوبة إليه بهذا التحديد، ولذلك يُكتفى هنا بما ثبتته المصادر الصحفية المعاصرة: تدخين مكثف امتد نحو ثلاثة عقود.
## لماذا تُرفض رئة المتبرع؟
زراعة الرئة ليست عملية نقل عضو فحسب، بل محاولة لإعادة و8يفة التنفس إلى مريض وصل فشله الرئوي إلى حد يهدد الحياة. ولأن الرئة عضو مفتوح على الهواء، فإن معايير قبولها أشد تشدداً من معايير كثير من الأعضاء الأخرى. يُقيّم الفريق الشكل الظاهر، ومرونة النسيج، ووجود تليف أو عقد هوائية أو التهاب، ثم وظيفة العضو قبل الوفاة وخلال الحصاد، إضافة إلى الصور الشعاعية وتاريخ المتبرع المرضي.
### الاسوداد ليس تفصيلاً شكلياً
اللون الأسود الذي صدم المشاهدين ليس صبغة عارضة. فهو، في سياق التدخين المديد، أثر مرئي لترسب القطران والجسيمات المهيجة الناجمة عن احتراق التبغ داخل الحويصلات الهوائية الدقيقة التي يتم عندها تبادل الأكسجين. ومع تكرار التعرض، تتضيق الشعب الهوائية الصغيرة، وتتدمر جدران الحويصلات، وقد تنشأ فراغات هوائية وتليف يقلل مرونة الرئة وقدرتها على التمدد والانكماش.
وهذا التلف لا يعني فقط أن المتبرع كان سيعاني من ضيق التنفس لو عاش. بل يعني أن نقل هذا العضو إلى مستقبل قد يفشل في تأمين تبادل غازي كافٍ، ويرفع احتمال المضاعفات المبكرة، ويُعرّض المريض المنتظر لعملية كبرى لنتيجة أسوأ من البقاء على قائمة الانتظار. من هنا يكون الرفض حماية للمستقبل لا إهداراً لفرصة تبرع.
### التدخين ليس مانعاً مطلقاً للتبرع
من المهم ألا يُقرأ المقطع على أن كل مدخن تُرفض رئتاه تلقائياً. الأدبيات الطبية المنشورة في مراكز الزراعة تميز بين تاريخ تدخين محدود وبين تلف واسع يجعل العضو غير قابل للاستخدام. وفي بعض المراجعات السريرية، يُعد تاريخ تدخين يقل عن عتبة معينة، غالباً ما يُقارب عشرين «علبة-سنة»، قابلاً للنقاش إذا كانت وظيفة الرئة وصورتها مقبولتين، فيما يرتفع الخطر مع ازدياد سنوات التعرض ومع وجود أمراض رئوية سابقة.
ودراسات نشرت في قواعد مثل «باب ميد» أشارت إلى أن بعض المستقبلين لرئات من متبرعين لديهم تاريخ تدخين قد يحققون نتائج مقاربة لغير المدخنين إذا اختير العضو بعناية، فيما خلصت مراجعات أخرى، منها ما نشرته مؤسسات مثل كليفلاند كلينك، إلى أن التدخين وحده لا ينبغي أن يكون سبباً وحيداً لرفض رئة مناسبة من ناحية أخرى. الفارق الحاسم هو حالة النسيج لا مجرد صفة «مدخن» في الملف.
وفي الحالة الصينية، كان التلف المرئي هو الفيصل. العضو لم يُرفض لأن صاحبه دخن، بل لأن التدخين المديد أنتج رئة لا تصلح لمريض آخر.
## سياق أوسع من صورة واحدة
تُعيد هذه الحالة ترجمة بصرية لما تكرره المؤسسات الصحية منذ سنوات. ففي أيار/مايو 2019، أكدت منظمة الصحة العالمية أن تدخين التبغ هو السبب الرئيس للإصابة بسرطان الرئة، وأنه مسؤول عن أكثر من ثلثي الوفيات الناجمة عن هذا السرطان في العالم. وتُقدّر المنظمة، في تقديرات يتكرر الاستشهاد بها في التثقيف الصحي، أن التبغ يتسبب في وفاة أكثر من ثمانية ملايين شخص سنوياً، منهم من يموت نتيجة التعرض لدخان الغير.
وفي السياق المحلي، تُشير مادة توعوية نشرتها وزارة الصحة السعودية ضمن الأيام الصحية لعام 2025، بمناسبة الشهر العالمي لسرطان الرئة، إلى أن التدخين هو السبب الرئيس لهذا المرض ومسؤول عن نحو 85 في المئة من الحالات، إلى جانب عوامل أخرى منها التلوث البيئي ودخان التبغ غير المباشر والتعرض المهني لبعض المواد. وهذا الرقم يضع المقطع المتداول في إطاره الصحيح: ليس مشهداً نادراً من غرفة عمليات في الصين، بل نموذج مرئي لمسار مرضي تعرفه السلطات الصحية في المملكة وخارجها.
ولا يقتصر الضرر على السرطان. فالتدخين المزمن من أبرز أسباب الانسداد الرئوي المزمن والنفاخة، وهما مرضان يُضيّقان مجرى الهواء ويُرهقان المريض تدريجياً، وقد ينتهيان به إلى الحاجة إلى أكسجين مستمر أو إلى زراعة رئة إذا توفرت. والمفارقة هنا لافتة: المدخن الذي أتلف رئته قد يصبح لاحقاً هو نفسه محتاجاً إلى رئة متبرع، في وقت تكون فيه رئته قد أصبحت غير قابلة للمنح.
## ماذا يعني ذلك لمن يدخن اليوم؟
لا يُقدّم المقطع حكماً نهائياً على كل من دخن عقداً. فالجسم يبدأ مسار تعافٍ نسبي بعد الإقلاع، وتنخفض بعض المخاطر القلبية والوعائية خلال أسابيع وأشهر، فيما تحتاج إصلاحات النسيج الرئوي العميق إلى سنوات، وقد لا تكون كاملة إذا كان التليف قد استقر. لكن الدراسات السكانية تظهر أن الإقلاع في أي عمر يُحسّن مآل البقاء مقارنة بالاستمرار، ويُبطئ تراكم الضرر، ويخفض احتمال الوصول إلى المرحلة التي تُرفض فيها الرئة حتى بوصفها عضواً متبرعاً به.
### الرسالة ليست التخويف
القيمة الصحفية للمقطع لا تكمن في صدمته البصرية، بل في ما يكشفه عن منطق الطب النقلي. الرئة عضو نادر، وقوائم الانتظار طويلة، وكل عضو يُرفض بسبب تلف قابل للوقاية هو فرصة ضائعة على مريض آخر. وحين يقول جراح زراعة إن رئات كثير من المدخنين تبدو هكذا، فهو لا يصف حالة فردية نادرة، بل نمطاً يراه في غرف العمليات.
وينبغي للمشاهد، في كل مرة يُعاد فيها نشر المقطع، أن يميز بين الوثيقة الأصلية وبين الإضافات التي ترافق الإعادة. الحالة معروفة منذ عام 2019، والجراح معروف، والمستشفى معروف، والرفض ثبت في تغطيات صحفية معاصرة. أما التفاصيل التي لا سند طبياً لها، مثل تحديد عدد السجائر اليومي بدقة، فلا يصح بناؤ الخبر عليها.
## خلاصة
يُلخص المقطع المتداول نتيجة طبية واضحة: رئتا رجل في الثانية والخمسين من عمره، دخن بكثافة نحو ثلاثين عاماً، لم تصلحا لإنقاذ حياة غيره، فرفضهما فريق زراعة الرئة في مستشفى ووشي الشعبي. والدلالة لا تقف عند حدود تلك الغرفة. فالتبغ، وفق منظمة الصحة العالمية ووزارة الصحة السعودية، يبقى السبب الأول لسرطان الرئة ولجزء واسع من الوفيات التي يمكن توقيها. والرئة التي رُفضت في ووشي لم تكن صورة منفصلة عن هذا الملف، بل دليلاً على أن الضرر، حين يتراكم عقوداً، قد يصل إلى حد لا يعود فيه العضو نافعاً لا لصاحبه ولا لمن ينتظر النجاة من ورائه.