صادرات زيت الوقود في الشرق الأوسط ترتفع إلى أعلى مستوى في أربعة أشهر
✍️ فرحان المزعل
شارك:
✍️ فرحان المزعل
أفادت رويترز بأن صادرات زيت الوقود في الشرق الأوسط مرشحة للارتفاع إلى أعلى مستوى في أربعة أشهر خلال يونيو، مع استمرار تعافي الشحنات عبر ممرات بحرية حيوية وتحوّل جزء من الإمدادات العراقية والسعودية إلى منافذ بديلة، في وقت لا تزال فيه مستويات التصدير أقل من ذروتها قبل الحرب. ويعكس هذا التطور تحسنًا تدريجيًا في حركة الإمدادات من المنطقة، لكنه لا يعني عودة كاملة إلى أوضاع ما قبل الاضطراب، بل يشير إلى مرحلة انتقالية تتداخل فيها اعتبارات السوق مع الحسابات اللوجستية والأمنية.
وتوضح البيانات التي استندت إليها رويترز أن صادرات الشرق الأوسط من زيت الوقود قد تصل إلى نحو 2.4 مليون طن متري خلال الشهر الجاري، بزيادة تتجاوز 20 في المائة مقارنة بشهر مايو. وعلى الرغم من هذه القفزة، فإن الأرقام تبقى دون المتوسط الشهري الذي كان يتراوح بين 5.5 و6 ملايين طن قبل الحرب، وهو ما يؤكد أن التعافي لا يزال جزئيًا وأن الأسواق العالمية تتعامل مع بيئة إمداد أكثر هشاشة من السابق.
ويأتي هذا الارتفاع المتوقع في وقت تتجه فيه شحنات أكبر للمرور عبر مضيق هرمز بصورة تدريجية، بعد أن شهدت الأسابيع الماضية اضطرابًا في تدفقات الطاقة والمنتجات النفطية. كما أن عودة بعض الناقلات إلى المسارات التقليدية، إلى جانب إعادة توزيع جزء من الصادرات نحو موانئ بديلة، أسهما في دعم الكميات المتجهة إلى الأسواق الآسيوية، خصوصًا في سنغافورة، أحد المراكز الرئيسة لتسعير المشتقات الثقيلة.
وبحسب التقرير، فإن العراق والسعودية لعبتا دورًا مباشرًا في إعادة رسم مسارات التصدير خلال الفترة الأخيرة، إذ حوّل العراق جزءًا من شحناته إلى ميناء بانياس السوري، بينما رفعت السعودية صادراتها من زيت الوقود عبر ميناء ينبع على البحر الأحمر. هذا التحول في خطوط الإمداد يعكس قدرة المنتجين في المنطقة على التكيّف السريع مع التحولات الجيوسياسية، ويبرز أهمية تنويع المنافذ البحرية والبنية التحتية في حماية التجارة من أي تعطّل مفاجئ.
وتشير المعطيات إلى أن صادرات زيت الوقود من السعودية قد تتجاوز 300 ألف طن في يونيو، وهو أعلى مستوى في خمسة أشهر، في حين يتوقع أن تقترب صادرات عُمان من 300 ألف طن، وهو أعلى مستوى لها منذ أكثر من عامين. أما العراق فقد واصل تعزيز حضوره عبر المسارات البديلة، بعدما أرسل كميات متزايدة عبر سوريا في مسار لا يزال تحت المراقبة من شركات الشحن والمتعاملين في الأسواق العالمية.
اقتصاديًا، يحمل هذا التحسن أكثر من دلالة. فارتفاع تدفقات زيت الوقود يعني أن جزءًا من التوتر الذي ضغط على الأسعار خلال الأسابيع الماضية بدأ يتراجع، لكنه في الوقت نفسه يفرض واقعًا جديدًا على الأسواق، حيث تبقى المخاطر السياسية والأمنية عاملًا حاسمًا في أي تسعير مستقبلي. وفي الوقت الذي هبطت فيه أسعار زيت الوقود عالي الكبريت في المراكز التجارية الرئيسة، تبدو الشركات أكثر حذرًا في التعامل مع المدى الزمني للتعافي، خصوصًا مع استمرار حالة عدم اليقين بشأن الاتفاقات المؤقتة وضمانات الالتزام بها.
ومن زاوية جيوسياسية، يكتسب مضيق هرمز مرة أخرى أهمية استثنائية، ليس فقط لأنه شريان رئيسي لصادرات النفط، بل لأنه محور اختبار دائم لقدرة القوى الإقليمية والدولية على إدارة التوترات من دون تعطيل للأسواق. وكلما عادت الشحنات إلى الارتفاع عبر الممرات المائية، زادت الحاجة إلى التهدئة، وتضاعفت مسؤولية الأطراف في تجنب أي خطوات قد تعيد الأسواق إلى مربع الاضطراب.
ويرى متابعون أن ما يجري الآن هو إعادة تشكيل تدريجية لخريطة الصادرات النفطية في الشرق الأوسط، بحيث لم يعد الاعتماد الحصري على مسار واحد أو منفذ بعينه خيارًا آمنًا. فتنويع الطرق عبر سوريا والبحر الأحمر والخليج العربي يمنح المنتجين هامشًا أوسع للحركة، ويقلل من أثر أي صدمة أمنية أو سياسية قد تحدث في نقطة عبور محددة. وفي الوقت نفسه، يرسل ذلك رسالة واضحة بأن أسواق الطاقة العالمية ستظل مرتبطة، أكثر من أي وقت مضى، باستقرار الممرات البحرية في المنطقة.
وتقرأ شبكة نفود هذا التطور ضمن سياق أوسع يربط بين النفط والملاحة والتهدئة الإقليمية، حيث لا ينفصل المشهد الاقتصادي عن المسارات السياسية والأمنية المحيطة به. ومع استمرار التعافي الجزئي في الشحنات، يبقى السؤال الأهم هو ما إذا كان هذا التحسن مؤقتًا مرتبطًا بظروف استثنائية، أم أنه بداية لمرحلة أكثر استقرارًا في صادرات المنطقة خلال الأشهر المقبلة.
وما يهم الأسواق الآن ليس فقط حجم الصادرات، بل درجة استدامة هذه الزيادة وقدرة المنتجين على الحفاظ عليها في ظل تقلبات الطلب الصيفي، وتذبذب الأسعار، واستمرار الحساسية المرتبطة بممرات العبور البحرية. لذلك فإن أي قراءة دقيقة للوضع الراهن يجب أن تأخذ في الاعتبار أن عودة الصادرات ليست مجرد رقم، بل مؤشر على توازن هش بين العرض والطلب والسياسة واللوجستيات.
ومن الناحية العملية، فإن الشركات المتعاملة في أسواق الوقود الثقيل تراقب عن كثب قدرة المنتجين على تثبيت مساراتهم الجديدة، لأن أي تعثر في المضيق أو أي تشدد في إجراءات التأمين البحري قد يغير اتجاه الشحنات خلال أيام قليلة. ولهذا السبب، لا ينظر المتعاملون إلى الزيادة الحالية باعتبارها نهاية مرحلة الاضطراب، بل بوصفها محطة أولى في عملية إعادة ضبط تمتد على مدى أطول وتحتاج إلى وضوح أكبر في المسارات البحرية والضمانات الأمنية.
كما أن هذا المشهد يمنح السعودية فرصة إضافية لإبراز مرونة منظومتها التصديرية، سواء عبر الموانئ الغربية على البحر الأحمر أو عبر شبكات الشحن المرتبطة بالبنية التحتية النفطية في الشرق. وفي ظل هذا التكيف، يتضح أن النفط ما زال عنوانًا مركزيًا في قراءة التوازنات الإقليمية، وأن أي تقدم في حركة الصادرات ينعكس سريعًا على الأسواق ويؤثر في اتجاهات التسعير والثقة التجارية عالميًا.