سفير السعودية لدى اليونان: التبادل التجاري نما 76% في 2025 مع مرور مئة عام على العلاقات | اقتصاد | شبكة نفود الإخبارية
عاجل
اقتصاد
سفير السعودية لدى اليونان: التبادل التجاري نما 76% في 2025 مع مرور مئة عام على العلاقات
✍️ فرحان المزعل
شارك:
✍️ فرحان المزعل
أكد سفير خادم الحرمين الشريفين لدى الجمهورية الهيلينية الأمير سعود بن عبدالمحسن أن عام 2025 شهد نموًا في حجم التبادل التجاري بين المملكة العربية السعودية واليونان بنسبة 76 في المئة، وذلك بالتزامن مع مرور مئة عام على تأسيس العلاقات بين البلدين. ويأتي هذا الإعلان في وقت تتجه فيه العلاقات الثنائية نحو تعميق الشقين الاقتصادي والاستثماري، واستثمار الموقع الجغرافي لليونان بوصفها بوابة أوروبية نحو شرق المتوسط والشرق الأوسط، في مقابل موقع المملكة بوصفها مركزًا اقتصاديًا ولوجستيًا يربط آسيا بأوروبا وأفريقيا.
ويُعدّ النمو المعلن مؤشرًا على أن العلاقة بين الرياض وأثينا لم تعد محصورة في الإطار الدبلوماسي التقليدي، بل أصبحت تترجم إلى حركة تجارية ملموسة. وتكتسب هذه النسبة أهميتها من توقيتها؛ فهي تأتي في عام يحمل رمزية تاريخية للعلاقات، وفي سياق إقليمي ودولي يعيد فيه البلدان ترتيب أولوياتهما التجارية واللوجستية وطاقة الروابط مع الأسواق الأوروبية. كما أن النمو بهذه الوتيرة يعكس وجود قاعدة مؤسسية قادرة على تحويل العلاقات السياسية المستقرة إلى فرص تجارية قابلة للقياس، وهو ما تسعى الدبلوماسية الاقتصادية السعودية إلى تحقيقه مع عدد من الشركاء في أوروبا وآسيا وأفريقيا.
## مئة عام من العلاقات الثنائية
تُعد العلاقات بين المملكة واليونان من أقدم روابط المملكة الدبلوماسية مع دول أوروبا الجنوبية. ويشير الإعلان الرسمي إلى مرور مئة عام على تأسيس هذه العلاقات، وهو ما يمنح المحطة الحالية بُعدًا رمزيًا يتجاوز الاحتفاء البروتوكولي إلى مراجعة مسار التعاون وتحديد المجالات القابلة للتوسع. وعلى مدى عقود، اتسمت العلاقة بالاحترام المتبادل وبعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وبتنسيق مواقف البلدين في عدد من الملفات الإقليمية والدولية، ولا سيما ما يتصل بأمن شرق المتوسط واستقرار الملاحة الدولية.
وتمثل اليونان، بوصفها عضوًا في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، شريكًا أوروبيًا يجمع بين القرب الجغرافي من المنطقة العربية والانخراط في المنظومة الأوروبية. أما المملكة فتمثل اقتصادًا من أكبر اقتصادات منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وعضوًا فاعلًا في مجموعة العشرين، وشريكًا رئيسًا للاتحاد الأوروبي في ملفات الطاقة والاستثمار والأمن الإقليمي. هذا التقاطع بين موقعين مختلفين ومتكاملين هو ما يفسر جزءًا من الاهتمام المتبادل بتوسيع التبادل التجاري في هذه المرحلة.
ويأتي تصريح السفير ليضع النمو التجاري في سياق هذه المئوية، ما يعني أن الرياض وأثينا تنظران إلى العام المئوي بوصفه محطة لترسيخ الشراكة لا للاكتفاء باستعراض الماضي. وفي العرف الدبلوماسي، تُستخدم المناسبات المئوية غالبًا لإطلاق مبادرات جديدة، أو لتفعيل اتفاقيات قائمة، أو لفتح قنوات حوار بين قطاع الأعمال في البلدين. ومن هذا المنظور، يمكن قراءة نسبة النمو التجاري بوصفها نتيجة تراكم جهود سابقة، وفي الوقت نفسه نقطة انطلاق لمرحلة أكثر كثافة من التعامل الاقتصادي.
## دلالة نمو التبادل التجاري
النمو بنسبة 76 في المئة خلال عام واحد نسبة مرتفعة بأي مقياس للتجارة الثنائية، خاصة إذا قورنت بمعدلات نمو التجارة العالمية التي عادة ما تتحرك بوتيرة أبطأ في السنوات الطبيعية. ومثل هذا الارتفاع قد يعكس توسع قاعدة التبادل نفسها، أو دخول سلع وخدمات جديدة إلى سلة التبادل، أو زيادة قيمة بعض الشحنات نتيجة تغير الأسعار العالمية، أو مزيجًا من هذه العوامل. وفي جميع الأحوال، فإن الرسالة التي حملها تصريح السفير واضحة: العلاقة الاقتصادية تتحرك بوتيرة أسرع من السنوات السابقة.
ولم يُفصّل الإعلان المكونات السلعية التي قادت هذا النمو، ولا حصة كل طرف من الصادرات والواردات. غير أن التجارة بين المملكة ودول الاتحاد الأوروبي، ومن بينها اليونان، عادة ما تشمل من الجانب السعودي منتجات الطاقة والبتروكيماويات وبعض المواد الأولية والسلع الصناعية، إلى جانب سلع غير نفطية تنامو قاعدتها في إطار برنامج تطوير الصناعة الوطنية والخدمات اللوجستية. أما من الجانب اليوناني، فتشمل الصادرات تقليديًا منتجات غذائية وزراعية ومواد بناء ومعدات وخدمات مرتبطة بالنقل البحري والسياحة.
وتُعد الطاقة من أهم الملفات المشتركة. فالمملكة من كبار مصدّري النفط والمنتجات البترولية إلى أوروبا، فيما تعمل اليونان على تعزيز أمنها الطاقوي وتنويع مصادر الإمداد، وتطوير بنية تحتية قادرة على استقبال الغاز المسال وإعادة تصديره إلى أسواق أوروبية مجاورة. هذا التكامل لا يعني بالضرورة أن كل نمو في التبادل مرده إلى الطاقة، لكنه يوضح لماذا تبقى العلاقة الاقتصادية بين البلدين ذات حساسية عالية لدى صناع القرار في العاصمتين.
## الموقع الجغرافي والممرات اللوجستية
تمتلك اليونان أحد أكبر الأساطيل التجارية في أوروبا من حيث حمولة الحمولة، وتشغل موانئها، وفي مقدمتها ميناء بيرايوس، نقاط عبور رئيسة بين آسيا وأوروبا. هذا الموقع يجعل السوق اليونانية مهمة للمصدّرين السعوديين الذين يبحثون عن مداخل إلى الاتحاد الأوروبي، سواء عبر البيع المباشر أو عبر شراكات توزيع وتخزين وإعادة تصدير. كما أن قطاع النقل البحري اليوناني من الأكثر نشاطًا في المنطقة، ما يفتح مجالًا للتعاون مع الموانئ السعودية على البحر الأحمر والخليج العربي.
ومن جهة أخرى، تستثمر المملكة في تطوير موانئها ومناطقها اللوجستية، وفي مقدمتها ميناء جدة الإسلامي وميناء الملك عبدالله وميناء رأس الخير ومنطقة نيوم اللوجستية. هذه المشروعات تجعل التعاون مع مشغلين وشركات يونانية ذات خبرة عالمية في النقل البحري أمرًا طبيعيًا. وكلما اتسعت شبكة الخطوط البحرية والخدمات المرتبطة بها، ارتفعت فرص زيادة التبادل التجاري في الاتجاهين.
ولا يقتصر البُعد اللوجستي على الموانئ. فالمملكة تطور شبكة نقل متعددة الوسائط تربط البر والبحر والجو، وتسعى إلى تقليص زمن العبور وتكلفة الشحن. وفي المقابل، تمثل اليونان نقطة ربط بين شرق المتوسط وأسواق وسط أوروبا وشمالها. هذا التكامل الجغرافي يُفسر جزءًا من اهتمام قطاع الأعمال في البلدين بالبحث عن شراكات توزيع وتخزين وخدمات مساندة، حتى لو لم تكن حجم التجارة السلعية المباشرة هي المؤشر الوحيد على عمق العلاقة.
## رؤية 2030 والبحث عن أسواق أوروبية
تندرج العلاقة مع اليونان ضمن مسار أوسع تتبناه المملكة لتنويع شركائها التجاريين ورفع نسبة الصادرات غير النفطية. وتسعى الهيئات السعودية المعنية بالتصدير والاستثمار إلى فتح أسواق جديدة أمام المنتجات الوطنية، وتشجيع الشركات الأوروبية على الاستثمار في القطاعات المستهدفة، ومن بينها الصناعة والتعدين والسياحة واللوجستيات والتقنية والطاقة المتجددة. واليونان، بحجم اقتصادها وموقعها، ليست السوق الأوروبية الأكبر، لكنها سوق ذات قيمة استراتيجية لأنها تجمع بين القرب الجغرافي والعضوية في الاتحاد الأوروبي والخبرة البحرية.
ويُتيح نمو التبادل التجاري مجالًا أوسع أمام الشركات السعودية الراغبة في دخول السوق اليونانية، سواء في مجال المواد الغذائية والمشروبات أو مواد البناء والتشطيب أو البتروكيماويات أو الخدمات. كما يُتيح للشركات اليونانية فرصة للمشاركة في المشاريع السعودية الكبرى، ولا سيما تلك المرتبطة بالبنية التحتية والسياحة والطاقة. وكلما زاد عدد الشركات النشطة في الاتجاهين، أصبح النمو التجاري أكثر قدرة على الاستمرار، لأنه لا يعتمد على صفقة واحدة أو سلعة واحدة.
وتُعد السياحة ملفًا مكملًا للتجارة السلعية. فاليونان وجهة أوروبية رئيسة للسياحة الثقافية والبحرية، فيما تطور المملكة وجهاتها السياحية وتستهدف زيادة عدد الزوار وتطويل مدة إقامتهم. ورغم أن تصريح السفير ركز على التبادل التجاري، فإن حركة الأفراد ورحلات الطيران والخدمات السياحية غالبًا ما تتحرك بالتوازي مع التجارة السلعية، وتسهم في بناء شبكات أعمال أكثر استقرارًا.
## الاستثمار والبيئة التنظيمية
لا يكفي نمو التبادل التجاري لوحده لبناء شراكة اقتصادية طويلة الأمد. فالشركات تبحث عادة عن بيئة تنظيمية واضحة، وعن حماية للاستثمارات، وعن آليات لتسوية المدفوعات، وعن قنوات حوار مع الجهات الحكومية. وتوفر المملكة جزءًا مهمًا من هذه المقومات عبر أنظمتها الاستثمارية ومناطقها الخاصة والاتفاقيات الثنائية ومتعددة الأطراف. أما اليونان فتوفر، بوصفها عضوًا في الاتحاد الأوروبي، إطارًا تنظيميًا مألوفًا للشركات التي ترغب في الوصول إلى السوق الأوروبية الموحدة.
ويُتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة مزيدًا من اللقاءات بين وفود الأعمال والجهات الحكومية، خاصة في ظل الذكرى المئوية للعلاقات. ومثل هذه اللقاءات عادة ما تُترجم إلى مذكرات تفاهم في قطاعات محددة، أو إلى تسهيل إجراءات الجمارك والموافقات، أو إلى تحديد مشاريع مشتركة قابلة للتنفيذ. ودور السفارة السعودية في أثينا محوري في هذا المسار، لأنها الجهة التي تتابع الملف اليومي وتنسق مع الجهات اليونانية وتُيسّر تواصل قطاع الأعمال.
## السياق الإقليمي والدولي
يأتي النمو التجاري في وقت تعيد فيه أوروبا ترتيب سلاسل الإمداد والشراكات مع الشرق الأوسط. فالحرب في أوكرانيا، والتوترات في البحر الأحمر، وتقلبات أسعار الطاقة، دفعت العواصم الأوروبية إلى البحث عن شركاء موثوقين وعن مسارات إمداد أكثر تنوعًا. والمملكة، بما تملكه من طاقة فائضة وموقع لوجستي وسياسة خارجية مستقرة، طرف أساسي في هذه المعادلة. أما اليونان فتُعد من أقرب الأعضاء الأوروبيين إلى هذا المسار، بحكم جغرافيتها وبنيتها البحرية والطاقوية.
وفي الوقت نفسه، تواجه التجارة الدولية تحديات متصلة بتباطؤ النمو في بعض الأسواق، وبارتفاع تكاليف التمويل، وباستمرار حالة عدم اليقين الجيوسياسية. هذه العوامل تجعل النمو الثنائي أكثر أهمية، لأنه يُظهر قدرة البلدين على توسيع التعامل رغم البيئة الخارجية غير المستقرة. كما أنه يضع مسؤولية إضافية على الجهات المعنية في الرياض وأثينا لتحويل النمو السنوي إلى مسار متراكم، لا إلى قفزة مؤقتة ترتبط بظرف استثنائي.
## ما الذي يعنيه النمو للقطاع الخاص
بالنسبة إلى المصدّر السعودي، يعني نمو التبادل أن السوق اليونانية أصبحت أكثر جاهزية لاستيعاب منتجات إضافية، أو أن قنوات التوزيع القائمة تعمل بكفاءة أعلى. وهذا يتطلب من الشركات دراسة متطلبات السوق الأوروبية، ومن بينها معايير الجودة والسلامة والتغليف والاستدامة، لأن الوصول إلى مستهلك أوروبي لا يتم فقط عبر السعر، بل عبر الامتثال لمنظومة معقدة من الاشتراطات. والشركات التي تستثمر مبكرًا في فهم هذه المتطلبات تكون أقدر على تحويل النمو الحالي إلى حصة سوقية دائمة.
وبالنسبة إلى المستورد السعودي والمستهلك، فإن توسع التبادل قد يعني توفر خيارات أوسع من السلع والخدمات اليونانية والأوروبية، سواء في الغذاء أو المعدات أو خدمات النقل. غير أن الأهم من زاوية السياسة العامة هو أن العلاقة لم تعد رمزية. فهي تُنتج حركة بضائع وخدمات يمكن قياسها، ويمكن البناء عليها في السنوات المقبلة.
## الخطوة التالية بعد المئوية
السؤال الذي يطرحه النمو المعلن ليس ما إذا كان الرقم إيجابيًا، فهو كذلك بوضوح، بل كيف يُحافظ على هذا الزخم في العامات التالية. فالنسب المرتفعة في سنة واحدة قد تكون نتيجة قاعدة منخفضة نسبيًا، أو نتيجة صفقات كبيرة غير متكررة، أو نتيجة توسع حقيقي في عدد الشركات والسلع. والتمييز بين هذه الاحتمالات يتطلب بيانات تفصيلية عن هيكل الصادرات والواردات، وهي بيانات لم يتضمنها الإعلان الذي أورده السفير. لذلك فإن الخطوة الطبيعية التالية هي نشر تفصيل أوسع للأرقام، وربطها بمبادرات قطاعية محددة.
ومن المفيد أيضًا أن تتواصل الجهات المعنية في البلدين مع غرف التجارة والمصدّرين لتحديد العقبات التي ما زالت تحد من النمو. فقد تكون هذه العقبات مرتبطة بالنقل، أو بالتمويل التجاري، أو بالمواصفات الفنية، أو بقلة المعرفة المتبادلة بالسوق. ومعالجة هذه العقبات هي ما يحوّل النسبة المعلنة إلى برنامج عمل، لا إلى عنوان إعلامي فقط.
وفي هذا الإطار، يبقى تصريح الأمير سعود بن عبدالمحسن علامة على أن العلاقة السعودية اليونانية دخلت مرحلة يُقاس فيها النجاح بالأرقام لا بالبيانات وحدها. فنمو التبادل التجاري بنسبة 76 في المئة في عام 2025، متزامنًا مع مرور مئة عام على تأسيس العلاقات، يقدم صورة لشراكة تبحث عن مضمون اقتصادي يواكب عمقها التاريخي. وإذا تواصل هذا المسار، فإن العلاقة التي بدأت قبل قرن قد تدخل قرنها الثاني بقاعدة تجارية أوسع، وبفرص أكثر للمصدّرين والمستثمرين في البلدين، وبدور أوضح للدبلوماسية الاقتصادية في ربط المملكة بجنوب أوروبا.