شهباز شريف: اتفاقية الدفاع الاستراتيجي وتحالف مكة محطتان تاريخيتان في العلاقات مع المملكة

أكد رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف أن اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك وتحالف مكة للدفاع تمثلان محطتين تاريخيتين في العلاقات الأخوية الراسخة بين المملكة العربية السعودية وباكستان، وتعكسان التزامهما المشترك بدعم السلام والأمن الإقليمي. ويأتي هذا التقدير في وقت تجدد فيه إسلام آباد تأكيدها الوقوف إلى جانب المملكة في الدفاع عن أمنها وسيادتها، وفق ما نقلته وسائل إعلام باكستانية وعربية ودولية خلال الأيام الأخيرة.
ويكتسب التصريح أهميته من كونه يضع الإطارين الدفاعيين في سياق واحد: الأول ثنائي بين الرياض وإسلام آباد، والثاني ثلاثي يضم تركيا إلى هذا المسار تحت عنوان تحالف مكة للدفاع المشترك. وبذلك يقدم رئيس الوزراء الباكستاني قراءة سياسية ترى في الاتفاقيتين امتدادًا لعلاقة تاريخية، لا مجرد ترتيب ظرفي، وتعبيرًا عن التزام معلن بالسلام والأمن في المنطقة.
تأكيد سياسي في توقيت حساس
نقلت صحيفة «دون» الباكستانية أن شهباز شريف وصف اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المتبادل وتحالف مكة المشترك للدفاع بأنهما «محطتان تاريخيتان» في العلاقات الأخوية الممتدة بين البلدين. ويتوافق هذا الوصف مع نص التصريح المتداول عن رئيس الوزراء، الذي شدد على أن الاتفاقيتين تعكسان التزامًا مشتركًا بدعم السلام والأمن الإقليمي.
وجاء التأكيد في سياق لقاء جمع رئيس الوزراء بالسفير السعودي المعين حديثًا لدى إسلام آباد، وفق ما أفادت به صحيفتا «دون» و«إكسبريس تريبيون». وأشار مكتب رئيس الوزراء الباكستاني، في منشور على منصة «إكس»، إلى أن البلدين وقفا دائمًا إلى جانب بعضهما، وأن اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المتبادل واتفاق مكة المشترك يمثلان امتدادًا لهذا المسار.
رسالة الوقوف إلى جانب المملكة
وفي تغطية موازية، نقلت صحيفة «عرب نيوز» عن رئيس الوزراء أن باكستان تقف «كتفًا إلى كتف» مع المملكة في إطار اتفاق مكة الدفاعي. كما نقلت قناة «العربية» عنه تأكيده أن بلاده تقف مع السعودية للدفاع عن أمنها. وسبق لشهباز شريف، وفق تغطيات إعلامية خلال الأسابيع الماضية، أن جدد الالتزام بسيادة المملكة وأمنها، وأن اتفاق مكة لا يستهدف أي دولة، بل يعبر عن التزام مشترك بالسلام والاستقرار في المنطقة.
وتكتسب هذه الصياغة أهمية مضاعفة لأنها تفصل بين مستويين: مستوى الالتزام الدفاعي المعلن تجاه أمن الشريك، ومستوى الرسالة السياسية التي تنفي صفة الاستهداف عن الترتيب. وهذا الفصل مركزي في قراءة الاتفاقات الدفاعية الإقليمية، إذ يسعى أطرافها عادة إلى تقديمها بوصفها أدوات ردع واستقرار، لا بوصفها تحالفات موجهة ضد طرف بعينه.
اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك
تشير التقارير الصحفية المتطابقة إلى أن الأساس الثنائي للتعاون الدفاعي الحالي يعود إلى اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المتبادل بين المملكة وباكستان، التي وقّعت في سبتمبر 2025. وذكرت «إكسبريس تريبيون» أن الاتفاق الثلاثي اللاحق بُني على هذا الإطار الثنائي. كما أشار المركز العربي في واشنطن إلى أن انضمام تركيا جاء ليوسّع ترتيب الدفاع الجماعي السعودي الباكستاني الذي أُرسي في سبتمبر 2025.
وتكمن هذه الخلفية من فهم لماذا يتحدث رئيس الوزراء عن «اتفاقيتين» لا عن اتفاق واحد. فالأولى خصت العلاقة الثنائية بين الرياض وإسلام آباد بصيغة استراتيجية معلنة، بينما نقلت الثانية هذا المسار إلى إطار أوسع يضم أنقرة. ومن هذا المنظور، لا تلغي اتفاقية مكة الاتفاق الثنائي، بل تبني عليه وتضيف إليه شريكًا ثالثًا، وهو ما يفسر استخدام شهباز شريف للصيغتين معًا عند الحديث عن العلاقة مع المملكة.
وتستند العلاقة الدفاعية بين البلدين إلى تاريخ من التعاون الأمني والتدريب والتنسيق، غير أن تحويل هذا التعاون إلى اتفاق استراتيجي مكتوب في عام 2025 منحه طابعًا مؤسسيًا أوضح. ويعني وصف الاتفاق بـ«الاستراتيجي» و«المتبادل» أن الالتزام ليس في اتجاه واحد، وأن الطرفين ينظران إلى أمن كل منهما بوصفه مرتبطًا بالآخر ضمن تقدير سياسي مشترك للمخاطر.
تحالف مكة: من الثنائي إلى الثلاثي
وفق ما وثقته مصادر متعددة، من بينها «عرب نيوز» و«فرانس 24» ومجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية وموسوعة ويكيبيديا، وقّعت المملكة وتركيا وباكستان اتفاقية مكة للدفاع المشترك في المدينة المنورة يوم 7 أغسطس 2026. ووقّعها صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، خلال قمة مكة المكرمة للدفاع المشترك.
وتنص الاتفاقية، وفق ما نقلته «العربية» و«عرب نيوز» وشبكة «سي جي تي إن»، على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعد هجومًا على الجميع. وتهدف إلى تعزيز الردع المشترك في مواجهة أي اعتداء، وإلى تطوير أوجه التعاون الدفاعي بين الأطراف. وهذا المبدأ، المعروف في أدبيات التحالفات الدفاعية، هو ما يمنح الترتيب وزنه السياسي، لأنه يحول التضامن من تعبير دبلوماسي إلى قاعدة معلنة للرد المشترك.
مكة بوصفها عنوانًا سياسيًا ورمزيًا
لا يقتصر اختيار مكة المكرمة مكانًا للتوقيع على دلالة بروتوكولية. فالمدينة المنورة تحمل، بالنسبة إلى المملكة وإلى شركائها المسلمين، وزنًا رمزيًا يتجاوز الترتيب العسكري. ويساعد هذا الاختيار في تقديم الاتفاق بوصفه إطارًا للتضامن والاستقرار، لا بوصفه تكتلًا ضد دولة محددة. وقد انسجم هذا المعنى مع اللغة التي استخدمها شهباز شريف عندما ربط الاتفاقيتين بالسلام والأمن الإقليمي، لا بمواجهة مع طرف مسمى.
وكانت موسسة «وور أون ذي روكس» قد نقلت أن الأطراف الثلاثة أنشأت في 31 أغسطس 2026 أمانة عامة للاتفاق في المملكة. ويعني إنشاء الأمانة أن الاتفاق انتقل، خلال أسابيع من توقيعه، من مستوى الإعلان السياسي إلى مستوى البناء المؤسسي. كما نقلت قناة «العربية» عن وزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار أن أكثر من ست دول ترغب في الانضمام إلى اتفاقية مكة، وأن الرياض ستستضيف اجتماعًا للجنة الدفاع السياسي الاستراتيجي المنشأة بموجب الاتفاق. وهذه المعلومات، إن تأكدت مسارات الانضمام لاحقًا، تشير إلى أن الاتفاق يُنظر إليه من خارج دائرة الموقعين الثلاثة بوصفه إطارًا قابلًا للتوسع.
ماذا يعني وصف المحطتين بالتاريخيتين؟
استخدام عبارة «محطتين تاريخيتين» ليس مجرد صياغة بلاغية. فهو يضع الاتفاقيتين في سلسلة زمنية من العلاقات السعودية الباكستانية، ويقدمهما بوصفهما نقلة نوعية لا مجرد خطوة إضافية. والعلاقة بين البلدين ممتدة في المجالات السياسية والاقتصادية والدينية والأمنية، وتشمل روابط شعبية واقتصادية واسعة، إض تضم باكستان واحدة من أكبر الجاليات العاملة في المملكة، فيما تحتل الرياض موقعًا مركزيًا في الطاقة والاستثمار والدور الإقليمي.
غير أن الجديد في المرحلة الراهنة هو نقل جانب من هذه العلاقة من مستوى التنسيق والتعاون إلى مستوى الالتزام الدفاعي المكتوب. فاتفاقية سبتمبر 2025 أعطت العلاقة الثنائية اسمًا قانونيًا وسياسيًا محددًا، ثم جاءت اتفاقية أغسطس 2026 لتضيف تركيا وتُنشئ آلية ثلاثية. وعندما يصف رئيس الوزراء الباكستاني الخطوتين معًا بالتاريخيتين، فهو يؤكد أن إسلام آباد ترى فيهما مسارًا متراكمًا لا بديلين منفصلين.
ويحمل هذا الوصف أيضًا رسالة داخلية وخارجية. داخليًا، يُظهر الاتفاقان بوصفهما إنجازًا للدبلوماسية الباكستانية في بناء شراكات دفاعية مع دول ذات وزن إقليمي. وخارجيًا، يطمئن الشركاء إلى أن الالتزام ليس تصريحًا عابرًا، بل هو مرتبط بوثائق موقّعة وبآليات متابعة. وكلما تكرر الإشارة إلى الوثائق في لقاءات رسمية، كما حدث مع السفير السعودي الجديد، ترسخت فكرة أن التنفيذ السياسي مستمر وليس مرتهنًا بلحظة التوقيع.
السلام والأمن الإقليمي بوصفهما إطار الالتزام
العبارة الثانية في تصريح شهباز شريف، وهي أن الاتفاقيتين تعكسان التزامًا مشتركًا بدعم السلام والأمن الإقليمي، تضع التعاون الدفاعي في إطار أوسع من الرد العسكري. فالسلام والأمن الإقليميان يشملان، في الخطاب السياسي المعتمد، منع التصعيد، وحماية السيادة، والحفاظ على استقرار الممرات البحرية والجوية، وتجنب فراغ أمني يمكن أن تستغله أطراف غير منضبطة. والمملكة، بموقعها في قلب المنطقة وبدورها في أمن الطاقة والملاحة البحرية، تنظر إلى استقرار الجوار بوصفه مصلحة مباشرة. أما باكستان، التي تمتلك جيشًا كبيرًا وخبرة عسكرية واسعة، فتقدم نفسها شريكًا قادرًا على المساهمة في ترتيبات الردع.
ويظهر الجمع بين الطرفين، ثم بين الأطراف الثلاثة بعد انضمام تركيا، محاولة لبناء معادلة تجمع بين القدرة العسكرية والوزن الجغرافي والموقع الاستراتيجي. فتركيا تمتلك صناعة دفاعية متقدمة وموقعًا يصل بين البحر الأسود والمتوسط والمشرق، والمملكة تمتلك عمقًا ماليًا وسياسيًا وموقعًا محوريًا في الخليج والعالم الإسلامي، وباكستان تقدم كتلة بشرية وعسكرية كبيرة وشراكة تاريخية مع الرياض. وهذا التنوع هو ما جعل مراقبين، من بينهم كتاب في مجلس الشرق الأوسط والجزيرة نت، ينظرون إلى الاتفاق بوصفه مؤشرًا على توجه نحو بناء ترتيبات أمنية إقليمية أوسع من التعاون الثنائي التقليدي.
الالتزام لا يعني الاستهداف
من أهم ما رافق الحديث عن اتفاق مكة خلال الأسابيع الماضية تأكيد شهباز شريف أن الاتفاق لا يستهدف أي دولة. وهذه الجملة، التي تناولتها وسائل إعلامية عربية، تهدف إلى ضبط الرسالة في بيئة إقليمية مزدحمة بالتوترات. فالاتفاقات الدفاعية، مهما بلغت دقة صياغتها، تُقرأ دائمًا من خلال أثرها في موازين القوى. ومن هنا جاء الإصرار الباكستاني على أن الهدف هو السلام والاستقرار، وأن الالتزام بسيادة المملكة وأمنها لا يعني فتح مواجهة مع طرف ثالث.
وينسجم هذا الخطاب مع الموقف السعودي المعلن الذي يربط الأمن الوطني باستقرار الإقليم، ويرفض المساس بالسيادة أو تهديد الممرات الحيوية. وعندما تقول إسلام آباد إنها تقف مع المملكة للدفاع عن أمنها وسيادتها، فهي تستند إلى نص موقّع، لا إلى مبادرة منفردة. وهذا مهم للقارئ، لأن التضامن السياسي قد يكون واسعًا في الخطاب، لكن آليات تفعيله تبقى محكومة بنصوص الاتفاق وبتقدير الأطراف للموقف.
البعد المؤسسي وآفاق التوسع
لا تكتمل الاتفاقات الدفاعية بالتوقيع وحده. فقيمتها العملية تظهر في وجود لجان، وآليات تشاور، وبرامج تدريب، وتنسيق بين وزارات الدفاع والخارجية. ومن هنا تبرز أهمية ما نقل عن إسحاق دار بشأن اجتماع لجنة الدفاع السياسي الاستراتيجي في الرياض، لأن هذا النوع من اللجان هو الذي يحول المبدأ العام إلى جدول أعمال وتقدير مشترك للمخاطر. كما أن إنشاء أمانة عامة في المملكة، وفق ما نقلته مؤسسة «وور أون ذي روكس»، يعطي الرياض موقعًا مركزيًا في إدارة الإطار الثلاثي.
أما الحديث عن رغبة أكثر من ست دول في الانضمام، فهو يظل في إطار ما أعلنه المسؤولون، ولا يعني بحد ذاته أن التوسع قد أُنجز. غير أن مجرد ظهور هذا الحديث يدل على أن الاتفاق أصبح مرجعية سياسية تتجاوز الدول المؤسسة. وإذا تحولت الرغبة إلى عضوية فعلية، فسيكون على الأطراف الثلاثة أن تُوازن بين توسيع المظلة الدفاعية والحفاظ على تماسك القرار ووضوح الالتزامات. وهذا التوازن هو ما سيحدد مدى نجاح الترتيب في المرحلة المقبلة.
دلالة التصريح على مسار العلاقة
يمكن قراءة تصريح شهباز شريف بوصفه تثبيتًا لخط سياسي بدأ بالاتفاق الثنائي في سبتمبر 2025، ثم اتسع في أغسطس 2026، ويستمر اليوم عبر اللقاءات الدبلوماسية والبناء المؤسسي. والرسالة الموجهة إلى الرياض واضحة: باكستان لا تعد الاتفاقيتين ملفًا منجزًا، بل تراهما إطارًا حيًا للعمل المشترك. والرسالة الموجهة إلى الإقليم مكملة: هذا الإطار معلن بوصفه أداة للسلام والأمن، ومرتبط بسيادة الشركاء، وغير موجه ضد دولة بعينها.
وفي الوقت نفسه، يبقى الاختبار الحقيقي في التطبيق. فالاتفاقات الكبرى تُقاس بقدرتها على إنتاج تنسيق مستمر، وعلى وضوح آليات التشاور، وعلى قدرة الأطراف على إدارة الأزمات من دون توسيع دائرة المواجهة. والتصريح الأخير لرئيس الوزراء الباكستاني لا يغير هذه القاعدة، لكنه يؤكد أن الأساس السياسي للعلاقة مع المملكة ما زال ثابتًا، وأن الوثائق الموقّعة أصبحت جزءًا من لغة المسؤولين عند الحديث عن السلام والأمن في المنطقة.
وبينما تتواصل اللجان المنبثقة عن الاتفاقيتين أعمالها، ستظل العلاقة السعودية الباكستانية محكومة بقدرة الطرفين على تحويل النصوص إلى تنسيق هادئ ومؤسسي، وعلى الحفاظ على الرسالة التي أعاد شهباز شريف تأكيدها: التزام مشترك بالسلام والأمن الإقليمي، مبني على علاقة أخوية يصفها المسؤولون في البلدين بالراسخة.