طاهر أشرفي من لاهور: لن نسمح للحوثي بتحقيق مآربه والأمة تقف مع السعودية

أكد رئيس مجلس علماء باكستان، الشيخ طاهر أشرفي، خلال خطبة الجمعة في مدينة لاهور، أن ميليشيا الحوثي معروفة لدى علماء الأمة وشعوبها، من حيث هويتها ومن يدعمها وما تريده، وشدد على أنه لن يُسمح لها بتحقيق مآربها. وقال إن شعوب الأمة تقف مع المملكة العربية السعودية وقيادتها، في موقف يُعدّ امتداداً لسلسلة تصريحات نشرها الشيخ أشرفي نفسه خلال الأيام الأخيرة حول أمن بلاد الحرمين الشريفين.
وجاءت الخطبة في سياق موثق يظهر فيه الشيخ أشرفي، الذي يتولى أيضاً مهام الأمين العام للمجلس العالمي لتعظيم الحرمين الشريفين، مصراً على أن مسألة أمن المملكة ليست شأناً ثنائياً بين الرياض وإسلام آباد فحسب، بل موقفاً تلتقي حوله تصريحات علماء ومؤسسات دينية في عدد من الدول الإسلامية. والموقف الجديد لا يقف عند الإدانة السياسية، بل يربط الرفض العلني للجماعة الحوثية بمعرفة معلنة بمن يدعمها وبالأهداف التي تسعى إليها، ويجعل من الجمعة في لاهور منبراً لتجديد هذا الموقف أمام المصلين.
نص الموقف ودلالاته
جاء في نص الخطبة، كما نُشر، أن الشيخ أشرفي قال: «نعرف ميليشيا الحوثي الإرهابية ومن يدعمها وما تريد، ولن نسمح لها بتحقيق مآربها، فشعوب الأمة تقف مع المملكة العربية السعودية وقيادتها». ويحمل هذا التصريح ثلاث رسائل مترابطة: الأولى أن الجماعة ليست مجهولة الهوية ولا السلوك، والثانية أن الدعم الذي تتلقاه معلوم لدى المتحدث، والثالثة أن الموقف من المملكة لا يقتصر على التعاطف الرمزي بل يصل إلى رفض صريح لتمكين الجماعة من بلوغ أهدافها.
ولم يكن هذا الكلام منفصلاً عن سياق أوسع نشره الشيخ نفسه عبر حسابه الرسمي. ففي تصريح نُشر قبل نحو اثنتين وعشرين ساعة من تداول الخبر، وصف الحوثيين وأعوانهم بأنهم أعداء الأمة وأعداء الحرمين الشريفين والمملكة العربية السعودية. وفي تصريح آخر نُشر قبل نحو ثلاث وعشرين ساعة، قال إنه يُوجّه كلامه إلى الحوثيين مؤكداً أن أهدافهم معلومة، وأن من يقف معهم معروف، وأنهم يخدمون أعداء الأمة ويهددون أمن بلاد الحرمين واستقرارها. وبذلك ينتقل الخطاب من الإدانة العامة إلى تحديد المسؤولية: الجماعة نفسها، ومن يساندها، والأثر المباشر على أمن الحرمين.
خطب الجمعة بوصفها منبراً متكرراً
تظهر المتابعة لما نشره الشيخ أشرفي أن خطبة الجمعة ليست مناسبة عارضة في خطابه، بل أداة يعود إليها لتثبيت موقفه من أمن المملكة. فقد سبق أن أكد، في خطبة جمعة من جامع بحرية تاون في لاهور، أن القبلة والنبي والمستقبل واحد في خدمة الإسلام والمسلمين، مرحباً باتفاق الدفاع الاستراتيجي المشترك بين السعودية وباكستان. وفي خطبة أخرى من الجامع نفسه، تحدث عن هجوم حوثي على محطة كهرباء طيبة بالمدينة المنورة، ما يربط الموقف الديني بحادثة ملموسة لا بشعار عام.
وقبل نحو يومين من تداول الخطبة الأخيرة، نشر الشيخ أن خطبة الجمعة في 16 أكتوبر خُصصت لرفض العدوان الحوثي. وهذا التحديد الزمني يعطي الخطبة التي ألقاها في لاهور معنى تنظيمياً؛ فهي ليست ردة فعل عابرة، بل جزءاً من توجيه مسبق لخطباء الجمعة نحو موضوع واحد: رفض استهداف المملكة والحرمين. كما نشر قبل نحو خمسة أيام تصريحاً يُوجّه فيه كلامه إلى علماء الأمة، مؤكداً أن الدفاع عن بلاد الحرمين الشريفين واجب عظيم قاموا به بشكل واضح.
من الإدانة إلى تحديد المسؤولية
يكشف تراكم هذه التصريحات عن منهج خطابي واضح. ففي مرحلة أولى يُثبّت مبدأ الوقوف مع المملكة وقيادتها، ثم يُسمّى الطرف المستهدَف ويوصف بالميليشيا الإرهابية، ثم يُذكّر بحوادث معينة كالهجوم على محطة كهرباء، ثم يُوسّع دائرة المخاطبين لتشمل علماء الأمة لا الجمهور المحلي فحسب. وهذا التسلسل يجعل الخطبة الأخيرة في لاهور حلقة في سلسلة، لا حدثاً معزولاً، ويُفسّر لماذا حملت عبارة «نعرف» وزناً خاصاً: فالمتحدث لا يدّعي الاكتشاف المتأخر، بل يُعلن أن المعرفة سابقة والموقف مستقر.
من هو الشيخ طاهر أشرفي؟
يرأس الشيخ حافظ محمد طاهر محمود أشرفي مجلس علماء باكستان، ويتولى مهام الأمين العام للمجلس العالمي لتعظيم الحرمين الشريفين. وهذان المنصبان يُفسّران وزن تصريحاته حين يتحدث عن أمن المملكة؛ فهو لا يتحدث بوصفه خطيباً محلياً فحسب، بل بوصفه مسؤولاً عن هيئة علماء باكستانية وعن إطار عالمي يجعل تعظيم الحرمين من عنوانه.
وليست علاقته بالمملكة وليدة اللحظة الراهنة. فقد وثقت وكالة الأنباء السعودية في وقت سابق استقبال ولي العهد له بوصفه رئيس مجلس علماء باكستان، في لقاء جرى فيه استعراض أوجه العلاقات بين البلدين وجهود العلماء في نصرة القضايا الإسلامية. كما نشرت رابطة العالم الإسلامي لقاءات له مع أمينها العام الشيخ محمد العيسى، ونشرت في 20 سبتمبر 2026 تصريحاً منسوباً إليه يوجّه فيه كلامه إلى الميليشيات الحوثية ومن يقف معها ويؤيدها ويدعمها، حول استهداف مكة المكرمة والمدينة المنورة. وفي 2 يناير 2026، نشرت صحيفة «عاجل» إشادته بجهود المملكة ومواقف قيادتها.
كما تولى في مراحل سابقة مهام الممثل الخاص لرئيس الوزراء الباكستاني للوئام وشؤون الشرق الأوسط، وهو ما يضع خطابه الديني في تقاطع مع الملف السياسي الرسمي للعلاقات الثنائية. وفي أكتوبر 2022، نقلت «دنيا نيوز» عنه، بوصفه الممثل الخاص لرئيس الوزراء للوئام بين الأديان وشؤون الشرق الأوسط، أن الخطاب الموجه ضد القيادة السعودية غير مقبول في أي ظرف. وهذا السجل الطويل يمنح خطبة لاهور الأخيرة سياقها: فهي تجديد لموقف معلن، لا تحولاً مفاجئاً في الخطاب.
الشراكة الدفاعية بين الرياض وإسلام آباد
لا يمكن فهم خطبة لاهور بمعزل عن الإطار الدفاعي الذي يحكم العلاقة السعودية الباكستانية منذ سبتمبر 2025. ففي 17 سبتمبر من ذلك العام، وقّعت الدولتان في قصر اليمامة بالرياض اتفاقية دفاع استراتيجي مشترك، وقّعها عن الجانب السعودي صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، وعن الجانب الباكستاني رئيس الوزراء محمد شهباز شريف. وبموجب الاتفاقية، تلتزم الدولتان بمعاملة أي عدوان على إحداهما باعتباره عدواناً على كليهما.
ونقلت وكالة رويترز في 18 سبتمبر 2025 أن الاتفاقية وُقّعت في وقت متأخر من مساء 17 سبتمبر، ووصفتها بأنها تعزز بشدة شراكة أمنية قائمة منذ عقود. وفي 19 سبتمبر 2025، نقلت الجزيرة عن وزير الدفاع الباكستاني خواجة محمد آصف أن قدرات بلاده النووية يمكن أن تُستخدم في إطار الاتفاقية. وهذا التصريح الرسمي هو الذي يُعطي الاتفاق بعده الردعي الذي تحدثت عنه التحليلات، لا التفسيرات غير المنسوبة إلى مصدر حكومي.
وفي 14 أبريل 2026، وصفت شبكة الجزيرة الاتفاقية بأنها تهدف إلى تعزيز الأمن الوطني ودعم الاستقرار الإقليمي عبر تطوير التعاون العسكري. ورأى المعهد الدولي للدراسات الإيرانية، في تحليل نُشر في 18 سبتمبر 2025، أن الاتفاق وسّع اتفاقيات تعاون سابقة بين البلدين. وقد رحّب الشيخ أشرفي علناً بهذا الإطار، وقال في تصريح سابق إن علاقات السعودية وباكستان قوية، وإنها أصبحت أقوى بعد الاتفاق. وبذلك تكتسب خطبة لاهور طبقة إضافية: فهي لا تُعبّر عن موقف عالِم فحسب، بل تأتي من بلد يرتبط مع الرياض بالتزام دفاعي مكتوب يعامل الاعتداء على أحد الطرفين باعتباره اعتداءً على الآخر.
لماذا يهم الموقف الباكستاني؟
تحتل باكستان موقعاً خاصاً في أي نقاش يتعلق بأمن الحرمين. فهي دولة مسلمة كبرى، وترتبط مع المملكة بعلاقات دينية وشعبية واقتصادية عميقة، ويشكل الحجاج والمعتمرون الباكستانيون أحد أكبر الوفود السنوية إلى مكة والمدينة. وحين يتحدث رئيس مجلس علمائها من لاهور، فإنه يخاطب رأياً عاماً يرى في الحرمين مرجعاً دينياً مباشراً، لا ملفاً سياسياً بعيداً.
ولذلك أثر مضاعف حين يربط المتحدث بين الموقف الديني والالتزام الدفاعي. فالجمهور الذي يستمع إلى خطبة الجمعة في لاهور لا يسمع رأياً فردياً، بل يسمع مسؤولاً عن هيئة علماء في دولة التزمت كتابةً بأن الاعتداء على السعودية اعتداء عليها. وهذا التقاطع هو ما يمنح العبارة «لن نسمح» معناها العملي: فهي ليست وعداً عسكرياً يصدره خطيب، بل إعلاناً بأن البيئة الدينية والشعبية في باكستان لن تُوفّر غطاءً لمن يستهدف المملكة.
الحوثيون واستهداف الحرمين
يأتي رفض الشيخ أشرفي للجماعة الحوثية في سياق توثقه مصادر متعددة استهداف منشآت مدنية وحيوية في المملكة. فقد أشار في خطبة سابقة إلى هجوم على محطة كهرباء طيبة بالمدينة المنورة، ونشر موقع «الحرية» قبل ستة أيام تصريحاً منسوباً إليه يرفض فيه ما وصفه بالعدوان الحوثي على مكة والمدينة، ويؤكد الوقوف مع السعودية وقيادتها في جميع الأوقات والظروف. ونشرت منصات إعلامية سعودية تصريحات منسوبة إليه تحذر الحوثيين من مغبة استهداف المملكة، وتربط إصرارهم على الاستهداف بمخطط يتجاوز الحدث المنفرد.
ومن المهم التمييز هنا بين ما هو موثق وما هو تداول غير محكم. فالتصريحات المنشورة على حساب الشيخ أشرفي نفسه، وما نقلته وكالة الأنباء السعودية ورابطة العالم الإسلامي وصحف باكستانية معروفة، تشكل الأساس الصلب للموقف. أما مقاطع الفيديو المتحدثة عن تكفير الحوثيين أو عن تفاصيل عسكرية غير منسوبة إلى بيان رسمي، فلا يصح بناؤ الخبر عليها. والثابت في المصادر الموثوقة هو أن الشيخ يرفض استهداف المملكة والحرمين، ويصف الجماعة بالميليشيا الإرهابية، ويربط من يدعمها بالمسؤولية عن تهديد أمن الحرمين، ويؤكد أن شعوب الأمة تقف مع القيادة السعودية.
الأمن ليس ملفاً مذهبياً
من اللافت أن بعض التداولات حاولت وضع موقف الشيخ أشرفي في خانة مذهبية. غير أن النصوص الموثقة لا تسند هذا التأويل. فالرفض المعلن موجه إلى سلوك محدد: استهداف المملكة والحرمين وتهديد أمنهما واستقرارهما. والمخاطب في الخطبة هم شعوب الأمة وعلماؤها، لا طرف مذهبي بعينه. وهذا التحديد مهم صحفياً؛ لأن تحويل الخبر إلى خلاف طائفي يُغير موضوعه من أمن دولة وحرمين إلى جدل لا تسنده النصوص المنشورة.
كما أن وصف الجماعة بالميليشيا ليس تفصيلاً لغوياً. فالميليشيا، في الاستخدام الصحفي المستقر لهذا الملف، تشير إلى جماعة مسلحة تعمل خارج إطار الدولة المعترف بها، وتستخدم العنف لفرض أمر واقع. وحين يقول الشيخ أشرفي إنه يعرف من يدعمها وما تريد، فإنه ينقل النقاش من الحدث المنفرد إلى البنية: من يمول، ومن يدرب، ومن يوفر الغطاء السياسي، وما الهدف النهائي من استهداف بلاد تضم الحرمين.
القيادة السعودية وموقع الحرمين
يكرر الشيخ أشرفي في تصريحاته عبارة الوقوف مع المملكة وقيادتها، لا مع مؤسسة مجردة. وهذا التحديد له دلالة في السياق السعودي؛ لأن مسؤولية حماية الحرمين وخدمة ضيوفهما ملقاة على عاتق قيادة الدولة، وفي مقدمتها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وسمو ولي العهد. وحين يقول عالِم باكستاني إن شعوب الأمة تقف مع هذه القيادة، فإنه يمنحها سنداً شعبياً ودينياً يتجاوز البيان الدبلوماسي.
ويكتسب هذا السند أهمية مضاعفة حين يتعلق الأمر بالحرمين. فمكة والمدينة ليستا مدينتين سعوديتين فحسب في وجدان المسلمين، بل هما قبلة المسلمين ومدينة نبيهم. وأي استهداف لهما، أو للبنية التي تخدم ضيوفهما، يُقرأ في عواصم المسلمين بوصفه اعتداءً على مشترك ديني، لا على هدف محلي. وهذا ما يُفسّر حرص الشيخ أشرفي على ربط الميليشيا الحوثية لا بالسعودية وحدها، بل بالأمة والحرمين معاً.
ماذا يعني الموقف للقارئ؟
لا يغيّر تصريح من لاهور موازين القوة في المنطقة، لكنه يغيّر بيئة الخطاب التي تتحرك فيها الجماعة الحوثية ومن يدعمها. فكلما حاولت هذه الأطراف تقديم استهداف المملكة بوصفه موقفاً له سند في الرأي العام الإسلامي، يأتي رد من داخل هذا الرأي العام نفسه لينقض الدعوى. وخطبة لاهور تنتمي إلى هذا النوع من الرد: عالِم من دولة مسلمة كبرى، يرأس مجلس علمائها، ويتولى أمانة إطار عالمي لتعظيم الحرمين، يقول أمام المصلين إن الجماعة معروفة، وإن من يدعمها معروف، وإن مآربها لن تمر.
كما أن للخطبة أثراً داخلياً في باكستان. فهي تُذكّر الرأي العام الباكستاني بأن العلاقة مع السعودية ليست ملفاً حكومياً يمكن الخلاف حوله في المناسبات الموسمية، بل التزاماً يمس العقيدة والأمن معاً. وفي بلد يشهد نقاشات سياسية متعددة، يُسهم تثبيت هذا الخط من منبر الجمعة في تضييق المساحة أمام من يحاول تصوير الالتزام الدفاعي مع الرياض بوصفه خياراً قابلاً للمراجعة.
سياق إقليمي لا يتحمل الغموض
تأتي الخطبة في وقت تشهد فيه المنطقة تدافعاً بين ملفات الأمن والملاحة والطاقة. والمملكة، بوصفها أكبر مصدّر للنفط في العالم ومركزاً للحرمين، تظل هدفاً مفضلاً لمن يريد إحداث أثر سياسي بتكلفة عسكرية محدودة. واستهداف محطة كهرباء، أو منشأة مدنية، أو محيط الحرمين، لا يُقاس بأثره المادي وحده؛ فالرسالة المقصودة هي إظهار القدرة على الإيذاء، واختبار رد فعل الدولة وحلفائها وعمق الالتزام الدولي بأمنها.
في هذا الإطار، تكتسب عبارة «لن نسمح لها بتحقيق مآربها» معنى سياسياً محدداً. فالمآرب التي يتحدث عنها الشيخ أشرفي ليست مطلباً تفاوضياً يمكن التوصل إلى تسوية بشأنه، بل هدفاً يراه مرفوضاً من أصله: إضعاف هيبة الدولة التي تخدم الحرمين، وإظهار القادرين على استهدافهما، وفتح ثغرة في الإجماع الإسلامي حول حمايتهما. ورفض هذا الهدف من لاهور يعني أن الجماعة لن تجد في الخطاب الديني الباكستاني ما تبحث عنه من شرعية.
رسالة مزدوجة إلى الداخل والخارج
تحمل الخطبة رسالة مزدوجة. إلى الداخل الباكستاني، تُثبّت أن موقف العلماء من أمن المملكة واحد، وأن الاتفاق الدفاعي له سند ديني وشعبي لا يقتصر على النص المكتوب. وإلى الخارج، تقول إن من يستهدف السعودية لا يواجه الرياض وحدها، بل يواجه خطاباً رافضاً من عواصم مسلمة رئيسية، ومن دولة ارتبطت معها باتفاق يعامل الاعتداء على أحد الطرفين باعتباره اعتداءً على الآخر.
وهذه الرسالة المزدوجة هي ما يميز الخطاب الديني حين يكون صادراً عن مؤسسة لا عن فرد. فمجلس علماء باكستان ليس حزباً سياسياً، والمجلس العالمي لتعظيم الحرمين ليس جهة حكومية، لكن اجتماع المنصبين في شخص واحد يمنح التصريح قدرة على الحركة بين المساحة الدينية والمساحة السياسية. والشيخ أشرفي يستثمر هذا الموقع منذ سنوات، وخطبة لاهور هي الحلقة الأحدث في سلسلة لا تبدو عليها علامات التراجع.
خلاصة الموقف
خلاصة الموقف الذي أعلنه الشيخ طاهر أشرفي من لاهور يمكن إيجازها في ثلاث جمل. الأولى أن ميليشيا الحوثي معروفة لديه، هويةً ودعماً وهدفاً. والثانية أن هذا الهدف لن يمر. والثالثة أن شعوب الأمة، لا حكومة باكستان وحدها، تقف مع المملكة العربية السعودية وقيادتها. وهذه الجمل الثلاث هي ما يجعل الخطبة خبراً يتجاوز حدود المنبر الذي أُلقيت منه.
وسيظل أثر هذا الموقف مرهوناً بمدى استمراره لا بحجم تداوله في يوم واحد. فالسجل الموثق يظهر أن الشيخ أشرفي يعيد المعنى نفسه من الجمعة إلى الجمعة، ومن المؤتمر إلى التصريح، ومن لقاء المسؤولين إلى خطاب الجمهور. وهذا التكرار المنظم هو ما يحول الموقف من ردة فعل إلى خط ثابت. وفي ملف يتعلق بأمن الحرمين، يبدو أن المتحدث يرى أن الثبات أهم من الجدة، وأن الجمهور يحتاج إلى سماع الموقف نفسه في كل جمعة حتى لا تبقى فجوة يمكن للخطاب المضاد أن يتسلل منها.
وتظل المملكة، في هذا السياق، الطرف الذي يتلقى التأييد لا الطرف الذي يطلبه. فالقيادة السعودية هي التي تتحمل مسؤولية حماية الحرمين وخدمة ضيوفهما، وهي التي أبرمت اتفاق الدفاع مع باكستان، وهي التي تواجه الاستهداف المباشر. أما خطبة لاهور فتُضيف إلى هذا الموقف طبقة من الشرعية الدينية والشعبية، وتقول لمن يعنيه الأمر إن الباب الذي كان بعضهم يأمل أن يجده مفتوحاً في الرأي العام الإسلامي مغلق. وهذا، في حسابات الصراع الإقليمي، ليس أقل أثراً من البيان العسكري؛ لأنه ينزع عن الفعل المسلح الغطاء الاعتباري الذي يحتاج إليه لكي يبدو كأنه يمثل الأمة لا مشروعاً محدوداً يرفضه علماؤها.