ويتكوف: المباحثات مع بوتين كانت بناءة والرئيس الأمريكي ترامب ملتزم بإنهاء الحرب

قال المبعوث الأمريكي الخاص ستيف ويتكوف إن المناقشات التي أجراها مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين كانت بناءة وستتواصل، مؤكداً أن الرئيس الأمريكي ترامب ملتزم بإنهاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا، وأن عملاً مهماً ما زال مطلوباً للتوصل إلى تسوية بين الجانبين. وجاء هذا التقييم بعد لقاء عُقد في سان بطرسبرغ يوم الأربعاء 21 أكتوبر 2026، وصفته وكالات أنباء دولية بأنه محطة جديدة في مسار وساطة واشنطن لوقف القتال المستمر منذ الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير 2022.
وأوضحت شبكة «سي إن إن» أن ويتكوف وصف لقاءه مع بوتين، ولقاءه السابق مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، بأنهما كانا «بناءين» في منشور على منصة «إكس» بعد اللقاء. وهذا الوصف لا يعني، وفق صياغة ويتكوف نفسه، أن الخلافات الجوهرية حُسمت، بل يشير إلى استمرار قناة تواصل مباشرة بين واشنطن وموسكو في وقت تبدو فيه المعركة العسكرية والمواقف السياسية على حالهما من التصلب.
لقاء سان بطرسبرغ وسياقه المباشر
وصل ويتكوف إلى سان بطرسبرغ لعقد مباحثات على مستوى رفيع مع بوتين، بعد جولة دبلوماسية شملت محادثات مع الجانب الأوكراني. ونقلت وكالة «رويترز» عن مسؤول أمريكي أن المباحثات التي سبقت اللقاء وصفت بأنها «بناءة»، فيما أفادت الوكالة لاحقاً أن ويتكوف أبلغ بوتين أن المحادثات اتسمت ب«درجة من الزخم»، وأن مسؤولاً أمريكياً قال إن أوكرانيا حملت أفكاراً جديدة.
وأشارت قناة «الجزيرة» إلى أن ويتكوف أبلغ بوتين رغبته في مناقشة استئناف المحادثات الثلاثية بين الولايات المتحدة وأوكرانيا وروسيا. وهذا الإطار يعكس طريقة العمل التي اعتمدها المبعوث الأمريكي في الأشهر الماضية: لقاءات منفصلة مع كل طرف، ثم محاولة نقل ما يُعدّ نقاط تقارب إلى صيغة ثلاثية قابلة للمتابعة.
ما قاله ويتكوف علناً
في بداية اللقاء، نقلت شبكة «سي إن بي سي» عن ويتكوف وصفه بوتين بـ«إنساني»، في تعبير أثار انتباهاً واسعاً لأنه صدر عن مبعوث أمريكي في وقت لا تزال فيه العمليات العسكرية مستمرة ولا توجد هدنة شاملة. ويبقى هذا الوصف تصريحاً منسوباً إلى ويتكوف وفق الشبكة، لا موقفاً رسمياً مكتوباً للبيت الأبيض، لكنه يكشف طبيعة الخطاب الذي يختاره المبعوث في الغرفة المغلقة: لغة تقارب شخصية مع الرئيس الروسي، يقابلها في العلن تأكيد أن العمل الشاق لم ينتهِ بعد.
والعبارة الأهم في رسالة ويتكوف العلنية هي الجمع بين ثلاثة عناصر: أن المناقشة كانت بناءة، وأنها ستتواصل، وأن الرئيس الأمريكي ترامب ملتزم بإنهاء الحرب. وهذا الترتيب ليس تفصيلاً لغوياً. فهو يضع الالتزام السياسي الأمريكي فوق تفاصيل الجلسة، ويرسل إلى موسكو وكييف معاً رسالة مفادها أن واشنطن لن تنسحب من ملف التسوية، حتى إذا بقيت الفجوة بين الموقفين واسعة.
موقف الكرملين: استئناف مشروط لا اتفاق نهائي
بعد اللقاء، نقلت «سي إن إن» عن مساعد بوتين يوري أوشاكوف أن الرئيس الروسي قال إنه مستعد لاستئناف محادثات ثلاثية بعد العاشر من نوفمبر. وأكدت وكالة «رويترز» أن بوتين وافق على استئناف محادثات سلام ثلاثية. ونقلت وكالة «أوكرينفورم» عن أوشاكوف قوله إن الزعيم الروسي أبلغ ويتكوف أن موسكو مستعدة من حيث المبدأ لاستئناف هذه المحادثات حوال العاشر من نوفمبر، مع التركيز على القضية الأساسية في النزاع.
وأضاف أوشاكوف، وفق ما نقلته وسائل إعلامية أمريكية نقلاً عن تصريحاته، أن المحادثات الثلاثية ستركز على «بناء منظومة أمن لروسيا وأوكرانيا بعد انتهاء النزاع». وهذه الصياغة مهمة لأنها تنقل النقاش من وقف إطلاق النار وحده إلى ترتيبات أمنية لاحقة، وهي النقطة التي تعثرت عندها جولات تفاوض سابقة. فموسكو تطالب تاريخياً بضمانات تمنع توسع حلف شمال الأطلسي نحو الحدود التي تعدها مجالاً حيوياً لها، فيما تمسك كييف بحقها في اختيار تحالفاتها وبعدم قبول تسوية تُثبّت الخسائر الإقليمية بوصفها نتيجة للقوة.
ولم تُعلن الأطراف، حتى ساعة إعداد هذا التقرير، نص اتفاق أو جدولاً زمنياً ملزماً لوقف إطلاق النار. والفارق بين الاستعداد للحديث وبين الاتفاق هو ما يجعل تقييم ويتكوف دقيقاً في حدوده: المناقشة بناءة، لكن التسوية لم تُنجز بعد.
الرئيس الأمريكي ترامب والضغط على كييف
يأتي لقاء سان بطرسبرغ في ظل تصريحات علنية للرئيس الأمريكي ترامب تضع جزءاً من عبء التسوية على كييف. ونقلت «رويترز» عنه قوله إن «على أوكرانيا أن تريد تسوية هذه الحرب»، مشيراً إلى أن موسكو تملك اليد العليا في الميدان لأن روسيا «دولة كبيرة». ونقلت صحيفة «جيروزالم بوست» عنه قوله إن روسيا «ترغب في إنجاز الأمر»، مع تكرار شكوكه في أن زيلينسكي ملتزم بإنهاء الحرب.
هذا الخطاب يخلق توتراً داخل المعسكر الغربي. فمن جهة، يُقدّم الرئيس الأمريكي ترامب نفسه وسيطاً قادراً على فتح قناة مع موسكو لم تكن متاحة بالكثافة نفسها في مراحل سابقة. ومن جهة أخرى، تقرأ كييف وعواصم أوروبية هذه التصريحات بوصفها ضغطاً لقبول تنازلات قبل أن تُقدّم ضمانات أمنية ملزمة. وقد سبق لويتكوف أن دعا موسكو وكييف إلى تقديم تنازلات للخروج من الصراع، وهو موقف يجعل الوساطة الأمريكية أقرب إلى فرض توازن سياسي منها إلى تبني مطالب أحد الطرفين بشكل كامل.
كييف وملف التعاون الاستخباراتي
في المقابل، نقلت «بي بي سي» عن زيلينسكي قوله إن تبادل المعلومات الاستخباراتية «يعمل الآن»، في إشارة إلى ملف حساس شهد فترات من التوتر بين كييف وواشنطن. واستئناف هذا التعاون، إن صحّ وصف الرئيس الأوكراني، يعني أن قناة الدعم العسكري لم تُغلق بالكامل في اللحظة التي تُطالَب فيها أوكرانيا بالدخول في تسوية. وهذا التوازن الدقيق هو ما يحاول ويتكوف إدارته: إبقاء كييف داخل العملية حتى لا تبدو الوساطة اتفاقاً ثنائياً بين واشنطن وموسكو على حساب أوكرانيا.
خلفية الوساطة الأمريكية
ليس لقاء أكتوبر الأول من نوعه. فقد تنقل ويتكوف، وفي مراحل سابقة جاريد كوشنر، بين موسكو وكييف وعواصم أوروبية خلال عامَي 2025 و2026، في محاولة لتحويل خطة سلام أمريكية إلى إطار قابل للتفاوض. ووصفت واشنطن جولات سابقة، منها محادثات في ميامي في ديسمبر 2025، بأنها بناءة ومثمرة، من دون أن يُفضي ذلك إلى وقف دائم للإطلاق.
وفي سبتمبر 2026، نقلت وسائل أمريكية عن ويتكوف وصفه مباحثات حول أوكرانيا بأنها «مثمرة للغاية»، مع التأكيد أن الرئيس الأمريكي ترامب ملتزم لا بإنهاء النزاع فحسب، بل أيضاً بسلام دائم يتيح لأوكرانيا البناء. والفارق بين هذين الهدفين هو ما يفسر بطء المسار. فوقف إطلاق النار قد يكون قابلاً للتفاوض الفني، أما السلام الدائم فيتطلب تسوية لقضايا السيادة والحدود والضمانات الأمنية ومصير العقوبات وإعادة الإعمار.
وتُظهر هذه الخلفية لماذا يحرص ويتكوف على عبارة «ستتواصل». فالوساطة الأمريكية لا تعرض نفسها بوصفها جولة واحدة تُنهي الملف، بل بوصفها عملية متدرجة تبحث عن نافذة سياسية قبل أن تُحوّل إلى نص قابل للتوقيع. وكلما طال هذا المسار من دون نتيجة ميدانية، ارتفعت كلفة الحرب على المدنيين وعلى اقتصادات أوروبا وعلى استقرار أسواق الطاقة والغذاء.
ما الذي لم يُحسم بعد
تبقى القضايا الأصعب خارج نطاق التصريحات العلنية. فلم تُعلن موسكو ولا كييف ولا واشنطن تفاصيل مكتوبة عن خط وقف إطلاق النار، ولا عن مصير الأراضي التي تسيطر عليها القوات الروسية، ولا عن ضمانات أمنية يمكن لأوكرانيا قبولها من دون التخلي عن حقها في الدفاع عن نفسها. كما لم تُعلن آلية رقابة دولية على أي وقف محتمل للقتال، وهي نقطة تعدها كييف شرطاً لأي ترتيب لا يكون مجرد هدنة تُستغل لإعادة تموضع القوات.
وتظهر تقارير الوكالات أن الجانب الروسي يريد نقل النقاش إلى «إطار محدد» قبل استئناف المحادثات الثلاثية. وهذا يعني عملياً أن موسكو لا تريد جلسة علنية مفتوحة تُعيد فيها الخلافات من دون أن تكون واشنطن قد ضيّقت نطاق الخلاف مسبقاً. أما كييف فتخشى أن يتحول هذا التضييق إلى فرض واقع ميداني لا تريده. ومن هنا تأتي عبارة ويتكوف عن «عمل مهم يتعين القيام به» لا بوصفها عبارة دبلوماسية جاهزة، بل بوصفها وصفاً دقيقاً لحالة الملف.
دلالات اللقاء وحدود التفاؤل
يمكن قراءة لقاء سان بطرسبرغ على مستويين. المستوى الأول أن قناة التواصل المباشر بين البيت الأبيض والكرملين ما زالت مفتوحة، وأن موسكو لم تغلق الباب أمام صيغة ثلاثية بعد منتصف نوفمبر. وفي حرب دخلت عامها الخامس، يُعدّ استمرار الحديث نفسه نتيجة سياسية، لأنه يبقي احتمال التصعيد العسكري أو الانهيار الدبلوماسي أقل رجحاناً من غياب أي حوار.
أما المستوى الثاني فهو أن كلمة «بناءة» لا تعادل اختراقاً. فقد سبق للأطراف أن وصفت جولات في موسكو وميامي وغيرهما بالعبارة نفسها، ثم عاد القتال ليكون هو الذي يحدد وقائع التفاوض اللاحق. وإذا كان الرئيس الأمريكي ترامب يريد إنهاء الحرب، فإن التزامه العلني لا يُلزم موسكو بالتنازل عن مطالابها الحدى الأدنى، ولا يُلزم كييف بقبول صيغة تراها مساً بسيادتها.
وتبقى الأسابيع الفاصلة عن العاشر من نوفمبر هي اختبار الجدية الفعلي. فإذا تحول استعداد بوتين، كما نقله أوشاكوف، إلى جلسة ثلاثية بجدول وأجندة واضحة، فسيكون لويتكوف مستند للقول إن المناقشة البناءة أنتجت خطوة عملية. وإذا بقي الأمر عند مستوى النوايا الطيبة، فسيعود الملف إلى المربع المعروف: حرب مستمرة، ووساطة أمريكية نشطة، وفجوة واسعة بين ما تريده موسكو وما تستطيع كييف قبوله.
المشهد الإقليمي والدولي
لا ينفصل هذا المسار عن حسابات أوسع. فأوروبا تراقب ما إذا كانت واشنطن ستربط أي تسوية بضمانات لا تُضعف الجناح الشرقي من القارة، وما إذا كانت ستُبقي العواصم الأوروبية على هامش ترتيب ثنائي بين الرئيس الأمريكي ترامب وبوتين. أما الدول التي تراقب أسواق الطاقة والحبوب وسلاسل الإمداد، ومنها دول الخليج، فتنظر ما إذا كان الحديث عن التسوية سيُترجم إلى هدوء في أسعار الشحن والتأمين، أم سيبقى عامل مخاطر يُدار من دون أن يُرفع.
كما أن أي ترتيب لاحق سيكون له أثر مباشر في ملفات العقوبات والأصول الروسية المجمدة وقدرة موسكو على تمويل الحرب. ولم تُشر المصادر الموثوقة حتى الآن إلى اتفاق على رفع عقوبات مقابل خطوات روسية، لكن تاريخ التفاوضات الكبرى يُظهر أن هذه القضية ستعود إلى الطاولة حالما انتقل الحديث من المبادئ إلى التفاصيل.
ما الذي يعنيه البيان للقارئ
الخلاصة التي تسندها المصادر المتاحة واضحة في حدودها. ويتكوف التقى بوتين في سان بطرسبرغ، ووصف المناقشة بأنها بناءة وقال إنها ستتواصل. وأكد أن الرئيس الأمريكي ترامب ملتزم بإنهاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا، مع الإقرار بأن العمل المتبقي كبير. ونقل الكرملين استعداداً مبدئياً لاستئناف محادثات ثلاثية بعد العاشر من نوفمبر، حول منظومة أمن لما بعد انتهاء النزاع، فيما قالت واشنطن إن كييف حملت أفكاراً جديدة وإن هناك زخماً ما.
لكن أياً من هذه العناصر لا يُغني عن اتفاق. فالحرب التي بدأت في فبراير 2022 ما زالت قائمة، والمطالب الروسية والأوكرانية متباعدة، والو8ساطة الأمريكية تحاول أن تحول لقاءات منفصلة إلى مسار واحد. وإذا كان للقاء الأخير قد أبقى هذه القناة مفتوحة، فإن نجاحه سيُقاس لاحقاً بما إذا اتفقت الأطراف على نص يوقف القتال ويرسم ترتيباً أمنياً قابلاً للبقاء، لا بما قيله في غرفة مغلقة في سان بطرسبرغ.