البحري توقّع عقداً بـ2.7 مليار ريال مع العالمية للصناعات البحرية لبناء 3 ناقلات نفط عملاقة
✍️ فرحان المزعل
شارك:
✍️ فرحان المزعل
كشفت وكالة بلومبيرغ أن شركة البحري السعودية وقّعت عقداً بقيمة 1.7 مليار ريال مع الشركة العالمية للصناعات البحرية، لبناء ثلاث ناقلات نفط خام عملاقة، على أن تُسلّم بين عامي 2029 و2030. ويعدّ هذا العقد خطوة جديدة في توسيع أسطول البحري وتعزيز التصنيع البحري المحلي داخل المملكة، في وقت تسعى فيه السعودية إلى رفع مساهمة القطاع البحري في سلاسل إمداد النفط العالمية وتوطين جزء أكبر من إنفاق الشركات الوطنية على بناء السفن.
وتعد البحري الشركة الوطنية للنقل البحري، وهي من أكبر ملاك ومشغلي أساطيل ناقلات النفط الخام والمنتجات المكررة في المنطقة. أما الشركة العالمية للصناعات البحرية، فهي مجمع صناعي مقره رأس الخير في المنطقة الشرقية، وتُعد من أكبر مشاريع بناء السفن والحفاظ والصيانة في الشرق الأوسط. ويجمع العقد الجديد بين مشغل أسطول وطني كبير وحوض بناء محلي، في ما يعكس توجهاً متزايداً نحو ربط الطلب التشغيلي بالطاقة التصنيعية داخل المملكة بدلاً من الاعتماد الكامل على أحواض بناء خارجية.
## تفاصيل العقد وجدول التسليم
وفق ما نقلته بلومبيرغ، تبلغ قيمة العقد 1.7 مليار ريال، ويشمل بناء ثلاث ناقلات نفط خام عملاقة. وتُعرف هذه الفئة من السفن عالمياً باسم VLCC، وهي من أكبر وحدات النقل البحري للنفط الخام، وتُستخدم على المسارات الطويلة بين مناطق الإنتاج في الخليج العربي وأسواق الاستهلاك في آسيا وأوروبا وأمريكا.
وينص الجدول الزمني على تسليم الناقلات الثلاث بين عامي 2029 و2030. وهذه المدة ليست استثناءً في صناعة بناء السفن العملاقة، إذ تمر مراحل التصميم والهندسة وتوريد الفولاذ والمحركات والمعدات والتجارب والتسليم بفترات تمتد لعدة سنوات. كما أن أحواض البناء العالمية تعمل وفق جداول محجوزة مسبقاً، ما يجعل التعاقد المبكر ضرورة لضمان دخول السفن الخدمة في التوقيت التشغيلي المستهدف.
ويعني الجدول المعلن أن الأثر التشغيلي المباشر للعقد لن يظهر في حجم الأسطول العامل قبل نهاية العقد الحالي. غير أن قيمته الاقتصادية تبدأ من مرحلة التنفيذ، عبر تشغيل سلاسل التوريد والهندسة والعمالة الماهرة في الحوض المحلي، قبل أن تنضم الناقلات إلى الأسطول وتبدأ تحقيق الإيرادات.
## لماذا تهم الناقلات العملاقة؟
تُعد ناقلة النفط الخام العملاقة الوحدة الأساسية لنقل النفط السعودي إلى الأسواق البعيدة. وتتميز هذه السفن بقدرة حمل كبيرة تخفض تكلفة نقل البرميل الواحد مقارنة بالناقلات الأصغر، ما يجعلها أداة رئيسة في التنافس على عقود النقل طويلة الأجل. كما أن تجديد الأسطول بوحدات أحدث يساعد على خفض استهلاك الوقود والامتثال لمتطلبات الكفاءة البيئية التي تشدد المنظمة البحرية الدولية من تطبيقها.
ولا تقتصر أهمية هذه الناقلات على الجانب التجاري. فالسعودية من أكبر مصدّري النفط في العالم، واستمرار قدرتها على تصدير الخام يرتبط بتوفر طاقة نقل بحري موثوقة ومرنة. وامتلاك جزء من هذه الطاقة عبر شركة وطنية يقلل الاعتماد على استئجار السفن من السوق الفورية في أوقات ارتفاع أسعار النقل، ويمنح المملكة قدرة أكبر على تخطيط حركة صادراتها.
## الشركة العالمية للصناعات البحرية
تأسست الشركة العالمية للصناعات البحرية لتكون منصة وطنية لبناء السفن والحفاظ عليها وإصلاحها وتقديم خدمات الدعم البحري. ويقع مجمعها الصناعي في رأس الخير، وهو موقع يمنحها قرباً من موانئ التصدير ومرافق النفط والغاز في المنطقة الشرقية، ويربطها بشبكة لوجستية وصناعية متنامية.
وتضم قاعدة ملاك الشركة جهات وطنية رئيسة في قطاع الطاقة والصناعة والنقل البحري، من بينها أرامكو والبحري والشركة الوطنية للشحن البحري، إلى جانب شركاء تقنيين. وهذا التركيب يجعل الشركة جزءاً من منظومة أوسع تستهدف توطين صناعة السفن وخدمات ما بعد البيع، بدلاً من الاكتفاء باستيراد وحدات جاهزة من أسواق آسيا.
ويُنظر إلى عقد الناقلات الثلاث بوصفه اختباراً عملياً لقدرة الحوض على تنفيذ مشروع ذي قيمة عالية ومواصفات دولية. فبناء ناقلة نفط عملاقة يتطلب خبرة في هندسة الهيكل وأنظمة الدفع والسلامة والتحكم في الانبعاثات، وهو ما يرفع من قيمة المشروع بوصفه مرجعاً لعقود لاحقة، سواء للبحري أو لعملاء آخرين في المنطقة.
## موقع البحري في سوق النقل البحري
تُشغّل البحري أسطولاً متنوعاً يشمل ناقلات نفط خام وناقلات منتجات مكررة وسفناً للبضائع السائبة والبضائع الجافة، إلى جانب أنشطة لوجستية وإدارة سفن. وهذا التنوع يمنحها قدرة على توزيع المخاطر بين أسواق مختلفة، في وقت تبقى ناقلات النفط الخام العمود الفقري لأعمالها بحكم ارتباطها بتصديرات المملكة.
ويأتي العقد الجديد في سياق دورة تجديد يشهدها قطاع ناقلات النفط عالمياً. فجزء من الأسطول العالمي تجاوز عمره عقدين، وهو ما يرفع تكاليف الصيانة ويضعف قدرته على الامتثال لقواعد كفاءة الطاقة. وفي الوقت نفسه، تبقى أحواض البناء في كوريا الجنوبية والصين واليابان هي المزود الرئيس لهذه الفئة من السفن، ما يطيل فترات الانتظار ويرفع أهمية وجود بديل إقليمي.
ومن هذا المنظور، فإن توجيه جزء من طلبيات البحري إلى رأس الخير لا يلغي الحاجة إلى التعامل مع الأحواض الآسيوية، لكنه يُنشئ مساراً موازياً يمكن أن يتسع إذا أثبت الحوض المحلي قدرته على التسليم في الموعد وبالمواصفات المتفق عليها. والنجاح في هذا المشروع قد يفتح الباب أمام طلبيات إضافية من شركات خليجية تبحث عن تقليص مخاطر سلاسل التوريد.
## الأثر الاقتصادي والتوطين
تبلغ قيمة العقد 1.7 مليار ريال، أي ما يعادل نحو 453 مليون دولار بحسب سعر الصرف الرسمي المعتمد للريال. وهذا الرقم ليس كبيراً فقط بمقاييس عقود بناء السفن المحلية، بل يمثل أيضاً تحويلاً لجزء من الإنفاق الرأسمالي من خارج المملكة إلى داخلها. فكل ريال يُنفق على الهندسة والتجميع والتركيب والاختبار داخل الحوض يبقى أثره في الاقتصاد المحلي، سواء عبر الأجور أو عقود المقاولين أو شراء المواد والخدمات.
ويتسق هذا التوجه مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 المتعلقة بتنويع قاعدة الاقتصاد ورفع نسبة المحتوى المحلي في المشاريع الكبرى. فصناعة بناء السفن ليست نشاطاً معزولاً، بل تجر معها صناعات الفولاذ والكهرباء والطلاءات وأنظمة الملاحة والسلامة والتدريب الفني. وكلما ارتفع عدد السفن المبنية محلياً، اتسعت فرصة بناء قاعدة موردين ومراكز تدريب قادرة على خدمة الأسطول بعد تسليمه.
ومن المتوقع أن ينعكس العقد على سوق العمل في المنطقة الشرقية، حيث تتركز منشآت الطاقة والصناعة البحرية. فبناء ثلاث ناقلات عملاقة يتطلب فرق هندسة ولحام وفنيي تركيب ومفتشي جودة، إضافة إلى عقود مع موردي المواد والمعدات. وحتى إذا جرى استيراد بعض المكونات المتخصصة من الخارج، فإن مرحلة التجميع والتشغيل والتسليم تبقى داخل المملكة، وهو ما يحقق هدف التوطين بشكل مباشر.
## سياق السوق العالمية للنفط والنقل
يأتي القرار في وقت تشهد فيه أسواق النفط تقلبات مرتبطة بمسارات الملاحة والطلب الآسيوي وسياسات المعروض. ورغم الحديث المتزايد عن تحول الطاقة، فإن النفط الخام ما زال يمثل حصة كبيرة من خليط الطاقة العالمي، وتبقى المملكة من أكثر المنتجين قدرة على تعديل الإنتاج لمواجهة الطلب. وهذا الواقع يجعل الاستثمار في ناقلات جديدة قراراً تشغيلياً قبل أن يكون قراراً مالياً.
كما أن مسارات الملاحة الرئيسة، وفي مقدمتها مضيق هرمز وباب المندب ورأس الرجاء الصالح، تظل عرضة للتوترات الجيوسياسية والتشغيلية. وامتلاك أسطول حديث ومرن يمنح المصدّر قدرة أفضل على إعادة توجيه الشحنات عند الحاجة، ويقلل من ارتباط التصدير بتوفر سفن الغير في اللحظة المناسبة. وهذا البعد الاستراتيجي يُفسّر لماذا تُبرم شركات النقل الوطنية عقود بناء تمتد إلى نهاية العقد، حتى لو كانت أسعار النقل الفورية تتذبذب على المدى القصير.
## التمويل والحوكمة والمخاطر
لم تُفصح بلومبيرغ، في ما نُقل عنها، عن هيكل تمويل العقد أو عن توزيع المدفوعات بين الدفعة المقدمة والأقساط المرتبطة بمراحل البناء. وفي عقود بناء السفن الكبرى، جرت العادة أن يرتبط السداد بإنجاز معالم فنية، مثل قطع الفولاذ وإنزال السفينة إلى الماء والتجارب البحرية والتسليم النهائي. وهذا الأسلوب يحمي المالك والباني معاً، لكنه يتطلب إدارة دقيقة للتدفقات النقدية على مدى سنوات التنفيذ.
وتظل هناك مخاطر لا يمكن تجاهلها. فأسعار الفولاذ والمحركات والمعدات البحرية قابلة للتغير، وقد تؤثر اضطرابات سلاسل التوريد في جداول التسليم. كما أن بناء أول ناقلات عملاقة في حوض ناشئ يحمل مخاطر فنية أعلى من تكرار البناء في أحواض لها سجل طويل. ولهذا السبب، سيكون التزام الجدول الزمني بين 2029 و2030 مؤشراً يتابعه المستثمرون والعملاء على حد سواء.
ومن جانب الحوكمة، فإن البحري شركة مدرجة في السوق المالية السعودية، ويُتوقع أن تُفصح الآثار المالية للعقد في القوائم والإفصاحات اللاحقة، بما في ذلك أي التزامات رأسمالية أو ترتيبات تمويلية مرتبطة بالسفن الجديدة. وسيتابع المستثمرون كيف سينعكس هذا الالتزام على التدفقات النقدية وعلى خطط الشركة لتوزيع الأرباح، خاصة أن العائد التشغيلي من الناقلات لن يبدأ قبل تسليمها.
## ماذا يعني العقد للقطاع؟
يمكن قراءة العقد على أكثر من مستوى. على مستوى البحري، هو إضافة مخطط لها لثلاث وحدات كبيرة تدخل الخدمة في نهاية العقد، ما يدعم قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه عملاء النفط ويحافظ على موقعها في سوق ناقلات الخام. وعلى مستوى الشركة العالمية للصناعات البحرية، هو عقد مرجعي يثبت قدرة الحوض على تنفيذ مشروع ذي قيمة مرتفعة لعميل وطني كبير.
وعلى مستوى الاقتصاد، يعني العقد أن جزءاً من الإنفاق المرتبط بتصدير النفط سيعود إلى الداخل على شكل أجور وعقود توريد وخبرة فنية. وهذا النوع من العقود هو ما تحتاجه صناعة ناشئة لتنتقل من مرحلة البنية التحتية إلى مرحلة التشغيل التجاري المستمر. فالحوض الذي لا يحصل على طلبيات مؤكدة يبقى مشروعاً رأسمالياً، أما الحوض الذي يبني سفناً لعميل معروف فيتحول إلى جزء من سلسلة القيمة.
ولا يعني ذلك أن الطريق ممهد. فالسنوات المقبلة ستكشف مدى جاهزية سلاسل التوريد المحلية، وقدرة الحوض على استقطاب الكفاءات، ومدى التزام الجدول الزمني. وإذا اكتمل التسليم وفق ما هو معلن، فسيكون العقد قد أسس مرجعاً لعقود مماثلة في الخليج. وإذا تأخر، فستظهر تكلفة التعلم في صناعة تتطلب انضباطاً عالياً وخبرة متراكمة.
## خلاصة
يُمثل عقد البحري مع الشركة العالمية للصناعات البحرية، البالغة قيمته 1.7 مليار ريال، خطوة عملية في مسار توطين بناء السفن وتجديد أسطول نقل النفط السعودي. والعقد، وفق ما نقلته بلومبيرغ، يشمل ثلاث ناقلات نفط خام عملاقة تُسلّم بين عامي 2029 و2030، وهو ما يضع المشروع في قلب خطط الشركتين للسنوات المقبلة.
وسواء من جهة حجم الاستثمار أو من جهة ربط مشغل أسطول وطني بحوض بناء محلي، فإن الخطوة تعكس تحولاً في طريقة إدارة المملكة لسلسلة إمداد النفط. فالسفينة التي تُبنى في رأس الخير لن تكون مجرد أصل تشغيلي، بل ستكون نتاجاً لقدرة صناعية تسعى المملكة إلى ترسيخها، ومؤشراً على مدى قدرة هذه الصناعة على المنافسة في سوق عالمية لا تمنح فرصة ثانية بسهولة.