البحرين تقترب من دعم مالي خليجي لمواجهة ضغوط فاقمتها حرب إيران

أفادت وكالة «الشرق-بلومبيرغ» أن مملكة البحرين تقترب من الحصول على دعم مالي خليجي يهدف إلى مواجهة ضغوط اقتصادية زادتها حرب إيران، في مؤشر يعيد إلى الواجهة مسألة التنسيق المالي بين دول مجلس التعاون في لحظات الضغط على الأسواق والموازنات. ورجّحت خمسة مصادر مطلعة، وفق ما نقلته الوكالة، أن المنامة أقرب إلى ترتيب مالي خليجي يساعدها على احتواء تداعيات الأزمة، من دون أن تُعلن تفاصيل نهائية حول حجم الدعم أو آلياته أو جدوله الزمني.
يأتي هذا المؤشر في وقت تتراكم فيه ضغوط الدين العام وتكلفة الاقتراض وضعف هوامش الاحتياطيات، مع استمرار التداعيات المترتبة على الحرب التي اندلعت في المنطقة نهاية فبراير الماضي. وتختلف البحرين، بحسب تقارير الأسواق، عن جيرانها الأكبر في أن قاعدتها النفطية أضيق، ودينها العام مرتفع قياسًا بحجم اقتصادها، واعتمادها على التمويل الخارجي أوضح. ولذلك فإن أي إشارة إلى دعم خليجي تُقرأ في الأسواق بوصفها عاملًا محتملًا لتهدئة كلفة الاقتراض، لا بوصفها حلًا نهائيًا لاختلالات المالية الهيكلية.
ما الذي نقلته المصادر؟
حسب رواية «الشرق-بلومبيرغ»، فإن خمسة مصادر مطلعة رجّحت اقتراب البحرين من دعم مالي خليجي موجه لمواجهة ضغوط اقتصادية زادت حدتها حرب إيران. والصياغة التي نقلتها الوكالة تشير إلى مرحلة متقدمة من النقاش، لا إلى إعلان موقّع. وهذا الفرق مهم للأسواق: فالاقتراب يخفض مؤقتًا من علاوة المخاطر، لكنه لا يلغي الحاجة إلى معرفة حجم السيولة، وشروطها، وما إذا كانت ستأتي في صورة ودائع أو تمويل ميسّر أو ضمانات أو مزيج من هذه الأدوات.
ولم تصدر، حتى ساعة إعداد هذا التقرير، بيانات رسمية بحرينية أو خليجية تؤكد إتمام الترتيب أو تحدد الدول المشاركة فيه. ويعني ذلك أن الخبر، في صيغته المتاحة، يظل في خانة التوقعات المستندة إلى مصادر مطلعة، لا في خانة القرار المعلن. وهذا التمييز يفسر حذر المستثمرين الذين يراقبون سندات البحرين منذ أسابيع؛ فهم يسعّرون احتمال الدعم، لكنهم لا يستطيعون بعد تحديد توقيته أو شروطه.
ضغوط السندات وكلفة التمويل
كانت أسواق الدين قد أرسلت، قبل هذا التقرير، إشارات واضحة على ارتفاع كلفة اقتراض المنامة. ونقلت «بلومبيرغ» في الثامن من أكتوبر الجاري أن موجة بيع في سندات البحرين أحيت ذكرى إنقاذ عام 2018 الذي قدمته دول خليجية. وأوضحت الوكالة أن الدولة الخليجية المثقلة بالديون تواجه تداعيات حرب إيران في الوقت الذي ترفع فيه عوائد سندات الخزانة الأميركية، ما يزيد كلفة خدمة الدين.
ووفق التقرير نفسه، رفع هذا المزيج عائد سندات البحرين المقومة بالدولار والمستحقة في 2028 إلى 8.99 في المئة، وهو أعلى مستوى في ست سنوات، بزيادة بلغت 1.6 نقطة مئوية منذ أواخر أغسطس. ووصفت تغطية لاحقة للوكالة موجة البيع بأنها دفعت كلفة الاقتراض إلى مستويات شوهدت آخر مرة خلال أزمة 2018، مع إشارة إلى ظهور ضغوط مالية وأخرى مرتبطة بالبيئة الإقليمية في أسعار هذه السندات.
ذاكرة إنقاذ 2018
تستدعي الإشارة إلى عام 2018 مقارنة مباشرة لدى المتابعين لسوق الدين الخليجي. ففي ذلك العام، ارتفعت مؤشرات مخاطر الائتمان البحرينية بشكل حاد، وتوقعت الأسواق حينها دعمًا من جيران المملكة، قبل أن يتبلور ترتيب مالي خليجي ضخم ساهم في تثبيت الثقة وحماية ربط الدينار بالدولار. وتشير الروايات المتداولة عن تلك المرحلة إلى حزمة بنحو عشرة مليارات دولار شاركت فيها السعودية والإمارات والكويت، وارتبطت بمسار إصلاح مالي هدف إلى ضبط العجز وإعادة ترتيب المالية العامة.
غير أن القياس على تلك التجربة لا يعني أن السيناريو نفسه يتكرر بالضرورة. فالبيئة الحالية تجمع بين ضغط جيوسياسي مرتبط بحرب ممتدة، وارتفاع في عوائد السندات الأميركية، وتراجع في بعض مؤشرات النشاط المحلي. كما أن أي دعم جديد، إن تأكد، قد يأتي بشروط إصلاحية أو بآجال مختلفة عما شهدته المنطقة قبل نحو ثماني سنوات. ومن دون إعلان رسمي، يبقى الحديث عن تكرار نموذج 2018 استدعاءً لسابقة معروفة، لا وصفًا لصفقة قائمة.
الاحتياطيات وعبء الدين
تظهر أرقام تداولها متابعو الأسواق خلال الأشهر الماضية مدى الضيق الذي تحاول السلطات البحرينية إدارته. ففي أبريل، ذكرت «بلومبيرغ» أن المملكة كانت تواجه عبء دين يعادل نحو 140 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، مع احتياطيات محدودة. وفي أغسطس، نقلت تقارير عن توقعات لدى مؤسسات مالية، منها مؤسسة «بانك أوف أميركا»، بأن تقدم الدول الخليجية دعمًا للبحرين في ظل الضغوط الجيوسياسية، بعدما كثّفت حرب إيران الضغوط القائمة على الاقتصاد والمالية السيادية، وتراجعت الاحتياطيات الأجنبية.
وفي تقييم نشره الاقتصادي زياد داوود قبل أيام، أشار إلى أن احتياطيات البحرين الأجنبية تراجعت من 5.2 مليارات دولار في مارس إلى 1.6 مليار دولار في أغسطس، ووصف الدعم الخليجي المحتمل بأنه مسألة مطروحة بقوة على طاولة النقاش. وهذه الأرقام، وإن كانت منسوبة إلى متابعة سوقية لا إلى بيان حكومي جديد، تفسر لماذا عاد حديث الدعم الخارجي إلى الصدارة في أكتوبر. فانخفاض الاحتياطيات يضيق هامش المناورة أمام استحقاقات الدين وأي صدمة إضافية في تدفقات العملة الأجنبية، حتى لو بقي ربط العملة نفسه مستقرًا.
ولا يعني ذلك أن البحرين فقدت القدرة على الوصول إلى الأسواق. ففي الثالث من يونيو، أصدرت المملكة سندات دولارية بقيمة مليار دولار، بعد ساعات من اعتراض صواريخ إيرانية، في أول إصدار سيادي خليجي بارز منذ اندلاع الحرب، وفق ما وثقته «بلومبيرغ» وصحيفة «الاقتصادية». وأشارت التغطية حينها إلى أن دعمًا إماراتيًا ساعد على استقرار السندات. لكن نجاح الإصدار لا يلغي ارتفاع العائد لاحقًا؛ فهو يثبت وجود شهية، ويؤكد في الوقت نفسه أن هذه الشهية أصبحت أكثر كلفة.
أثر حرب إيران على الاقتصاد البحريني
لم تقتصر تداعيات الحرب على سوق الدين. فقد أطلقت البحرين في أبريل حزمة دعم مالي ونقدي واسعة قدرت بنحو 19 مليار دولار، بهدف تخفيف أثر الحرب في الاقتصاد المحلي، وفق ما نقلته منصات اقتصادية خليجية. وتعكس هذه الحزمة حجم الصدمة التي واجهت النشاط التجاري والسيولة، كما تظهر أن الاستجابة الأولى كانت محلية قبل أن يعود حديث الدعم الخليجي إلى الواجهة بقوة في الخريف.
وعلى مستوى النمو، نقلت «إنتلي نيوز» عن «كابيتال إيكونومكس» في سبتمبر أن اقتصاد البحرين انكمش 3.8 في المئة في الربع الأول، في إطار تقديرات أوسع لانكماش اقتصادات خليجية هذا العام بفعل استمرار الحرب. كما أشارت تقديرات لاحقة تناقلتها وكالات أنباء إلى احتمال انكماش اقتصاد المملكة بنحو 5.1 في المئة خلال 2026. وهذه التوقعات ليست أرقامًا رسمية نهائية، لكنها ترسم صورة مختلفة عن تقديرات ما قبل الحرب؛ إذ كان صندوق النقد الدولي قد توقع في نوفمبر 2025 نموًا حقيقيًا بنحو 3.3 في المئة في 2026، قبل أن تتغير بيئة المخاطر.
وامتد الأثر إلى قطاعات خدمية حساسة. ففي يونيو، قالت «بلومبيرغ» إن «طيران الخليج»، الناقل الوطني البحريني، توقع تعافي الطلب على السفر عبر محطه خلال أسابيع، بعدما عطّلت الحرب تدفقات المسافرين. ويظهر هذا التوقع قدرة على التكيف، لكنه يؤكد أيضًا أن قطاعات الطيران والسياحة والخدمات المرتبطة بها تظل أكثر عرضة للتذبذب من قطاعات الطاقة في الدول المنتجة الكبرى.
لماذا يختلف وضع البحرين عن جيرانها؟
لا تتحرك اقتصادات الخليج في اتجاه واحد أمام الحرب. فارتفاع أسعار النفط، حين يتحقق، يدعم إيرادات الدول ذات الإنتاج الكبير والقدرة على تحويل جزء من الصادرات إلى مسارات بديلة. كما أن الأصول السيادية الضخمة والطلب المحلي في الاقتصادات الأكبر يوفران وسادة لا تتوافر بالدرجة نفسها لاقتصاد أصغر وأكثر انكشافًا على التمويل الخارجي. وقد لخصت تغطيات «الشرق-بلومبيرغ» خمسة عوامل ساعدت اقتصادات الخليج على امتصاص الصدمة الأولى، من بينها أسعار النفط وخطوط التصدير البديلة والثروات السيادية والطلب المحلي، مع التنبيه إلى أن بعض هذه العوامل قد يحمل أيضًا مخاطر لاحقة إذا طال أمد الاضطراب.
أما البحرين فتقع في منطقة أكثر حساسية. فهي أقل استفادة من ارتفاع أسعار النفط مقارنة بالمنتجين الكبار، وأكثر تأثرًا بارتفاع كلفة الدين العالمية، وأكثر انكشافًا على استقرار حركة الطيران والتجارة والخدمات المالية. وقد أشارت تغطيات سابقة إلى أن الكويت والبحرين من بين الاقتصادات الأكثر عرضة للانكماش إذا استمرت الاضطرابات. كما نبّهت تقارير مصرفية إلى مخاطر تخارج الودائع من البنوك الخليجية إذا توسع نطاق الصراع، وهو سيناريو لم يتحول إلى واقع عام، لكنه يبقى ضمن حسابات السيولة.
ماذا يمكن أن يغيّر الدعم، وماذا لا يغيّره؟
إذا تأكد الدعم الخليجي الذي تحدثت عنه المصادر، فمن المرجح أن ينعكس أولًا في أسواق السندات وفي توقعات السيولة قصيرة الأجل. فالمستثمرون ينظرون إلى الدعم الإقليمي، تاريخيًا، بوصفه شبكة أمان تخفض احتمال العجز عن السداد في الوقت المحدد، لا بوصفه بديلًا عن إصلاح المالية العامة. وكلما كان الدعم أوضح في حجمه ومدته وشروطه، كان أقدر على خفض علاوة المخاطر التي ظهرت في عائد سندات 2028.
أما ما لا يغيّره الدعم وحده، فهو هيكل الميزانية على المدى المتوسط. فالدين المرتفع نسبة إلى الناتج، والحاجة المتكررة إلى الإصدار، وحساسية الإيرادات غير النفطية لأي تعطل في السفر والتجارة، تبقى قائمة حتى لو توفرت سيولة طارئة. ولذلك فإن السؤال الذي ستراقبه الأسواق، إذا صدر إعلان، لن يقتصر على حجم المبلغ، بل سيشمل ما إذا كان الدعم مرتبطًا بخطوات ضبط مالي قابلة للقياس، وما إذا كان يكفي لتغطية الاحتياجات التمويلية القريبة فقط.
ما الذي تراقبه الأسواق الآن؟
تتركز المتابعة حاليًا على ثلاثة مستويات. أولها أي بيان رسمي بحريني أو خليجي يحوّل تقرير المصادر إلى التزام معلن. وثانيها حركة عوائد السندات الدولارية، وخاصة الاستحقاقات القريبة، لأنها المؤشر الأسرع على تغير تقييم المخاطر. وثالثها مسار الاحتياطيات الأجنبية وكلفة خدمة الدين، لأن استمرار انخفاض الأولى مع ارتفاع الثانية يضيق هامش المناورة حتى لو بقيت القدرة على الوصول إلى الأسواق قائمة.
وفي الخلفية، تبقى حرب إيران المتغير الأصعب على الضبط. فهي تؤثر في أسعار الطاقة والملاحة والسفر وثقة المستثمرين في آن واحد، وتختلف حدة أثرها بين دولة وأخرى. وبالنسبة إلى البحرين، فإن الجمع بين قاعدة نفطية أضيق ودين مرتفع واحتياطيات أقل وكلفة تمويل أعلى هو ما جعل مسار الدعم الخليجي يعود إلى دائرة الاهتمام، بعدما كانت الأسواق قد اختبرت في الربيع والصيف قدرة المنامة على الإصدار وعلى امتصاص الصدمة الأولى بأدواتها المحلية.
وخلاصة المشهد الراهن أن البحرين لم تصل بعد إلى نقطة إعلان حزمة خليجية جديدة، لكن المصادر التي نقلت عنها «الشرق-بلومبيرغ» ترى أنها أقرب إلى ذلك من أي وقت مضى منذ تصاعد ضغوط الخريف. وإلى أن يصدر تأكيد رسمي، سيبقى السؤال المطروح على الأسواق هو نفسه: هل يكفي اقتراب الدعم لخفض كلفة الاقتراض، أم أن المستثمرين سينتظرون رقمًا وجدولًا وشروطًا قبل أن يعيدوا تسعير مخاطر الدين البحريني؟