بيسنت: جزيرة خارك شاهدة على «فشل» النظام الإيراني بعد اختفاء ناقلات النفط

قال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، يوم الخميس 22 أكتوبر 2026، إن جزيرة خارك، المركز الرئيس لتصدير النفط الإيراني، لم تعد أكثر من نصب يشهد على فشل النظام الإيراني، بعدما اختفت ناقلات النفط الخام التي كانت تملأ ميناء التحميل الرئيس في الجزيرة. وجاء التصريح في منشور على حساب الوزير الرسمي، قارن فيه بين صورة سابقة للميناء وهو مكتظ بالناقلات، وصورة لاحقة قال إنها لا تُظهر فيها أي ناقلة نفط خام.
وكتب بيسنت، وفق نص منشوره بالإنجليزية، أن جزيرة خارك «لم تعد أكثر من نصب تذكاري للشيء الوحيد الذي ما زال النظام الإيراني قادراً على إنتاجه: الفشل». ووصف المنشور الجزيرة بأنها المحطة الرئيسة لتحميل النفط الإيراني، مشيراً إلى أن المشهد الحالي يختلف كلياً عن الصورة التي اعتادت أسواق النفط رؤيتها حين كانت الناقلات تصطف بانتظام لتحميل الخام.
ونقلت منصات إخبارية، من بينها موقع «24/7 وول ستريت»، تصريح الوزير في اليوم نفسه، مؤكدة أن خارك انتقلت، بحسب وصفه، من حالة امتلأت فيها الناقلات إلى حالة فراغ. ويأتي هذا الموقف بعد أيام من تصريحات سابقة للوزير نفسه نقلتها وسائل عربية، من بينها العربية وروداو والوطن المصرية والقاهرة الإخبارية، أكد فيها عدم رصد عمليات تحميل للنفط من المنشأة النفطية في خارك منذ أغسطس الماضي.
ماذا قال بيسنت عن الشحن والتخزين
وفق ما نقلته العربية يوم 20 أكتوبر، قال بيسنت إن إيران لم تحمّل أي شحنات نفطية من جزيرة خارك مؤخراً، وأشار إلى حالة وصفها بالذعر. ونقلت روداو عنه أن طهران لم تشحن ولم تحمّل أي نفط من الجزيرة منذ آب/أغسطس، مؤكداً عدم وجود شحنات نفطية إيرانية في البحر حالياً. كما نقلت القاهرة الإخبارية تصريحه بأن إيران لم تشحن أي كميات من النفط من خارك مؤخراً.
وفي تصريحات سابقة نقلتها وسائل إعلامية، من بينها إيران إنترناشنال، حذّر بيسنت من أن سعة التخزين في خارك ستمتلئ، وأن الآبار الإيرانية التي وصفها بالهشة ستُغلق. ويعني هذا التحذير، إن صح، أن المشكلة لن تقتصر على توقف التحميل البحري، بل قد تنتقل إلى الإنتاج نفسه إذا لم يعد هناك منفذ لتصريف الخام المتراكم.
الفارق بين التصريح والتحقق المستقل
ويبقى تصريح بيسنت موقفاً رسمياً أميركياً، لا تقريراً فنياً مستقلاً عن حركة كل ناقلة. فالوزارات وشركات تتبع السفن تعتمد ع بيانات النظام الآلي للتعرف التلقائي والصور الأقمار الصناعية وتقارير الموانئ، بينما تستخدم إيران منذ سنوات أساليب إخفاء مثل إطفاء أجهزة التتبع ونقل الشحنات من سفينة إلى أخرى في عرض البحر. لذلك يحتاج أي حكم قاطع بتوقف الصادرات تماماً إلى تراكم البيانات على مدى أسابيع، لا إلى صورة واحدة مهما بلغت دلالتها السياسية.
مع ذلك، فإن تكرار الرسالة الأميركية خلال أيام قليلة، من عدم التحميل منذ أغسطس إلى غياب الناقلات عن الرصيف، يعكس قناعة واشنطن بأن أداة الضغط الرئيسة على إيران أصبحت منفذ التصدير الأهم. وهذا ما يفسر اختيار بيسنت لغة «الفشل» بدلاً من الاكتفاء بوصف فني لحركة السفن.
لماذا تُعد خارك شريان الصادرات؟
تقع جزيرة خارك في الخليج العربي، قبالة سواحل محافظة بوشهر الإيرانية، وتُعد منذ عقود البوابة الرئيسة لخروج النفط الخام الإيراني إلى الأسواق. ويشير مجلس العلاقات الخارجية الأميركي إلى أن الجزيرة تتعامل مع نحو 90 في المئة من صادرات النفط الخام الإيرانية، وهو تقدير تكرر في تغطيات رويترز ومؤسسات تتابع تجارة النفط. وتضع هذه النسبة الجزيرة في قلب أي نقاش عن قدرة طهران على تحويل الإنتاج إلى عملة صعبة.
ولا تقتصر أهمية خارك على حجم الخام الذي يمر عبرها. فالجزيرة تضم خزانات وأرصفة تحميل وبنية تسمح باستقبال ناقلات كبيرة، وترتبط بالحقول عبر شبكة من الأنابيب والمنشآت البرية. وعندما تتوقف الناقلات عن الرسو إلى جانب هذه الأرصفة، لا يكون السؤال فقط: هل بيعت إيران شحنة هذا الأسبوع؟ بل يصبح: كم يمكن للخزانات أن تستوعب الإنتاج المستمر قبل أن تُجبر الحقول على خفض التدفق؟
النفط وميزانية الدولة
يمثل النفط المصدر الأكبر للعملة الصعبة التي تحتاج إليها إيران لتمويل الواردات وخدمة الدين والإنفاق العام. ونقلت وسائل عن بيسنت أن النفط يمثل نحو 80 في المئة من الصادرات الإيرانية، في سياق حديثه عن أثر استمرار الضغط على الموانئ. وسواء استقرت هذه النسبة عند مستواها الدقيق أم تغيرت قليلاً مع تقلب الأسعار، فإن الدلالة الاقتصادية واضحة: أي انقطاع ممتد في خارك ينتقل سريعاً إلى الموارد العامة وسوق العملة.
وقد تعودت إيران، خلال سنوات العقوبات، على بيع جزء كبير من نفطها بخصومات كبيرة عبر شبكة من الوسطاء والناقلات التي تُغيّر ملاكيتها وأعلامها. واستفاد المشترون، وفي مقدمتهم الصين تاريخياً، من سعر أقل من السوق المعلنة. أما إذا توقف التحميل من المنفذ الرئيس، فإن هذه الشبكة تفقد المادة الأولى التي تتاجر بها، مهما بقيت قادرة على إخفاء المسار.
العقوبات والحصار البحري
ليست خارك وافداً جديداً على لغة الإدارة الأميركية. فقد ظهرت الجزيرة مراراً في تصريحات بيسنت خلال عام 2026، في سياق الحديث عن منع تصدير النفط الإيراني وعن الضغوط المرتبطة بمضيق هرمز. ونقلت العربية في وقت سابق تأكيده استمرار الحصار ومنع التصدير من الجزيرة. كما نقلت وكالة إيران إنترناشنال في أغسطس، نقلاً عن صحيفة فاينانشال تايمز، أن المحطة ظلت خاملة منذ نهاية يوليو، استناداً إلى بيانات شحن وصور أقمار صناعية.
ويجعل هذا التسلسل تصريح 22 أكتوبر امتداداً لرسالة بدأت قبل أسابيع: الولايات المتحدة تقول إن العقوبات والإجراءات البحرية أوقفت تدفق الخام من أهم منفذ إيراني. وفي المقابل، لم تُنشر حتى ساعة إعداد هذا التقرير بيانات رسمية إيرانية مفصلة تؤكد أو تنفي غياب الناقلات بالصورة التي عرضها بيسنت. والصمت الرسمي، إن استمر، لا يلغي التصريح الأميركي، لكنه يجعل السوق تعتمد ع مصادر تتبع مستقلة لتقدير حجم الانقطاع.
الأثر المحتمل في الأسواق
لا يعني اختفاء الناقلات من خارك، حتى لو ثبت بالكامل، اختفاء النفط الإيراني من الاقتصاد العالمي بين ليلة وضحاها. فالسوق تنظر إلى حجم العرض الفعلي الذي يصل إلى المصافي في آسيا، لا إلى عدد السفن المرابطة في لحظة التصوير. كما أن جزءاً من النفط الإيراني كان يُخزّن على متن ناقلات في البحر، ما يعني أن توقف التحميل قد يسبق توقف التسليم للمشترين بأسابيع.
لكن الأثر التراكمي مختلف. فإذا ظلت الخزانات ممتلئة ولم تعد الناقلات، فإن الخيارات أمام المنتج تضيق: إما خفض الإنتاج، أو البحث عن مسارات بديلة أقل كفاءة وأكثر كلفة، أو قبول خصومات أكبر لإغراء المشتري بتحمل مخاطر العقوبات. وكل خيار من هذه الخيارات يقلص الإيراد الصافي للبرميل. وهنا تكمن الأهمية السياسية للصورة التي نشرها بيسنت: هي ليست مجرد دليل على فراغ رصيف، بل رسالة إلى المشترين والوسطاء بأن تكلفة التعامل مع النفط الإيراني قد ترتفع أكثر.
وتُظهر العقوبات الأميركية المشترين والناقلين وشركات التأمين والمصارف التي تسهّل الدفع. وقد أكد بيسنت في تصريحات سابقة، بحسب ما نقلته وسائل عربية، أن واشنطن تعرف الجهات التي تساعد إيران، في إشارة إلى استمرار الملاحقة لشبكة التهريب. وهذا النوع من الرسائل يستهدف رفع مخاطر السمعة والامتثال للقانون لدى الشركات التي تمتلك سفناً أو تؤمن الشحنات أو تفتح حسابات للدفع.
خلفية سياسية لا تنفصل عن السوق
يأتي التصريح في وقت تتداخل فيه ملفات العقوبات وأمن الملاحة في الخليج. فمنذ بداية العام، ظل مضيق هرمز وحركة الناقلات في صلب التوتر الإقليمي، وتعرضت سفن لهجمات واضطرابات في التأمين ومسارات العبور. وفي هذا الإطار، تستخدم واشنطن صورة خارك للقول إن الضغط لا يقتصر على البيانات الرسمية، بل يظهر في الميناء الذي كان يُفترض أن يكون الأكثر ازدحاماً.
ولا يغيّر هذا الخطاب حقيقة أن النفط سلعة عالمية. فأي انخفاض مستدام في العرض الإيراني قد يرفع هامش المخاطر في الأسعار، خصوصاً إذا تزامن مع اضطراب في هرمز أو مع تقلص إنتاج منتجين آخرين. وفي الوقت نفسه، قد يجد المستهلكون في آسيا بدائل من منتجين آخرين إذا ارتفع سعر الخام الإيراني بعد الخصم إلى مستوى لا يعوّض مخاطر العقوبات. وهذا ما يجعل الأسابيع المقبلة حاسمة لمعرفة ما إذا كان فراغ الميناء مؤقتاً أم بداية انخفاض أطول.
ما الذي يراقبه السوق الآن؟
يتركز المتابعون على ثلاث علامات. الأولى هي عودة أي ناقلة إلى جانب أرصفة خارك، لأن رسوًا واحداً لن يلغي رواية الانقطاع، لكنه سيظهر ما إذا كانت طهران قادرة على استئناف التحميل. والثانية هي مستوى التخزين في الجزيرة، لأن امتلاء الخزانات هو الخط الذي حذّر منه بيسنت قبل أن تُغلق الآبار. والثالثة هي حركة الناقلات في المياه الدولية، لأن بعض الشحنات قد يكون قد غادر الميناء قبل أسابيع وما زال في طريقه إلى المشتري.
كما سيراقب السوق أي رد إيراني رسمي على وصف الجزيرة بأنها نصب للفشل. فالنفي المباشر قد لا يكون كافياً إذا استمرت شركات التتبع في نشر صور تُظهر الأرصفة فارغة. أما الاعتراف بوجود عطل فني أو تأجيل للتحميل فقد يُفسّر على أنه مؤقت، من دون أن يلغي الضغط المالي والبحري.
وفي الحصيلة، يحوّل تصريح بيسنت جزيرة خارك من منشأة نفطية إلى مؤشر سياسي. فالوزير لا يكتفي بالقول إن الناقلات غابت، بل يربط هذا الغياب بما يصفه بفشل النظام في تأمين أهم مصدر للعملة الصعبة. وسواء اعتُبر هذا الوصف دقيقاً من الناحية الفنية أم ظل جزءاً من حرب الرسائل، فإن السؤال الذي ستجيب عنه الأيام المقبلة هو ما إذا كانت الناقلات ستعود إلى الميناء، أم أن الفراغ الذي عرضه وزير الخزانة الأميركي سيتحول إلى انخفاض قابل للقياس في صادرات إيران من النفط.