الهيئة العامة للصناعات العسكرية: توطين الإنفاق العسكري يرتفع إلى 27.30% في 2025
✍️ فرحان المزعل
شارك:
✍️ فرحان المزعل
أعلنت الهيئة العامة للصناعات العسكرية ارتفاع نسبة توطين الإنفاق العسكري في المملكة العربية السعودية إلى 27.30% بنهاية عام 2025، مقابل 19.35% في عام 2024، وعدّت هذا التقدم ثمرة التكامل بين القطاعين العام والخاص، وخطوة إضافية نحو مستهدف رؤية المملكة 2030 القاضي بتوطين أكثر من 50% من الإنفاق العسكري بحلول عام 2030.
ويُعدّ هذا المؤشر من أبرز المعلمات الكمية لتطور قطاع الصناعات العسكرية في المملكة، إذ يعكس حجم الإنفاق العسكري الذي يبقى داخل الاقتصاد الوطني عبر التصنيع والتجميع والصيانة والبحوث وسلسلة التوريد المحلية، بدلًا من توجهه كاملًا نحو الاستيراد الخارجي.
## ما الذي تعنيه نسبة التوطين؟
تقيس نسبة توطين الإنفاق العسكري حصة المشتريات والعقود العسكرية التي تُنفّذ من خلال منشآت وشركات عاملة داخل المملكة، سواء كانت مملوكة للدولة أو للقطاع الخاص المحلي أو لشراكات أجنبية أنشأت قواعد تصنيع وخدمات داخل السوق السعودية. وكلما ارتفعت النسبة، زاد حجم القيمة المضافة المحلية في سلسلة التوريد الدفاعية، من المكونات وقطع الغيار إلى التجميع والصيانة والتدريب ونقل التقنية.
ولا تعني النسبة بالضرورة أن كل منظومة سلاح تُصنّع بالكامل داخل المملكة، بل تعني أن جزءًا متناميًا من قيمة العقد يُنفق محليًا. وهذا التمييز مهم، لأن سياسة التوطين السعودية تقوم على تدرج القدرات: البدء بالصيانة والتجميع والتصنيع بتراخيص، ثم الانتقال إلى تصنيع المكونات، والوصول لاحقًا إلى تصميم أنظمة أكثر تعقيدًا وتطويرها.
## قفزة من 19.35% إلى 27.30%
الانتقال من 19.35% في 2024 إلى 27.30% في 2025 يُعدّ واحدًا من أوضح التحركات السنوية في هذا المؤشر منذ إطلاق برنامج التوطين. والفارق يقارب ثماني نقاط مئوية في عام واحد، وهو ما يعني أن حصة أكبر من كل ريال يُنفق على المشتريات العسكرية باتت تُوظّف داخل الاقتصاد السعودي.
ويأتي هذا التحسن بعد مسار تراكمي. فقد كانت النسبة قريبة من 4% في عام 2018، ثم ارتفعت إلى نحو 7.7% في 2020، وواصلت الصعود تدريجيًا حتى بلغت 19.35% في 2024، قبل أن تسجل 27.30% في 2025. وهذا المسار يُظهر أن النتيجة الجديدة ليست قفزة معزولة، بل حصيلة سنوات من بناء المصانع وتعديل سياسات الشراء واستقطاب الشراكات.
وعلى هذا الأساس، فإن المملكة قطعت أكثر من نصف المسافة الرقمية نحو مستهدف تجاوز 50% بحلول 2030، لكن النصف المتبقي هو الأصعب، لأنه يتطلب نقل تقنيات أكثر تعقيدًا ورفع نسبة المحتوى المحلي في العقود الكبرى، لا مجرد زيادة عدد الشركات المرخصة.
## دور الهيئة العامة للصناعات العسكرية
تتولى الهيئة العامة للصناعات العسكرية تنظيم القطاع وترخيص الشركات ووضع سياسات المشتريات العسكرية ومتابعة مؤشر التوطين. ومنذ تأسيسها، انتقل القطاع من نموذج يعتمد أساسًا على الاستيراد إلى نموذج يربط عقود التسليح بالتصنيع المحلي ونقل المعرفة وبناء سلاسل توريد وطنية.
وتشير الهيئة إلى أن النتيجة المسجلة في 2025 ثمرة تكامل بين القطاعين العام والخاص. فالجهات الحكومية تضع السياسات وتوفر الطلب المستقر من خلال المشتريات العسكرية، فيما تُنفّذ الشركات الخاصة والشراكات الدولية العاملة في المملكة جزءًا متناميًا من الإنتاج والخدمات. ومن دون هذا التكامل، تبقى المصانع من دون طلب كافٍ لتحقيق جدوى اقتصادية.
## رؤية 2030 ومستهدف تجاوز 50%
يندرج توطين الإنفاق العسكري ضمن مستهدفات رؤية المملكة 2030 المرتبطة بتنويع الاقتصاد وتعزيز القدرات الصناعية ورفع مساهمة القطاع الخاص. والمستهدف المعلن هو توطين أكثر من 50% من الإنفاق العسكري بحلول عام 2030.
ووصول النسبة إلى 27.30% في 2025 يعني أن المملكة تحتاج خلال السنوات الخمس المقبلة إلى رفع النسبة بأكثر من عشرين نقطة مئوية إضافية. وهذا يتطلب استمرار توسيع قاعدة التصنيع، وربط العقود الجديدة بالتصنيع المحلي، وتعميق المحتوى المحلي في الأنظمة الكبرى مثل الطيران والأنظمة البحرية والبرية والذخائر والإلكترونيات.
كما أن المستهدف لا يُقاس فقط بالنسبة، بل بجودة ما يُوطّن. فالفرق كبير بين توطين أعمال الصيانة والتجميع، وبين توطين تصميم الأنظمة وتطوير البرمجيات والمكونات الحساسة. والمسار السعودي المعلن يسعى إلى الجمع بين الأمرين: رفع النسبة، ورفع مستوى التعقيد التقني في الوقت نفسه.
## القطاع الخاص وسلاسل التوريد
لا يمكن للمصانع الكبرى وحدها أن ترفع بنسبة التوطين إلى المستوى المستهدف. فالمحتوى المحلي يعتمد على شبكة من الموردين الصغار والمتوسطين القادرين على توفير المكونات وقطع الغيار وخدمات الهندسة والفحص والجودة. وكلما اتسعت هذه الشبكة، أصبح الإنفاق العسكري أكثر قدرة على توليد وظائف واستثمارات خارج نطاق الشركات الكبرى.
وقد شهد القطاع خلال السنوات الأخيرة تأسيس شركات وطنية ودخول شراكات دولية أنشأت مراكز تصنيع وصيانة في المملكة، إلى جانب برامج لتأهيل المنشآت المحلية للدخول في سلاسل التوريد. وهذه البيئة هي التي تفسر، بحسب بيان الهيئة، القفزة المسجلة في نسبة التوطين خلال عام 2025.
## الأثر الاقتصادي والوظيفي
لا يقتصر أثر التوطين على القطاع الدفاعي. فكل ريال يُنفق داخل المملكة يدعم التشغيل والتدريب ونقل التقنية ويُنشئ طلبًا على خدمات مساندة في اللوجستيات والهندسة والفحص والجودة. كما أن الصناعات العسكرية تُعدّ من القطاعات ذات القيمة المضافة العالية، لأنها ترتبط بالتصنيع المتقدم والإلكترونيات والمواد والبرمجيات.
ومن الناحية المالية، يساعد التوطين على إبقاء جزء أكبر من الإنفاق داخل الدورة الاقتصادية المحلية، بدلًا من خروجه بالكامل على شكل واردات. كما يُتيح للشركات السعودية، على المدى المتوسط، فرصة لبناء سجل تشغيلي يؤهلها لاحقًا للمنافسة في أسواق التصدير، شريطة الالتزام بالضوابط والتراخيص المعتمدة.
## السيادة الصناعية والاستقلال التشغيلي
يرتبط الإعلان أيضًا بمفهوم أوسع هو السيادة الصناعية في القطاع الدفاعي. فالقدرة على صيانة المنظومات وتجميعها وتصنيع جزء من مكوناتها داخل المملكة تُقلل الاعتماد على سلاسل التوريد الخارجية في أوقات الضغط، وتُسرّع جاهزية القوات. وهذا البعد لا يُلغي الشراكات الدولية، لكنه يعيد توزيع الأدوار بحيث تصبح المملكة شريكًا منتجًا لا مستوردًا فقط.
وفي هذا الإطار، تُعدّ نسبة 27.30% مؤشرًا على أن جزءًا معتبرًا من الإنفاق أصبح يُدار من خلال منظومة صناعية وطنية. والخطوة التالية هي تثبيت هذا المكسب ورفع نسبة المكونات والخدمات المصنعة محليًا داخل العقود الجديدة، لا الاكتفاء بالتجميع النهائي فقط.
## ما الذي يحتاجه المسار المقبل؟
للوصول إلى أكثر من 50% بحلول 2030، تبدو عدة متطلبات واضحة من واقع القطاع. أولها استمرار الطلب الحكومي على المنتجات المحلية عبر سياسات المشتريات. وثانيها رفع كفاءة الشركات الوطنية لتلبية معايير الجودة العسكرية. وثالثها جذب استثمارات تنقل تقنية حقيقية لا مجرد تجميع نهائي. ورابعها بناء كوادر بشرية مؤهلة في الهندسة والتصنيع والصيانة.
كما أن الشفافية في قياس النسبة تبقى عنصرًا أساسيًا لثقة المستثمرين والشركاء. فالإعلان السنوي عن النسبة، مع مقارنتها بالعام السابق، يُتيح للسوق تقييم مدى التقدم ويشجع الشركات على رفع استثماراتها المحلية.
## خلاصة
يُظهر إعلان الهيئة العامة للصناعات العسكرية أن قطاع الصناعات العسكرية السعودي انتقل من مرحلة التأسيس إلى مرحلة تحقيق نتائج قابلة للقياس. فارتفاع نسبة توطين الإنفاق العسكري إلى 27.30% في عام 2025، من 19.35% في العام السابق، يعكس تكاملًا بين القطاعين العام والخاص، ويضع المملكة في موقع أقرب من مستهدف رؤية 2030.
غير أن المسار المتبقي يتطلب استمرار الاستثمار في المصانع والكوادر وسلاسل التوريد، وربط العقود الجديدة بنقل تقنية فعلي. وإذا استمر هذا المسار، فإن نسبة 2025 لن تكون مجرد رقم سنوي، بل مؤشرًا على تحول هيكلي في كيفية إنفاق المملكة على أمنها وصناعتها.