الهيئة العامة للصناعات العسكرية: توطين الإنفاق العسكري يصل إلى 27.30% في 2025
✍️ عبدالحكيم طارق
شارك:
✍️ عبدالحكيم طارق
أعلنت الهيئة العامة للصناعات العسكرية ارتفاع نسبة توطين الإنفاق العسكري في المملكة العربية السعودية إلى 27.30% في عام 2025، مؤكدة أن هذا التقدم ثمرة التكامل بين القطاعين العام والخاص، وخطوة ضمن مسار تحقيق مستهدف رؤية المملكة 2030 القاضي بتوطين أكثر من 50% من الإنفاق العسكري بحلول عام 2030.
ويُعدّ هذا المستوى مؤشرًا مركزيًا في ملف بناء قاعدة صناعية عسكرية وطنية، بعد سنوات من تطوير الأنظمة والتشريعات وجذب الاستثمارات وتوسيع المشاركة المحلية في سلاسل الإمداد المرتبطة بالمشتريات العسكرية. وتشير النسبة المعلنة إلى أن قرابة ثلث الإنفاق العسكري أصبحت تُنفق داخل الاقتصاد الوطني، سواء عبر منشآت محلية أو شراكات أجنبية تُنتج جزءًا من مخرجاتها في المملكة، وهو ما يعكس انتقالًا تدريجيًا من نموذج الاستيراد المباشر إلى نموذج الإنتاج والتطوير المحلي.
## ماذا يعني توطين الإنفاق العسكري؟
يُقصد بتوطين الإنفاق العسكري رفع حصة المحتوى المحلي في العقود والمشتريات المتعلقة بالقطاع العسكري والأمني، بحيث يبقى جزء أكبر من قيمة الإنفاق داخل الاقتصاد السعودي على شكل تصنيع وتجميع وصيانة وبحوث وتوظيف وسلاسل توريد محلية. ولا يقتصر هذا المسار على تجميع نهائي لمنظومات مستوردة، بل يشمل نقل المعرفة وبناء قدرات تصنيع وصيانة وتطوير داخل المملكة، بما يخدم الأمن الوطني والتنويع الاقتصادي معًا.
وكانت نسبة التوطين عند إطلاق رؤية 2030 في مستويات منخفضة نسبيًا، قبل أن تبدأ مسيرة صعود متدرجة مع تأسيس الهيئة العامة للصناعات العسكرية وإنشاء الشركة السعودية للصناعات العسكرية وتوسيع دور القطاع الخاص. وبلوغ النسبة 27.30% في 2025 يعني أن المملكة قطعت شوطًا ملموسًا من المسار نحو المستهدف، مع بقاء مسافة واضحة يجب قطعها خلال السنوات الخمس المقبلة للوصول إلى أكثر من نصف الإنفاق.
## التكامل بين القطاع العام والقطاع الخاص
أكدت الهيئة أن النتيجة المحققة ثمرة تكامل مباشر مع القطاعين العام والخاص. ويُمثّل هذا التكامل جوهر السياسة الصناعية العسكرية السعودية، إذ يضع القطاع العام الأطر التنظيمي ومعايير الجودة والرخص والطلب الحكومي، فيما يدخل القطاع الخاص بوصفه منفّذًا ومستثمرًا ومزوّدًا للمكونات والخدمات.
ويشمل هذا التكامل عدة مسارات مترابطة. أولها تنظيم قطاع الصناعات العسكرية ومنح التراخيص للمنشآت المحلية والأجنبية العاملة داخل المملكة. وثانيها ربط عقود المشتريات الكبرى بالتزامات محتوى محلي ونقل تقنية. وثالثها تمكين المنشآت الصغيرة والمتوسطة من دخول سلاسل الإمداد بوصفها موردين للشركات الكبرى. ورابعها بناء قدرات بشرية مؤهلة في الهندسة والتصنيع والجودة والسلامة الصناعية.
ومن دون هذا التكامل، يصعب تحويل الطلب الحكومي الكبير إلى فرص إنتاج مستدامة. فالشركات لا تستثمر في مصانع وخطوط إنتاج إلا إذا وجدت طلبًا واضحًا وإطارًا تنظيميًا مستقرًا وشراكة مع جهات المشتريات. وهذا ما جعل الهيئة تربط النتيجة المعلنة بالعمل المؤسسي لا بظرف عارض واحد.
## المسار نحو مستهدف رؤية 2030
تنص رؤية المملكة 2030 على توطين أكثر من 50% من الإنفاق العسكري بحلول عام 2030. وبلوغ النسبة 27.30% في 2025 يضع المملكة في منتصف الطريق تقريبًا، مع الحاجة إلى تسريع الوتيرة خلال الأعوام المتبقية لإضافة أكثر من عشرين نقطة مئوية.
وهذا الفارق ليس هيّنًا من الناحية الصناعية. فكلما ارتفعت النسبة، أصبح المطلوب هو دخول مجالات أعقد تقنيًا، مثل الأنظمة الإلكترونية والذخائر والمواد المتقدمة والصيانة الثقيلة والتكامل بين المنظومات. وهذه المجالات تحتاج إلى رأس مال أكبر ووقت أطول لبناء القدرة، وإلى شراكات تقنية مع شركات عالمية تنقل جزءًا من التصنيع والبحث والتطوير إلى الداخل.
كما أن الوصول إلى المستهدف يتطلب استمرار الطلب الحكومي على نحو يسمح للمصانع بالعمل بطاقة مجدية، لأن الطاقة العاطلة ترفع بتكلفة الوحدة وتضعف جدوى الاستثمار. ولذلك ترتبط السياسة الصناعية العسكرية بين تلبية احتياجات القوات المسلحة وبناء قاعدة تصدير محتملة على المدى المتوسط، بما يُحسّن اقتصاديات الحجم للمصانع المحلية.
## الأثر الاقتصادي للتوطين
يتجاوز أثر توطين الإنفاق العسكري البعد الأمني إلى البعد الاقتصادي. فكل نقطة مئوية إضافية من المحتوى المحلي تعني إبقاء جزء أكبر من الإنفاق داخل الدورة الاقتصادية المحلية، على شكل أجور وعقود موردين واستثمارات رأسمالية وضرائب ونقل معرفة. وهذا يتوافق مع هدف التنويع الاقتصادي الذي تسعى المملكة إلى تعزيزه بتقليل الاعتماد على الإيرادات النفطية وتوسيع قطاعات التصنيع والخدمات ذات القيمة المضافة.
ويُنشئ قطاع الصناعات العسكرية وظائف مهارية عالية الجودة في الهندسة والتشغيل والجودة وإدارة سلاسل الإمداد. كما أنه يفتح فرصًا أمام المنشآت الصغيرة والمتوسطة التي تستطيع توريد مكونات وخدمات للشركات الكبرى، بدلًا من اقتصار النشاط على عدد محدود من الكيانات الكبيرة. وهذا التوسع في قاعدة الموردين هو ما يجعل التوطين مستدامًا، لأن المنظومة النهائية لا تكتمل من دون شبكة مكونات ومواد وخدمات مساندة.
ويساهم القطاع أيضًا في نقل التقنية ورفع معايير الجودة في صناعات مجاورة، مثل الإلكترونيات والمواد المتقدمة والصيانة والبرمجيات الصناعية. فكثير من التقنيات المستخدمة في التصنيع العسكري تجد تطبيقات مدنية في الطيران والاتصالات والطاقة والأمن السيبراني، ما يضاعف العائد الاقتصادي للاستثمار الأولي.
## البيئة التنظيمية والاستثمارية
تضطلع الهيئة العامة للصناعات العسكرية بتنظيم قطاع الصناعات العسكرية في المملكة ومتابعة مؤشر التوطين وتمكين الاستثمار. ومن بين أدواتها ترخيص المنشآت ووضع الضوابط الفنية وربط المستثمرين المحليين والدوليين بالفرص المتاحة في سلاسل الإمداد.
وقد شهد القطاع خلال السنوات الماضية توسعًا في عدد الشركات المرخصة، وفي حجم الاستثمارات الموجهة نحو إنشاء مصانع ومراكز صيانة وتطوير. كما أصبحت معارض الدفاع العالمية التي تشارك فيها المملكة منصة لعرض القدرات المحلية وجذب شراكات دولية تبحث عن قاعدة إنتاج في المنطقة. وهذا الحضور لا يقتصر على التسويق، بل يساعد على بناء شراكات طويلة الأمد تنقل جزءًا من سلاسل القيمة إلى المملكة.
وتعد الشفافية في قياس نسبة التوطين عنصرًا مهمًا لثقة المستثمرين والرأي العام. فالإعلان عن نسبة محددة مثل 27.30% يسمح بمتابعة التقدم سنويًا، ويُظهر الفجوة المتبقية حتى المستهدف، ويُعطي القطاع الخاص إشارة واضحة بأن السوق المحلية ما زالت تتوسع. كما أن وجود جهة مرجعية واحدة تُصدر الرقم يقلل التباين في التقديرات ويسهّل مقارنة الأداء عامًا بعد عام.
## الشراكات الدولية ونقل التقنية
لا يعني التوطين الاستغناء الكامل عن الشراكات الدولية، بل إعادة تشكيل العلاقة معها. فبدلًا من اقتصار التعاون على شراء منتج جاهز، أصبح المطلوب أن تُنتج جزءًا من المنظومات داخل المملكة، مع تدريب الكوادر السعودية ونقل جزء من المعرفة الفنية وبناء قدرة على الصيانة والتطوير اللاحق.
وهذا النموذج يخدم طرفي العلاقة. فالمملكة تحصل على قدرة إنتاج محلية ووظائف ومحتوى محلي، والشركة الأجنبية تحصل على وجود طويل الأمد في سوق كبيرة وقاعدة لخدمة المنطقة. كما أن وجود مصانع محلية يُقلل مخاطر انقطاع سلاسل الإمداد العالمية، ويرفع جاهزية القوات في الحصول على قطع الغيار والصيانة في الوقت المناسب.
ومن المجالات التي تشهد اهتمامًا متزايدًا في هذا السياق: الذخائر والمركبات المدرعة والأنظمة الإلكترونية والاتصالات والطائرات بدون طيار والسفن والصيانة والدعم اللوجستي. وليست كل هذه المجالات في المستوى نفسه من النضج، لكن توسيع قاعدتها معًا هو ما يرفع نسبة التوطين على نحو مستدام.
## الكوادر البشرية والبحث والتطوير
لا يكتمل التوطين بالمصانع وحدها. فالقدرة على تشغيل خط إنتاج عسكري تتطلب مهندسين وفنيين ومتخصصي جودة ومديري سلاسل إمداد يفهمون متطلبات القطاع. ولذلك ارتبط مسار الصناعات العسكرية ببرامج تدريب وشراكات مع الجامعات ومراكز البحث، بما يضمن توفر الكفاءات التي تحتاج إليها المصانع الجديدة.
كما أن الاستثمار في البحث والتطوير يُمكّن المملكة من الانتقال تدريجيًا من التجميع والتصنيع بتراخيص أجنبية إلى تطوير منتجات تحمل بصمة محلية. وهذا الانتقال هو ما يرفع القيمة المضافة ويفتح باب التصدير إلى أسواق إقليمية ودولية، بدلًا من الاكتفاء بالطلب المحلي. وكلما اتسعت قاعدة العملاء، أصبح الاستثمار في المصانع أكثر جدوى وأقل ارتباطًا بدورة مشتريات واحدة.
## التحديات المتبقية حتى 2030
رغم التقدم المعلن عنه، فإن الوصول إلى أكثر من 50% بحلول 2030 يتطلب مواصلة العمل على عدة جبهات. أولها تعميق المحتوى المحلي، بحيث لا يقتصر على التجميع البسيط بل يشمل تصنيع مكونات ذات قيمة أعلى. وثانيها ضمان جودة المنتج المحلي وقدرته على المنافسة. وثالثها بناء سلاسل توريد محلية قادرة على تلبية متطلبات المصانع الكبرى في الوقت والمواصفة المطلوبة.
ورابعها استمرار جذب رأس المال الأجنبي الشريك لا المستثمر العابر. فالصناعات العسكرية تحتاج إلى التزام طويل الأمد ونقل معرفة حقيقي. وخامسها ربط المخرجات الصناعية باحتياجات القوات المسلحة فعليًا، بحيث لا يُنتج ما لا يُطلب، ولا يُستورد ما يمكن تصنيعه محليًا بجودة منافسة.
ويُضاف إلى ذلك تحدي التنسيق بين الجهات المشترية والمصنّعة والموردة. فالعقد العسكري طويل الدورة، والمصنع يحتاج إلى رؤية واضحة للطلب قبل أن يستثمر. وكلما كانت خطط المشتريات أكثر وضوحًا، استطاع القطاع الخاص توجيه رأسماله بدقة أعلى. وهذا التنسيق هو ما تصفه الهيئة بالتكامل مع القطاعين العام والخاص.
## دلالة الرقم في سياق السياسة الصناعية
لا يُقرأ رقم 27.30% بمعزل عن المسار الذي سبقه. فالمملكة انتقلت خلال أقل من عقد من نسبة توطين منخفضة إلى ما يقارب ثلث الإنفاق. وهذا الانتقال يعني أن البنية التنظيمية والاستثمارية بدأت تُنتج أثرًا قابلًا للقياس، لا مجرد إعلانات عن نوايا. كما أنه يعني أن القطاع الخاص، محليًا وأجنبيًا، وجد في السوق السعودية ما يبرر توسيع الإنتاج.
وفي الوقت نفسه، فإن المسافة المتبقية حتى 2030 أكبر من المسافة التي قُطعت حتى الآن إذا قيست بالنقاط المئوية المطلوبة. وهذا يجعل السنوات المقبلة فاصلة في تحديد ما إذا كان التقدم سيستمر بالوتيرة نفسها أم سيتسارع. والهيئة، بإعلانها النسبة، تضع الرقم أمام الرأي العام والقطاع الخاص بوصفه نتيجة مرحلة لا نهاية مسار.
## الأمن الوطني والاقتصاد في معادلة واحدة
يجمع ملف توطين الإنفاق العسكري بين هدفين لا ينفصلان في السياسة السعودية: تعزيز الأمن الوطني وتنويع الاقتصاد. فالقدرة على تصنيع جزء من الاحتياج العسكري داخل المملكة تُقلل التعرض لتقلبات الأسواق العالمية وترفع جاهزية القوات، فيما يخلق الإنفاق نفسه قيمة اقتصادية ووظائف وفرص استثمار.
وإعلان الهيئة العامة للصناعات العسكرية عن بلوغ النسبة 27.30% في 2025 يؤكد أن هذا المسار ما زال يتقدم، وأن التكامل بين القطاع العام والقطاع الخاص هو الأداة التي تحوّل المستهدف إلى نتيجة قابلة للقياس. والسؤال الآن ليس عما إذا كان القطاع قادرًا على النمو، بل عما إذا كان قادرًا على تسريع هذا النمو بالقدر الذي يوصل به إلى مستهدف رؤية 2030 في الموعد المحدد.
وتبقى المرحلة المقبلة اختبارًا لقدرة المنظومة الصناعية العسكرية على تحويل الطلب المتراكم إلى إنتاج فعلي، ولقدرة الكوادر السعودية على إدارة مصانع أكثر تعقيدًا، ولقدرة الشراكات الدولية على الالتزام بنقل التقنية لا بالبيع فقط. فإذا استمر هذا التوازن، فإن نسبة 27.30% ستكون محطة في طريق أطول، لا نهاية للقصة.
وفي المحصلة، فإن ما أعلنته الهيئة يعكس نضج مرحلة من البناء المؤسسي، ويضع المملكة أمام استحقاق أكبر في السنوات المتبقية: تحويل الزخم المتحقق إلى قاعدة صناعية قادرة على تجاوز نصف الإنفاق العسكري داخل الاقتصاد الوطني بحلول عام 2030، دون التفريط في جودة المنتج أو في قدرة القوات على الحصول على ما تحتاج إليه في الوقت المناسب.