الخارجية السعودية: زيارة الأمير خالد بن سلمان إلى طهران لدفع خفض التصعيد ودعم الحلول الدبلوماسية
✍️ طلال الدوسري
شارك:
✍️ طلال الدوسري
أكدت وزارة الخارجية السعودية أن زيارة وزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان إلى طهران، بمشاركة دول اتفاقية مكة للدفاع المشترك، تأتي في إطار جهود خفض التصعيد في المنطقة، وتشجيع الحلول الدبلوماسية، ودعم الوساطة القطرية والباكستانية. وأوضحت الوزارة أن الزيارة تستهدف اللقاء بكبار المسؤولين الإيرانيين، وتأتي امتدادًا لدور المملكة العربية السعودية في ترسيخ مسارات الحوار وتجنب توسع الخلافات إلى مواجهات أوسع نطاقًا.
وتكتسب هذه الزيارة أهميتها من كونها تأتي في وقت تشهد فيه المنطقة تراكم ملفات أمنية متشابكة، من المضيق والملاحة البحرية إلى استقرار الدول وسلامة ممرات الطاقة. ويعكس اختيار وزير الدفاع رأسًا لوفد يضم دولًا موقّعة على اتفاقية مكة للدفاع المشترك رغبة المملكة في أن يكون الحوار مع طهران جماعيًا قدر الإمكان، لا ثنائيًا معزولًا، بما يعزز وزن المطالب الخليجية المشتركة ويمنح الرسالة طابعًا مؤسسيًا لا فرديًا.
## سياق الزيارة وأهدافها المعلنة
بيّنت وزارة الخارجية السعودية أن الزيارة تندرج ضمن مسعى أوسع يستهدف خفض التصعيد، وهو مصطلح دبلوماسي يشير إلى إجراءات عملية تهدف إلى تخفيض احتمال الانزلاق نحو مواجهة مباشرة، سواء عبر قنوات التواصل المباشر أو عبر وساطات تحظى بقبول الأطراف. ويأتي التشديد على تشجيع الحلول الدبلوماسية منسجمًا مع الخط السياسي السعودي الثابت، القائم على أن استقرار المنطقة لا يتحقق بالقوة وحدها، بل بتوافقات تراعي مصالح الدول وسيادتها.
كما أشارت الوزارة إلى دعم الوساطة القطرية والباكستانية. ويحمل هذا الإشارة دلالة مزدوجة: فمن جهة، يؤكد أن الرياض لا تسعى إلى احتكار قناة التواصل مع طهران، بل تدعم جهود أطراف أخرى تحظى بعلاقات تؤهلها للوساطة. ومن جهة أخرى، يظهر أن المملكة ترى في تعدد الوسطاء عاملًا مساعدًا على إبقاء خطوط التواصل مفتوحة، حتى في الظروف التي تتعقد فيها قنوات الحوار المباشر.
وتمتلك قطر تجربة متراكمة في الوساطة الإقليمية والدولية، بينما تجمع باكستان بين علاقات تاريخية مع إيران وشراكة استراتيجية مع دول مجلس التعاون الخليجي. ودعم الرياض لهاتين الوساطتين معًا يعني أن المملكة تفضّل معالجة ملفات التوتر عبر شبكة من القنوات المتكاملة، بدلًا من الرهان على مسار واحد قد يتعطل تحت ضغط الأحداث.
## اتفاقية مكة للدفاع المشترك
تُعدّ اتفاقية مكة للدفاع المشترك إحدى الوثائق الأمنية الرئيسة في إطار مجلس التعاون لدول الخليج العربية. ووُقّعت في مكة المكرمة في نوفمبر 2019، خلال القمة الخليجية الأربعين، وتُعرف أيضًا باسم «اتفاقية الدفاع المشترك». وتنص الاتفاقية على أن أي اعتداء على إحدى الدول الأعضاء يُعدّ اعتداءً على جميع الدول، وأن أي خطر يهدد إحداها يمثل خطرًا على المنظومة الدفاعية الجماعية.
ويُنظر إلى هذه الاتفاقية بوصفها تطويرًا لمفهوم الأمن الجماعي الخليجي، بعد سنوات من التنسيق الأمني عبر لجان ومناورات مشتركة لم ترتقّ إلى مستوى التزام دفاعي ملزم. وقد جاء التوقيع في ظل تحديات أمنية متصاعدة شهدتها المنطقة خلال عام 2019، ما دفع القادة الخليجيين إلى تعزيز الإطار القانوني والعملي للتضامن.
ومشاركة دول الاتفاقية في زيارة طهران لا تعني بالضرورة أن الوفد يتحرك بصفته العسكرية. فالبيان السعودي وضع الزيارة في خانة خفض التصعيد والحلول الدبلوماسية. غير أن حضور الإطار الدفاعي المشترك يرسل رسالة مفادها أن الدول الخليجية تتحدث بصوت متنسق حين يتعلق الأمر بأمن المنطقة، وأن الحوار لا يلغي الحسابات الدفاعية المشتركة بل يضعها في سياق الوقاية والردع.
## دور المملكة في إدارة التوتر الإقليمي
انخرطت المملكة العربية السعودية، خلال السنوات الأخيرة، في مسار مزدوج: تعزيز قدراتها الدفاعية وشراكاتها الأمنية من جهة، والانفتاح الدبلوماسي على الخصوم الإقليميين حين تتوفر شروط جدية من جهة أخرى. وكان اتفاق بكين الذي رعته الصين عام 2023 بين الرياض وطهران علامة فارقة في هذا المسار، إذ أعاد فتح القنوات الدبلوماسية بعد قطيعة استمرت سنوات، ومهّد لعودة السفراء وتبادل الزيارات الرسمية.
غير أن استئناف العلاقات لم يعنِ زوال الخلافات. فالملفات المعلقة بين الجانبين تشمل البرنامج النووي الإيراني، ودور الوكلاء المسلحين في المنطقة، وأمن الممرات المائية، والملف اليمني، إضافة إلى تداعيات الحروب والأزمات المتداخلة في المشرق. وفي هذا الإطار، تأتي زيارة وزير الدفاع السعودي إلى طهران بوصفها محاولة لإبقاء قناة الحوار مفتوحة في لحظة يرتفع فيها مخاطر التصعيد.
ويؤكد البيان السعودي أن الزيارة امتداد لدور المملكة، لا انقطاعًا عنه. وهذا التوصيف مهم، لأنه يربط الخطوة الحالية بسياسة مستمرة لا بمبادرة طارئة. كما أن اختيار وزير الدفاع لرئاسة هذا الجهد يعكس أن الملف المطروح على طاولة البحث في طهران ذو طابع أمني ودفاعي بالدرجة الأولى، حتى وإن جرى تأطيره دبلوماسيًا.
## الوساطة القطرية والباكستانية
لم تكتفِ الخارجية السعودية بالإعلان عن الزيارة، بل ربطتها صراحةً بدعم الوساطة القطرية والباكستانية. وهذا الربط يضع الزيارة في سياق تكاملي لا تنافسي. فالدوحة اضطلعت، على مدى سنوات، بدور وسيط في ملفات إقليمية ودولية حساسة، مستفيدة من شبكة علاقاتها ومن قدرتها على الحديث مع أطراف يصعب جمعها على طاولة واحدة. أما باكستان فتمتلك علاقة طويلة ومعقدة مع إيران، تجمع بين الجوار الجغرافي والتاريخ المشترك والمصالح الأمنية المتقاطعة، ما يمنحها قناة تواصل لا تتوفر دائمًا لدول الخليج.
ودعم الرياض لهاتين الوساطتين يحمل أكثر من معنى بروتوكولي. فهو يشير إلى أن المملكة ترى في نجاح الوساطة، أيًا كان حاملها، مصلحة للأمن الإقليمي، وأن تنسيق الجهود أولى من التنافس على دور الوسيط. كما أن ذكر الوساطتين معًا في بيان رسمي يمنحهما غطاء سياسيًا خليجيًا، ويقلل احتمال أن تُقرأ الزيارة بوصفها بديلًا عن مسارات قائمة.
## الأبعاد الاقتصادية والأمنية
لا يمكن فصل خفض التصعيد عن الاقتصاد. فالمملكة تقود برنامج رؤية 2030، الذي يعتمد على استقرار الاستثمار وانفتاح الأسواق وسلامة الممرات البحرية والجوية. وأي تصعيد واسع في الخليج أو مضيق هرمز أو بحر العرب ينعكس مباشرة على أسعار الطاقة وأقساط التأمين وثقة المستثمرين. ومن هنا فإن الدبلوماسية الوقائية ليست خيارًا أخلاقيًا فحسب، بل مصلحة اقتصادية مباشرة.
كما أن دول اتفاقية مكة تشارك المملكة هذا الهم. فالاقتصادات الخليجية مرتبطة بشبكات تجارة وطاقة وعمالة واستثمار، وأي صدمة أمنية تطال أكثر من دولة واحدة. ومن هذا المنطلق، فإن تحرك وفد يضم دول الاتفاقية نحو طهران يعكس قناعة بأن الأمن الجماعي لا يُصان بالعتاد وحده، بل بالحوار المنظم أيضًا.
## ماذا يعني اللقاء بكبار المسؤولين الإيرانيين
أوضحت وزارة الخارجية أن الزيارة تأتي للقاء كبار المسؤولين الإيرانيين. وهذا التحديد مهم في العرف الدبلوماسي، لأن مستوى المحاورين يحدد طبيعة الرسائل التي يمكن تبادلها. فاللقاء بمسؤولين رفيعي المستوى يتيح طرح الملفات الحساسة بصراحة أكبر، ويختصر المسافة بين الرسالة ومركز القرار.
وفي الوقت نفسه، لا يعني اللقاء بكبار المسؤولين بالضرورة التوصل إلى اتفاق فوري. فالدبلوماسية الأمنية تعمل عادة على مراحل: تثبيت قنوات التواصل، ثم خفض احتمال الخطأ في الحسابات، ثم البحث عن تفاهمات تحد من الانزلاق. والبيان السعودي لم يعلن نتائج محددة للزيارة، ما يتسق مع طبيعة هذا النوع من التحركات، التي تُقاس نجاحها بقدرتها على منع التدهور قدر ما تُقاس بالاتفاقات المعلنة.
## رسالة إلى الداخل والخارج
تحمل الزيارة رسالة داخلية وخارجية في آن واحد. داخل منظومة مجلس التعاون، تؤكد أن التنسيق الدفاعي ليس شعارًا، وأن اتفاقية مكة يمكن أن تترجم إلى موقف سياسي مشترك حين تقتضي الظروف. وخارج المنظومة، تقول الزيارة للشركاء الدوليين إن دول الخليج تفضّل إدارة الخلاف مع إيران بالحوار، وأنها لن تترك ملف التصعيد للمصادفة أو للوساطات المنفردة دون إطار جماعي.
وهذا التوازن بين الردع والحوار هو ما يميز السياسة السعودية تجاه إيران منذ استئناف العلاقات. فالرياض لم تتخلّ عن تحفظاتها، ولم تغلق باب التواصل. وزيارة الأمير خالد بن سلمان تندرج في هذا الخط: حضور دفاعي واضح، وهدف دبلوماسي معلن، وشراكة خليجية تمنع اختزال الموقف السعودي عن عمقه الجماعي.
## التحديات أمام المسار الدبلوماسي
على رغم وضوح الهدف المعلن، فإن الطريق نحو خفض مستدام للتصعيد ليس ممهدًا. فالثقة بين الرياض وطهران ما زالت هشة، والملفات الخلافية متداخلة مع حسابات قوى إقليمية ودولية. كما أن أي حادثة ميدانية، سواء في المياه الإقليمية أو على حدود دول الجوار، قد تعيد اختبار قنوات التواصل قبل أن تؤاتي ثمارها.
ويظل السؤال المفتوح هو ما إذا كانت طهران ستتعامل مع الوفد الخليجي بوصفه كتلة واحدة أم ستحاول تفكيك المواقف داخله. وهنا تكمن أهمية الإطار الجماعي: فكلما كان الموقف الخليجي أكثر تنسيقًا، قلّت فرصة تحويل الحوار إلى مسارات ثنائية متعارضة. والبيان السعودي، بإبرازه مشاركة دول اتفاقية مكة، يبدو مصممًا لسد هذه الثغرة.
## خلاصة
تُقدّم زيارة وزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان إلى طهران، وفق ما أعلنته وزارة الخارجية السعودية، بوصفها خطوة في مسار خفض التصعيد لا بوصفها تسوية نهائية. فهي تستند إلى إطار اتفاقية مكة للدفاع المشترك، وتدعم وساطة قطرية وباكستانية قائمة، وتستهدف كبار المسؤولين الإيرانيين. وهذا المزيج من الردع الجماعي والحوار المباشر والوساطة المتعددة هو ما تعوّل عليه المملكة لإبقاء المنطقة بعيدة عن حافة المواجهة، في وقت تبدو فيه كلفة التصعيد أعلى من كلفة الحوار.