أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن شبكات التواصل الاجتماعي لها دور في تأجيج الاضطرابات، وفي الوقت نفسه أوضح أنه طلب من الحكومة الاستجابة للمطالب المشروعة للمحتجين. ويأتي هذا الموقف في لحظة تتقاطع فيها ضغوط الشارع مع سرعة تدفق المعلومات عبر المنصات الرقمية، ما يضع السلطة التنفيذية أمام مهمة مزدوجة: احتواء أشكال التصعيد، وفتح قناة واضحة لمعالجة ما يراه المحتجون مطالب مشروعة.
ويُقرأ التصريح، كما تداول، بوصفه رسالة سياسية موجهة إلى داخل المؤسسة وإلى الرأي العام في آن واحد. فمن جهة، يحمّل شبكات التواصل مسؤولية عن تسريع الاحتقان وتوسيع دائرة الغضب. ومن جهة أخرى، لا يكتفي الرئيس الفرنسي بتشخيص البيئة الرقمية، بل ينقل جزءاً من عبء المعالجة إلى الحكومة، عبر طلب صريح بالاستجابة لما وصفه بالمطالب المشروعة. وهذا التمييز مهم؛ لأن الاعتراف بوجود مطلب مشروع يختلف، من حيث الأثر السياسي، عن الاكتفاء بإدانة الاحتجاج أو تحميل المنصات الرقمية مسؤولية التصعيد.
## نص الموقف وحدود ما هو مؤكد
يتضمن الخبر المتداول عنصرين رئيسيين لا يجوز التوسع فيهما بما لا يسنده مصدر موثوق. العنصر الأول هو إقرار ماكرون بأن لشبكات التواصل الاجتماعي دوراً في تأجيج الاضطرابات. والعنصر الثاني هو أنه طلب من الحكومة الاستجابة للمطالب المشروعة للمحتجين. ولم يتضمن النص المتاح تحديداً موثقاً لأسماء المنصات، ولا لطبيعة المطالب، ولا نطاق الاضطرابات، ولا جدولاً زمنياً مفصلاً للإجراءات الحكومية اللاحقة. ولذلك يقتضي التناول الصحفي المنضبط التوقف عند هذه الحدود، مع تقديم سياق تحليلي يساعد القارئ على فهم دلالات التصريح من دون نسب وقائع إليه لم ترد في المصادر.
ويكتسب هذا الحذر أهمية إضافية لأن التصريحات الموجزة المتداولة عبر منصات التواصل قد تُقرأ بأكثر من معنى. فعبارة «تأجيج الاضطرابات» لا تحدد، وحدها، هل المقصود نشر محتوى كاذب، أم تضخيم وقائع صحيحة، أم دعوات مباشرة إلى العنف، أم مجرد تسريع التعبئة. كما أن عبارة «المطالب المشروعة» تفتح باب التقدير السياسي، لكنها لا تعني بالضرورة قبول كل مطلب مرفوع، ولا تحدد الجهة التي تملك صلاحية وصف المطلب بالمشروعية. ومن ثمّ فإن أي تحليل رصين يُبقي هذين المستويين منفصلين: ما قاله ماكرون، وما يحتاج إلى بيان حكومي أو برلماني لاحق كي يتضح.
## دور شبكات التواصل في تشكيل مناخ الاحتجاج
لا جديد في النقاش العام أن المنصات الرقمية أصبحت جزءاً من بيئة العمل السياسي. فهي تخفض كلفة الوصول إلى الجمهور، وتسمح بانتشار الرسائل خارج الوسائط الإعلامية التقليدية، وتمنح الأفراد والمجموعات قدرة على تنسيق الحركة في وقت قصير. وفي سياق الاحتجاج، قد يعني ذلك أن دعوة محلية محدودة قابلة للتحول، خلال ساعات، إلى قضية تتابعها جمهور واسعة، إذا وجدت من يعيد نشرها ويضيف عليها معنى سياسياً أوسع.
### السرعة والتضخيم
تعمل خوارزميات العرض في كثير من المنصات على تفضيل المحتوى القادر على إثارة التفاعل. وفي أوقات التوتر، قد يكون المحتوى الأكثر تداولاً هو الأكثر حدةً لا الأكثر دقة. وهنا يمكن فهم الجانب الذي أشار إليه ماكرون بعبارة التأجيج: ليس المنص بالضرورة هو من يخترع الغضب، لكنه قد يغير حجمه وسرعته وطريقة تفاعل الناس معه. وكلما اتسعت الفجوة بين سرعة المنشور الرقمي وبطء الرد الرسمي، ازداد احتمال أن تملأ هذه الفجوة بروايات غير مكتملة أو بدعوات لا تخضع لمساءلة.
### التعبئة ليست مرادفة للتحريض
غير أن هذا التشخيص لا يلغي الوظيفة الأخرى لشبكات التواصل. فهي أيضاً فضاء يعبّر فيه المواطنون عن التظلم، ويوثقون ما يرونه في الشارع، ويطالبون المسؤولين بالتوضيح. والخلط بين هذين الوظيفتين هو ما يجعل التصريح الرئاسي حساساً. فإذا فُهم بوصفه دعوة إلى تقييد النقاش العلني نفسه، فقد يُقرأ على أنه محاولة لنقل المسؤولية من صانع القرار إلى وسيط النشر. وإذا فُهم بوصفه تنبيهاً من أثر المحتوى المضلل في تصعيد مواجهات قائمة، فإنه يندرج في نقاش أوسع تخوضه دول عدة حول واجبات المنصات وحماية النظام العام.
ويبقى الفصل بين القراءتين رهناً بصياغة السياسة العملية لا بالشعار. فالمطالبة بضبط المحتوى الذي يحرض على العنف أو ينشر معلومات كاذبة قابلة للإضرار، ليست مساوية للمطالبة بإغلاق مسار التعبير عن رأي مخالف. والتصريح المتداول لماكرون لا يقدم، في حده المتاح، خارطة إجرائية لهذا الفصل. وهو ما يجعل السؤال التالي ضرورياً: ماذا ستفعل الحكومة بطلب الاستجابة؟
## الاستجابة للمطالب المشروعة
الشق الثاني من تصريح ماكرون هو الأكثر أهمية من حيث الأثر المباشر على إدارة الأزمة. فطلب الرئيس من الحكومة الاستجابة للمطالب المشروعة يعني، في الحد الأدنى، أن المعالجة لا تنحصر في الخطاب الموجه ضد المنصات. وهذا التوجيه يضع السلطة التنفيذية أمام اختبار عملي: تحديد ما يُعدّ مطلباً مشروعاً، ثم بيان شكل الاستجابة، ثم تحديد الجهة المسؤولة عن التنفيذ والإطار الزمني.
وفي الأنظمة الدستورية، لا تكون الاستجابة بالضرورة تنازلاً فورياً عن كل مطلب. قد تكون استماعاً، أو حواراً، أو مراجعة لقرار إداري، أو إحالة ملف إلى الجهة التشريعية المختصة. لكن الصمت، أو الرد العام الذي لا يمس أصل الشكوى، غالباً ما يُفسّر على أنه رفض للاستماع. وفي مثل هذه الحالات، يصبح الخطاب الموجه إلى شبكات التواصل أقل إقناعاً، لأن المحتجين يقيسون جدية السلطة بما يتغير في واقعهم لا بما يُقال عن المنصات.
### معنى المشروعية في الخطاب العام
استخدام وصف «المشروعة» ليس تفصيلاً لغوياً. فهو يرسل رسالة مزدوجة إلى المحتجين وإلى من يراقب الموقف الرسمي. الرسالة الأولى أن الدولة لا تعامل مع كل شكل من أشكال الاحتجاج بوصفه خروجاً على القانون أو مطلباً غير قابل للنقاش. والرسالة الثانية أن هناك سقفاً لما يمكن الدولة أن تلتزم به، وأن هذا السقف يتحدد سياسياً لا بواسطة شعار مرفوع في الشارع وحده. وهذا التمييز، إذا لم يُترجم إلى معايير علنية، قد يثير جدلاً حول من يملك حق تعريف المشروعية، وهل يُستخدم الوصف لتقليص دائرة الحوار أم لتوسيعها.
كما أن الطلب الرئاسي الموجه إلى الحكومة يعكس توزيعاً للأدوار داخل السلطة التنفيذية. فالرئيس يضع الإطار السياسي، بينما تُترك للحكومة مهمة تحويل هذا الإطار إلى إجراء. وفي الممارسة السياسية، قد يُفهم ذلك على أنه توجيه واضح للفريق الحكومي، وقد يُفهم أيضاً على أنه توزيع للمسؤولية بحيث تظهر نتائج الاستجابة، إيجاباً أو سلباً، في حساب الجهة التي تدير الملف اليومي. ولا يمكن الجزم بأي من القراءتين من دون معرفة التعليمات الفعلية التي تلقتها الحكومة، وهي غير واردة في النص المتداول.
## التوازن بين النظام العام وحرية التعبير
يضع تصريح ماكرون السلطة الفرنسية، من حيث المبدأ، أمام معادلة تعرفها الدول الديمقراطية جيداً: كيف تُحمى حرية التجمع والتعبير، وفي الوقت نفسه كيف يُمنع تحول الاحتجاج إلى عنف يمس الأشخاص والممتلكات والمرافق العامة. وشبكات التواصل تعقد هذه المعادلة لأنها تجعل الحدث مرئياً لجمهور لا يحضر الميدان، وتسمح بإعادة تداول مشاهد منتقاة قد لا تعكس السياق كاملاً. وفي المقابل، قد تكون هذه المشاهد هي الوسيلة الوحيدة المتاحة للجمهور لمعرفة ما يجري بعيداً عن البيان الرسمي.
ولا يقدم التصريح المتداول إعلاناً عن إجراء تقني محدد، كحظر منصة أو تقييد حساب أو فرض رقابة جديدة. والتوسع في استنتاج مثل هذه الإجراءات من عبارة عامة عن «دور» الشبكات في التأجيج يكون تخميناً لا يسنده النص. الأدق هو القول إن ماكرون وضع المنصات داخل تفسيره لأسباب اتساع الاضطرابات، من دون أن يحدد الأداة التي ستعتمدها الدولة للتعامل مع هذا الدور. وهذا الغياب مهم صحفياً، لأن الجدل العام غالباً ما ينصب على الأداة لا على التشخيص وحده.
وفي التجربة المقارنة، تتراوح خيارات الدول بين الحوار مع الشركات، وتشديد الشفافية، وملاحقة المحتوى غير القانوني، وحماية البيانات الشخصية، وضمان عدم تحول التنظيم إلى أداة لكتم المعارضة. ولا يمكن، استناداً إلى التصريح وحده، معرفة أي مسار ستسلكه باريس في هذه المناسبة. ما يمكن قوله هو أن الرئيس الفرنسي وضع المسألة على طاولة النقاش، وربطها بواجب حكومي موازٍ: الاستجابة للمطالب التي يراها مشروعة.
## دلالات سياسية من دون توسع غير موثق
يحمل الموقف الرئاسي ثلاث دلالات يمكن استخلاصها من صياغته من دون افتراض وقائع إضافية. الدلالة الأولى أن مستوى القلق الرسمي من أثر البيئة الرقمية بلغ حداً دفع رئيس الدولة إلى التعليق العلني. والدلالة الثانية أن السلطة لا تريد، على الأقل في هذا التصريح، أن يُفهم موقفها على أنه مواجهة مع التكنولوجيا فقط، بل تربط المواجهة بواجب الاستجابة السياسية. والدلالة الثالثة أن مفهوم المطلب المشروع سيكون محور الجدل المقبل، لأن كل طرف سيحاول أن يُدخل مطلبه داخل هذا الوصف أو يبقيه خارجه.
ومن شأن القارئ أن يلاحظ أن التصريح لا يُغلق الملف. فهو لا يعلن انتهاء الاضطرابات، ولا يذكر تنازلات محددة، ولا يسمي جهة حوار، ولا يقدم جدولاً زمنياً. وهذه العناصر، لا التعليقات العامة، هي التي ستحدد في الأيام المقبلة ما إذا كان الموقف الرئاسي خطوة نحو احتواء سياسي أم مجرد رسالة تطمين مؤقتة. وإلى أن تصدر هذه التفاصيل عن مصادر رسمية أو وكالات أنباء موثوقة، يبقى الخبر في حدود التصريح المنسوب إلى ماكرون.
## ما الذي ينبغي متابعته
تتركز المتابعة المهنية، بعد هذا التصريح، على أربعة أسئلة لا تحتاج إلى تخمين إجاباتها. السؤال الأول: ما المطالب التي تعدها الحكومة مشروعة؟ والسؤال الثاني: ما شكل الاستجابة الذي سيترتب على طلب ماكرون؟ والسؤال الثالث: هل سيقترن الحديث عن شبكات التواصل بتشخيص عام، أم سيتحول إلى إجراءات تنظيمية معلنة؟ والسؤال الرابع: كيف سيرد المحتجون والقوى السياسية الأخرى على هذا التمييز بين المطلب المشروع والاضطراب الذي ترى السلطة أن المنصات تسهم في تأجيجه؟
وحتى تظهر إجابات موثقة، يبقى الثابت هو أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حمّل شبكات التواصل الاجتماعي جزءاً من المسؤولية عن تأجيج الاضطرابات، وطلب في الوقت نفسه من الحكومة الاستجابة للمطالب المشروعة للمحتجين. وأي رواية تتجاوز هذين العنصرين، سواء بإضافة أرقام أو تسمية إجراءات أو نسب تنازلات لم تُعلن، تخرج من دائرة الخبر المؤكد إلى دائرة التقدير. والفصل بين الدائرتين هو ما يحمي القارئ من تحويل تصريح موجز إلى رواية كاملة لم تكتمل بعد.