القوات البحرية السعودية تعوّم سفينة جلالة الملك نيوم ضمن مشروع السروات في إسبانيا | محليات | شبكة نفود الإخبارية
عاجل
محليات
القوات البحرية السعودية تعوّم سفينة جلالة الملك نيوم ضمن مشروع السروات في إسبانيا
✍️ فريق تحرير نفود
شارك:
✍️ فريق تحرير نفود
أعلنت وزارة الدفاع السعودية تعويم سفينة «جلالة الملك نيوم»، ثاني سفن المرحلة الثانية من مشروع السروات، في إسبانيا، بعد اكتمال بناء بدنها، وذلك بحضور رئيس أركان القوات البحرية الفريق الركن محمد بن سعود الغريبي. ويُعدّ التعويم محطة تقنية فاصلة في مسار بناء السفينة، إذ ينتقل البدن من حوض البناء الجاف إلى الماء، تمهيدًا لمراحل تجهيز المنظومات ودمجها واختبارها داخل المملكة، في إطار برنامج يستهدف رفع جاهزية القوات البحرية الملكية السعودية وتعزيز قدرتها على حماية المياه الإقليمية والمصالح البحرية للمملكة.
ويأتي هذا الإنجاز في وقت تواصل فيه وزارة الدفاع تنفيذ مشاريع التطوير البحري وفق جداول زمنية معلنة، وبحضور قيادة القوات البحرية، ما يعكس متابعة مباشرة لمراحل التصنيع والتسليم. ووفق ما أوردته الوزارة، فإن اكتمال بناء البدن لا يعني انتهاء المشروع، بل يمهد لمرحلة لاحقة تشمل تجهيز المنظومات ودمجها واختبارها داخل المملكة، وهو مسار يجسّد جانبًا من سياسة توطين الصناعة العسكرية ونقل المعرفة التقنية إلى الكوادر والمنشآت السعودية.
## ماذا يعني تعويم السفينة في مسار البناء البحري؟
في صناعة السفن الحربية، يُعدّ التعويم اللحظة التي ينتقل فيها الهيكل المكتمل من حوض البناء إلى الماء. وقبل هذه المحطة، يكون البدن قد اجتاز مراحل قطع الألواح وتشكيل القطاعات ولحامها وتركيب الهيكل الداخلي والأسطح والحواجز المانعة للماء، إضافة إلى اختبارات الإحكام والجودة. وبعد التعويم، تنتقل السفينة إلى رصيف التجهيز، حيث تُركّب منظومات الدفع والاستشعار والاتصالات والملاحة والقتال، ثم تخضع لاختبارات الميناء والبحر قبل التسليم العملياتي.
وأوضحت وزارة الدفاع أن تعويم «جلالة الملك نيوم» جاء بعد اكتمال بناء بدنها، وأن المرحلة المقبلة ستشمل تجهيز المنظومات ودمجها واختبارها داخل المملكة. وهذا التوزيع للأعمال بين التصنيع في إسبانيا والتجهيز والاختبار في المملكة ليس تفصيلًا إجرائيًا فحسب، بل يعكس تصميمًا مسبقًا لمشروع السروات، يهدف إلى بناء قدرة وطنية قادرة على المشاركة في إنجاز السفن وإدامة دورة حياتها التشغيلية من داخل المملكة.
## مشروع السروات: من العقد إلى التوسع
يُعدّ مشروع السروات أحد أبرز برامج تحديث الأسطول السعودي خلال العقد الأخير. ووقّعت المملكة في عام 2018 عقدًا مع شركة نافانتيا الإسبانية لبناء خمس سفن قتال من طراز أفانتي 2200، في صفقة قدّرت قيمتها بنحو 1.8 مليار يورو، وشملت بنودًا للتدريب والدعم اللوجستي ونقل التقنية. وحملت السفن الخمس الأولى أسماء جلالة الملك الجبيل، وجلالة الملك الدرعية، وجلالة الملك حائل، وجلالة الملك جازان، وجلالة الملك عنيزة، ودخلت الخدمة تباعًا بين عامي 2022 و 2024.
وفي ديسمبر 2024، وقّعت المملكة عقودًا إضافية مع نافانتيا لبناء ثلاث سفن أخرى من الطراز نفسه، في صفقة بلغت نحو مليار يورو، لتصل سلسلة السروات إلى ثماني سفن. ووفق ما أعلنته الجهة المصنّعة ووزارة الدفاع، تُبنى الوحدة الأولى من هذه المرحلة في إسبانيا، فيما تُبنى الوحدتان الثانية والثالثة في المملكة عبر شراكة محلية مع الشركة السعودية للصناعات العسكرية. وبناءً على بيان وزارة الدفاع، فإن «جلالة الملك نيوم» هي ثاني سفن هذه المرحلة، وتعويمها في إسبانيا يأتي بعد اكتمال البدن، على أن تُستكمل مراحل التجهيز والدمج والاختبار داخل المملكة.
### مواصفات طراز أفانتي 2200
تنتمي سفن المشروع إلى طراز أفانتي 2200، وهو طراز كورفيت متعدد المهام صمّمته نافانتيا للعمل في المياه الساحلية والبحر المفتوح. ويبلغ طول السفينة نحو 104 أمتار، وعرضها نحو 14.4 متر، وإزاحتها نحو 2500 طن عند الحمولة الكاملة، وتستوعب طاقمًا يقارب 100 فرد. وتعتمد في دفعها على أربعة محركات ديزل تدير مروحتين ذاتيتي الخطوة متغيرة، ما يمنحها سرعة تزيد على 25 عقدة بحرية، ومدى عملياتيًا يقارب 4500 ميل بحري.
وتشمل منظومة التسليح، وفق المواصفات المعلنة للطراز، مدفعًا رئيسيًا عيار 76 ملم، ومدفعًا ثانويًا عيار 35 ملم أو 30 ملم، ومنصة إطلاق عمودية للصواريخ المضادة للسفن وصواريخ الدفاع الجوي، إضافة إلى أنابيب طوربيد ومهبط لمروحية وزنها نحو 10 أطنان. وتعتمد السفينة على منظومة قتال متكاملة تجمع بين الرادارات وأجهزة الحرب الإلكترونية ونظام إدارة المعركة، ما يتيح لها العمل منفردة أو ضمن تشكيل بحري أوسع.
## حضور قيادة القوات البحرية
حضر مراسم التعويم رئيس أركان القوات البحرية الفريق الركن محمد بن سعود الغريبي. ويتولى الفريق الغريبي منصب رئيس أركان القوات البحرية منذ سبتمبر 2023، خلفًا للفريق الركن فهد الغفيلي. وتخرّج في كلية الملك فهد البحرية عام 1988، وتقلّد عددًا من المناصب القيادية في الأسطول الشرقي والأسطول الغربي، وشارك في برامج التدريب والتعاون البحري الدولي، ومن بينها مهمة قوة المهام البحرية المشتركة 150 في منطقة القرن الأفريقي.
ويحمل حضور رئيس الأركان دلالة تنظيمية وعملياتية. فمن جهة، يؤكد أن مراحل البناء تخضع لمتابعة القيادة المسؤولة عن تشغيل الأسطول مستقبلًا. ومن جهة أخرى، يربط بين فريق البناء في إسبانيا وفريق التسليم والتدريب في المملكة، وهو ربط ضروري لأن السفينة لن تدخل الخدمة إلا بعد اجتياز اختبارات المنظومات وتأهيل الطاقم. كما أن حضور قيادة بهذا المستوى يرسل رسالة إلى الشركاء الصناعيين بأن الجداول الزمنية ومعايير الجودة تخضع لمراجعة مستمرة من جانب المستخدم النهائي.
## لماذ تُنقل مرحلة التجهيز إلى المملكة؟
أشارت وزارة الدفاع إلى أن تجهيز المنظومات ودمجها واختبارها سيتم داخل المملكة. وهذا الخيار ينسجم مع المسار الذي بدأته المملكة منذ المرحلة الأولى من المشروع، حين أُنشئ مركز هندسي مشترك في المملكة لمتابعة البناء وتأهيل الكوادر. وفي المرحلة الثانية، اتسع نطاق التوطين ليشمل بناء وحدتين كاملتين في المملكة، إلى جانب إنجاز جزء من أعمال الوحدة التي بُدئ بناؤها في إسبانيا داخل المنشآت السعودية.
ولتوطين هذه المرحلة أثر مباشر في ثلاثة مجالات. أولها بناء قدرة صناعية وطنية قادرة على التعامل مع سفن بهذا الحجم وهذه التعقيد التقني. وثانيها تأهيل كوادر سعودية في مجالات اللحام والتركيب والدمج والاختبار، وهي مهارات لا تُكتسب بالدراسة وحدها بل بالممارسة على وحدات حقيقية. وثالثها خفض الاعتماد على الخارج في أعمال الصيانة والتحديث خلال العقود المقبلة، لأن المنشأة التي تبني السفينة هي نفسها الأقدر على صيانتها إذا توفرت لها المعرفة والوثائق وسلسلة الإمداد.
ولا يعني نقل التجهيز إلى المملكة أن مرحلة البناء في إسبانيا كانت ناقصة، بل يعني أن العقد صُمّم على أساس تكامل الأدوار: الشريك الأجنبي يوفر التصميم والخبرة المتراكمة، والمنشآت السعودية تتولى حصة متزايدة من التنفيذ. وهذا النموذج هو المعتمد في عديد من برامج التسليح البحري حول العالم، لأنه يوازن بين سرعة التسليم وبناء القدرة المحلية.
## السياق العملياتي للأسطول السعودي
تتولى القوات البحرية الملكية السعودية مسؤولية حماية سواحل يمتد على البحر الأحمر والخليج العربي، إضافة إلى المياه الإقليمية المرتبطة بهما. ويشمل هذا النطاق ممرات ملاحية دولية، وموانئ تصدير النفط والمنتجات البتروكيماوية، ومنشآت تحلية المياه، وحقولًا بحرية، وخطوط أنابيب تحت البحر. كما أن المملكة تشارك في مهام الأمن البحري الإقليمي، ومن بينها قوة المهام البحرية المشتركة التي تعمل في مياه الخليج العربي وبحر العرب وخليج عدن والبحر الأحمر.
وفي هذا السياق، تؤدي سفن الكورفيت دورًا مختلفًا عن دور الفرقاطات الكبيرة والزوارق السريعة. فهي قادرة على البقاء في البحر لفترات أطول، وحمل منظومات استشعار ودفاع جوي ومضادات للسفن، وقيادة زوارق أصغر أو العمل معها في مهام حماية الموانئ والممرات. وكلما زاد عدد هذه السفن، اتسعت قدرة الأسطول على توزيع وحداته بين البحر الأحمر والخليج العربي دون إخلاء أحد المسرحين، وهو أمر ذو أهمية عملياتية لدولة تطل على ساحلين منفصلين جغرافيًا.
وقد أظهرت سفن المرحلة الأولى قدرة على الاندماج السريع في الخدمة. ففي مايو 2023، شاركت سفينة جلالة الملك الدرعية في إجلاء راكبين من المواطنين السعوديين من السودان، في مهمة أظهرت قدرة السفينة على العمل بعيدًا عن قواعدها وحمل أفراد إضافيين عند الحاجة. كما شاركت سفن المشروع في تمارين بحرية مع أساطيل دولية، ما يساعد على اختبار المنظومات ورفع جاهزية الطواقم.
## الشراكة الصناعية مع نافانتيا
تُعدّ نافانتيا من أقدم الشركات الأوروبية في بناء السفن الحربية، وتمتلك أحواض بناء في كاديز وفرول وكارتخينا. وبنت سفن المرحلة الأولى من مشروع السروات في حوض سان فرناندو في كاديز، وهو الحوض نفسه الذي استضاف مراسم تعويم الوحدات السابقة. ولم تقتصر الشراكة على تسليم سفن جاهزة، بل شملت إنشاء شركة مشتركة في المملكة لإدارة جزء من أعمال الهندسة والدعم، وتدريب مئات من المهندسين والفنيين السعوديين في إسبانيا والمملكة.
وفي المرحلة الثانية، اتسع هذا النموذج. فالعقد الموقّع في ديسمبر 2024 لا يقتصر على بناء ثلاث سفن، بل يشمل نقل التقنية والتدريب والدعم الفني طوال دورة حياة السفن. كما وقّعت المملكة في السياق نفسه عقودًا مرتبطة لتوريد مروحيات بحرية ونظام قتال بحري، ما يجعل الصفقة جزءًا من منظومة تسليح أوسع وليس عقد بناء منفصلًا. وهذا التكامل يهم المستخدم النهائي، لأن قدرة السفينة لا تُقاس بالبدن وحده، بل بقدرة منظوماتها على العمل معًا وبتوفير قطع الغيار والدعم الفني عند الحاجة.
## الأثر الاقتصادي والصناعي
لا يقتصر أثر مشروع بهذا الحجم على الجانب العسكري. فبناء سفينة قتال يتطلب سلسلة توريد تشمل الصلب البحري والكابلات والأنظمة الهيدروليكية والكهربائية وأنظمة التكييف والإطفاء والدهانات البحرية والأثاث التشغيلي. وعندما يُنقل جزء من هذه الأعمال إلى المملكة، تنشأ فرص للمصانع المحلية وللشركات المتوسطة والصغيرة التي توفر مكونات فرعية، شريطة أن تستوفي معايير الجودة العسكرية.
وتنسجم هذه المقاربة مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 في توطين الصناعات العسكرية ورفع نسبة المحتوى المحلي. وقد أنشأت المملكة الهيئة العامة للصناعات العسكرية لتنظيم هذا الملف، ووسّعت دور الشركة السعودية للصناعات العسكرية لتكون شريكًا منفذًا في عدد من البرامج، ومن بينها مشروع السروات. كما أن وجود منشأة قادرة على بناء سفن بهذا الحجم يفتح الباب لاحقًا أمام صيانة سفن أخرى، سواء للقوات البحرية أو لجهات حكومية أخرى تحتاج إلى وحدات بحرية متخصصة.
ومن الزاوية التشغيلية، فإن كل سفينة تدخل الخدمة تخلق طلبًا مستمرًا على الصيانة والتحديث والتدريب. وهذا الطلب لا ينتهي بتسليم السفينة، بل يستمر طوال عقود من الخدمة. ولذلك فإن قرار بناء جزء من القدرة داخل المملكة يُنظر إليه بوصفه استثمارًا في استقلالية الإسناد، لا تكلفة إضافية فقط. فالسفينة التي تُصان في الخارج تحتاج إلى جدولة في حوض أجنبي وإلى نقل بحري وإلى فرق أجنبية، أما السفينة التي تُصان محليًا فتعود إلى الخدمة بزمن أقصر وبتكلفة أقل على مدى عمرها التشغيلي.
## ما بعد التعويم
لا يعني تعويم البدن أن السفينة أصبحت جاهزة للخدمة. فالمراحل اللاحقة، وفق ما أوردته وزارة الدفاع، تشمل تجهيز المنظومات ودمجها واختبارها داخل المملكة. وهذه المراحل هي الأكثر تعقيدًا في أي سفينة حربية، لأنها تتطلب ربط عشرات المنظومات الفرعية بنظام قتال واحد، ثم اختبار كل منظومة على حدة، ثم اختبارها معًا في الميناء والبحر.
وتشمل الاختبارات النموذجية في هذا النوع من السفن فحص منظومة الدفع والتوليد الكهربائي وأنظمة الملاحة والاتصالات، ثم اختبارات البحر التي تقيس السرعة والمناورة والاستقرار في حالات البحر المختلفة. وبعد اجتياز هذه الاختبارات، تبدأ مرحلة تأهيل الطاقم، وهي مرحلة لا تقل أهمية عن البناء نفسه، لأن السفينة لا تُحقق قدرتها إلا بطاقم مدرّب على التشغيل والصيانة والقتال.
ولم تُحدد وزارة الدفاع في بيانها موعدًا نهائيًا لتسليم «جلالة الملك نيوم». وبالنظر إلى الجداول الزمنية المعتادة في هذا النوع من السفن، فإن الفترة الفاصلة بين التعويم والتسليم العملياتي تُقاس بالأشهر لا بالأسابيع، لأنها تشمل تركيب المنظومات واختبارها ومعالجة أي ملاحظات تظهر أثناء التجارب. والمهم في هذه المرحلة ليس الإسراع في إعلان الجاهزية، بل ضمان أن السفينة تدخل الخدمة مطابقة للمواصفات التي طلبتها القوات البحرية.
## خلاصة
يُعدّ تعويم سفينة «جلالة الملك نيوم» محطة جديدة في مسار تحديث القوات البحرية الملكية السعودية. فالسفينة هي ثاني وحدات المرحلة الثانية من مشروع السروات، وقد اكتمل بناء بدنها في إسبانيا بحضور رئيس أركان القوات البحرية الفريق الركن محمد بن سعود الغريبي، تمهيدًا لنقل مرحلة التجهيز والدمج والاختبار إلى داخل المملكة. وبذلك تنتقل سلسلة السروات من خمس سفن دخلت الخدمة إلى مسار يستهدف ثماني سفن، مع حصة متزايدة للصناعة والمعرفة الوطنية في كل وحدة جديدة.
والأهمية العملياتية لهذا التوسع واضحة. فالمملكة تطل على ساحلين، وتحمي ممرات تجارية ومنشآت حيوية، وتشارك في مهام أمن بحري إقليمية. وسفينة كورفيت إضافية تعني وحدة قادرة على البقاء في البحر، وحمل منظومات استشعار ودفاع، والعمل مع بقية وحدات الأسطول. أما الأهمية الصناعية فتكمن في أن جزءًا من هذه القدرة يُبنى ويُجهّز ويُصان داخل المملكة، ما يضع الأساس لاستقلالية إسناد أطول في العقود المقبلة.
وستظل المرحلة المقبلة هي المحك الحقيقي على نجاح هذا المسار. فالتعويم نجاح هندسي، لكن الجاهزية العملياتية لا تكتمل إلا بعد تجهيز المنظومات ودمجها واختبارها وتأهيل الطاقم. وإذا اجتازت «جلالة الملك نيوم» هذه المراحل وفق الجدول الزمني، فستكون إضافة نوعية إلى أسطول يواصل تحوّله من مستخدم للتقنية الأجنبية إلى شريك في بنائها وإدامتها.