الصالح: تهريب الأسلحة إلى ميليشيا الحوثي عملية ممنهجة تقف خلفها دول مجاورة
✍️ فريق تحرير نفود
شارك:
✍️ فريق تحرير نفود
أكد وزير الدولة اليمني أحمد الصالح أن تهريب الأسلحة إلى ميليشيا الحوثي ليس نشاطًا عابرًا أو حالات منفردة، بل عملية ممنهجة تقف وراءها دول مجاورة في المنطقة، توفر لها الدعم والتخطيط والتنسيق والمساندة. ويأتي التصريح في وقت تتصاعد فيه المخاوف الإقليمية من تدفق السلاح إلى الجماعات المسلحة خارج إطار الدولة، ومن استمرار التهديد الذي تمثله قدرات الحوثيين العسكرية على الأمن الداخلي اليمني وعلى استقرار البحر الأحمر وخليج عدن.
ويعيد هذا الموقف الرسمي فتح ملف التسليح غير المشروع من جديد، لا بوصفه ملفًا أمنيًا محليًا فحسب، بل بوصفه مسألة سيادة ومسؤولية إقليمية ودولية. فالحكومة اليمنية، وفق ما ورد في تصريح الوزير، ترى أن استمرار تدفق السلاح يعيق أي مسار جاد نحو إنهاء الصراع، ويمنح الميليشيا قدرة إضافية على فرض أمر واقع بالقوة، ويضعف فرص بناء ثقة مستدامة بين الأطراف اليمنية.
## تصريح رسمي يعيد فتح ملف التسليح
جاء تصريح وزير الدولة أحمد الصالح واضحًا في مبناه ومباشرًا في تحميل المسؤولية. فهو لم يكتف بوصف عمليات التهريب بأنها موجودة، بل وصفها بأنها «عملية ممنهجة»، وهي عبارة تحمل في اللغة السياسية معنى التكرار والتنظيم ووجود سلسلة إمداد لا تقتصر على مهربين محليين. وأضاف الوزير أن دولًا مجاورة في المنطقة تقف وراء هذه العملية بالدعم والتخطيط والتنسيق والمساندة.
### أربعة مستويات للمسؤولية
يكشف ترتيب العبارات في التصريح عن رؤية حكومية تقسّم المسألة إلى أربعة مستويات مترابطة. الدعم يشير إلى توفير الإمكانات، والتخطيط يشير إلى وجود قرار مسبق لا إلى صدفة، والتنسيق يشير إلى ترابط أكثر من طرف في العملية، والمساندة تشير إلى استمرار هذا المسار لا إلى وقوفه. وهذه الصياغة تنقل النقاش من مستوى ضبط حدود أو موانئ فقط، إلى مستوى المسؤولية السياسية عن إطالة أمد الصراع اليمني.
ولم يسمّ التصريح المتداول دولة بعينها، ولم يرفق بأرقام أو تواريخ عمليات محددة أو أنواع أسلحة جرى ضبطها. ومن الناحية الصحفية، يظل التصريح موقفًا سياسيًا رسميًا يحتاج إلى إسناد فني وقانوني إذا ما أريد تحويله إلى ملف اتهام أمام جهات دولية. غير أن وزنه السياسي لا يقل عن وزن الأدلة؛ فهو يصدر عن مسؤول حكومي يمني ويوجه رسالة إلى الداخل والإقليم معًا.
## خلفية الصراع وموقع السلاح منه
دخلت اليمن منذ عام 2014 في مسار انهيار مؤسساتي وحرب مفتوحة، بعد سيطرة ميليشيا الحوثي على العاصمة صنعاء ومؤسسات الدولة فيها. وتشكلت في العام التالي تحالف عربي بقيادة المملكة العربية السعودية لدعم الشرعية، فيما انتقلت مقرات السلطة المعترف بها دوليًا إلى عدن. ومنذ ذلك الحين، ظل ملف السلاح في قلب الجدل السياسي والعسكري؛ فمن يملك السلاح الثقيل والصواريخ والطائرات المسيّرة يملك قدرة أكبر على فرض شروطه في أي تفاوض.
وفرض مجلس الأمن الدولي حظرًا على توريد الأسلحة إلى أطراف النزاع في اليمن، وأنشأ آلية للتفتيش وفريق خبراء يتابع انتهاكات هذا الحظر. وعلى مدى سنوات، وثّقت تقارير دولية متعاقبة وجود مسارات بحرية وبرية لإدخال أسلحة ومكونات إلى المناطق الخارجة عن سيطرة الحكومة المعترف بها. كما رصدت جهات أمنية في البحر الأحمر وخليج عدن محاولات لنقل شحنات مشبوهة عبر قوارب صغيرة ومسارات غير رسمية، في ظل سواحل طويل وصعب المراقبة الكاملة.
### لماذ يهم وصف العملية بالممنهجة؟
الفرق بين التهريب العارض والعملية الممنهجة ليس لفظيًا. فالحالة الأولى قد تُعالج بإجراءات حدودية وبحرية، أما الثانية فتعني وجود بنية مستمرة: تمويل، وشبكات نقل، وتخزين، وتدريب، وحماية سياسية. وعندما يستخدم مسؤول يمني هذا الوصف، فهو يقول إن قدرات الميليشيا لا تتجدد من مخزون محلي فقط، بل من خط إمداد يتجدد خارج الحدود اليمنية ويحتاج إلى تعاون إقليمي لوقفه.
## البحر الأحمر وأمن الملاحة
لا يمكن فصل ملف تهريب الأسلحة عن تداعياته على الممرات البحرية. فخليج عدن ومضيق باب المندب والبحر الأحمر من أهم شرايين التجارة العالمية، وأي تغيير في توازن القوة العسكرية على الساحل اليمني ينعكس على أمن السفن وأسعار التأمين ومسارات الطاقة. وقد أظهرت هجمات السنوات الأخيرة على الملاحة أن امتلاك جماعة مسلحة لصواريخ وطائرات مسيّرة وزوارق بحرية يمكن أن يحوّل ممرًا دوليًا إلى ساحة مواجهة مفتوحة.
ومن هذا المنطلق، يكتسب تصريح الصالح بعدًا إقليميًا واضحًا. فالحكومة اليمنية تحاول القول إن استهداف السفن وتهديد الموانئ ليسا نتاج قرار محلي معزول، بل نتاج سلسلة إمداد تشارك فيها أطراف إقليمية. وهذا الربط يهدف، من وجهة نظر صنعاء الرسمية، إلى دفع المجتمع الدولي نحو معاملة مصادر السلاح لا الأعراض فقط.
## الأثر على التسوية السياسية
ظلت جهود إنهاء الحرب في اليمن تتعثر منذ سنوات، رغم هدنات هشة وجولات تفاوض رعتها الأمم المتحدة ودول إقليمية. ويرى متابعون للشأن اليمني أن أي تسوية لا تصمد إذا استمر أحد الأطراف في تعزيز ترسانته خارج إطار الدولة. فالسلاح الجديد يغيّر حسابات التفاوض؛ الطرف الأقوى عسكريًا يميل إلى رفض التنازلات السياسية، والطرف الأضعف يفقد الثقة في أن وقف إطلاق النار سيقود إلى سلام دائم.
وفي هذا السياق، يمكن قراءة تصريح وزير الدولة بوصفه رسالة مزدوجة. الرسالة الأولى داخلية، وتتوجه إلى الرأي العام اليمني لتأكيد أن الحكومة ترى في استمرار التسليح سببًا رئيسيًا لتعطل الدولة وإطالة معاناة المدنيين. والرسالة الثانية خارجية، وتتوجه إلى الدول المجاورة والشركاء الدوليين للقول إن الصمت عن مسارات الإمداد يعني المشاركة في إبقاء الحرب.
### السيادة وحصر السلاح
تربط الحكومة اليمنية، في خطابها المعتاد، بين حقها الحصري في استيراد السلاح وبين إمكانية بناء جيش وأجهزة أمن موحدة. ويعد تصريح الصالح هذا الربط من زاوية التهريب: ما دام السلاح يدخل خارج قنوات الدولة، فإن أي حديث عن احتكار العنف المشروع يبقى ناقصًا. وهذا الموقف يتقاطع مع مطالب دولية متكررة بضرورة وقف التدفقات غير المشروعة، من دون أن يكون التصريح نفسه قد قدّم خريطة تنفيذ أو جدولًا زمنيًا.
## البعد الإنساني والاقتصادي
لا يقتصر أثر السلاح المهرّب على جبهات القتال. فكل دفعة جديدة من العتاد والذخائر تعني احتمال تعطيل الموانئ والطرق والأسواق، وارتفاع كلفة نقل الغذاء والدواء، وتراجع فرص عودة النازحين. واليمن، الذي يعيش أحد أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم بحسب تقديرات الأمم المتحدة المتعاقبة، يدفع ثمن استمرار الحرب من اقتصاده ومن قدرة الأسر على البقاء.
كما أن انتشار السلاح خارج سيطرة الدولة يغذي اقتصاد الحرب: جماعات تفرض إتاوات، وشبكات تتجر بالوقود والمخدرات والأسلحة، ومؤسسات رسمية تفقد القدرة على جباية الإيراد أو حماية المنشآت. وفي مثل هذا المشهد، يبدو الحديث عن التهريب حديثًا عن مصير الدولة لا عن شحنة عابرة فقط.
## ما الذي يترتب على التصريح؟
يضع التصريح الحكومة اليمنية أمام ثلاث مهام مترابطة. الأولى هي توثيق الادعاء بأدلة قابلة للعرض على الشركاء، لأن الاتهام السياسي من دون إسناد يظل قابلًا للإنكار. والثانية هي تحديد المسارات بدقة: برًا وبحرًا، وعبر أي موانئ، وبأي أنواع من العتاد. والثالثة هي بناء تنسيق عملي مع الدول المشاطئة لليمن ومع القوات البحرية الدولية العاملة في البحر الأحمر، لأن الرصد المنفرد لا يكفي لإغلاق ساحل بهذا الطول.
وفي المقابل، من المتوقع أن ترفض الأطراف المعنية بالاتهام أي صلة لها بتهريب السلاح، كما جرت العادة في ملفات مشابهة. وغياب تسمية الدول في النص المتداول يترك الباب مفتوحًا أمام تفسيرات متعددة، ويجعل المطالبة بالتوضيح أمرًا ضروريًا للحكومة اليمنية نفسها إذا أرادت أن يتحول الموقف إلى مسار دبلوماسي قابل للمتابعة.
## خلاصة
يُعيد تصريح وزير الدولة اليمني أحمد الصالح وضع ملف تهريب الأسلحة إلى ميليشيا الحوثي في صدر النقاش السياسي، لا بوصفه حادثة أمنية معزولة، بل بوصفه عملية ممنهجة تقف وراءها دول مجاورة بالدعم والتخطيط والتنسيق والمساندة. والرسالة، في جوهرها، أن استمرار الحرب لا يُفسّر بالتوازنات الداخلية وحدها، وأن إغلاق مسارات السلاح شرط لأي استقرار مقبل.
ويبقى الاختبار في قدرة الحكومة على تحويل هذا الموقف إلى ملف موثق يُعرض على الشركاء، وفي قدرة الإقليم على التفريق بين الخلاف السياسي وبين الالتزام بعدم تغذية النزاع بالسلاح. فمن دون هذا الفصل، ستظل اليمن ساحة مفتوحة أمام من يريد إدارة الصراع من الخارج، وسيظل المدنيون هم من يدفع الثمن الأكبر.