أكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني الدكتور رشاد محمد العليمي أن استهداف الحوثيين للمطارات والمنشآت المدنية، سواء في اليمن أو في دول الجوار، لن يوقف عملية «فجر اليمن» الرامية إلى استعادة مؤسسات الدولة بدعم من تحالف دعم الشرعية، ولن يمنح الميليشيا فرصة لفرض إرادتها أو الإفلات من المحاسبة.
وجاء التصريح في سياق تصعيد وسّع نطاق المواجهة بين القوات الحكومية والجماعة الحوثية، بعد سلسلة هجمات استهدفت مطارات ومنشآت مدنية، وبعد أن دعا العليمي المجتمع الدولي والدول الصديقة إلى موقف موحد وحازم في مواجهة هذا التصعيد. ونقلت وسائل إعلامية، من بينها الشرق للأخبار وعكاظ وبلقيس ونبض، مضمون الموقف الرسمي القائل إن استهداف المطارات والمنشآت المدنية لن يثني الشعب اليمني وقواته المسلحة عن مواصلة معركة استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء التهديد الحوثي.
مضمون الموقف الرسمي
أوضح العليمي أن الهجمات التي طالت المطارات والمنشآت المدنية لا تغير مسار العملية ولا تفرض وقفاً على أهدافها. وبحسب ما نقلته منصات إعلامية عن تصريحاته، فإن القوات المسلحة ماضية في معركة استعادة الدولة، وإن حماية المواطنين وردع مصادر التهديد مسؤولية ستضطلع بها الدولة. كما شدد على أن هذا المسار يتم بدعم من تحالف دعم الشرعية، في إشارة إلى استمرار التنسيق بين الحكومة اليمنية والتحالف في مواجهة التهديد العابر للحدود.
ويحمل الشق الثاني من التصريح دلالة سياسية مباشرة؛ فالعليمي نفى أن يكون استهداف المدنيين وسيلاً لفرض أمر واقع أو للتهرب من المضي في استعادة المؤسسات. وبذلك يربط الموقف الرسمي بين مسأرين متلازمين: مواصلة العملية العسكرية والسياسية من جهة، والتمسك بمسار المحاسبة من جهة أخرى، بحيث لا تتحول الهجمات إلى ورقة ضغط تُنهي المطالبة بالمسؤولية عن استهداف المدنيين.
عملية «فجر اليمن»: الأهداف المعلنة
أعلن العليمي، وفق ما نقلته العربية في الحادي عشر من أكتوبر 2026، انطلاق عملية «فجر اليمن» بهدف استعادة مؤسسات الدولة وتحرير العاصمة صنعاء وإنهاء انقلاب الحوثي. وكرر في تصريحات لاحقة أن العملية ماضية مع المملكة العربية السعودية لإنهاء التهديد الحوثي، في موقف جاء غداة هجوم صاروخي نسبته الوسائل إلى الجماعة الحوثية.
استعادة المؤسسات لا استهداف المدنيين
وفق ما
قله العليمي في تصريحات سابقة نقلتها وسائل إعلامية، فإن جوهر العملية هو استعادة مؤسسات الدولة وحماية المواطنين وإنهاء الانقلاب، وإعادة السلاح وقرار الحرب والسلم إلى مؤسسات الدولة. وأكد كذلك أن المواطنين في المناطق التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية ليسوا هدفاً للعملية. ويُقرأ هذا التمييز بوصفه محاولة لفصل المواقف الرسمي عن أي صورة تستهدف السكان المدنيين، في مقابل ما يصفه مجلس القيادة بأنه نهج الجماعة في ضرب المطارات والمنشآت المدنية.
المسار العسكري المعلن
تواصلت، بحسب تغطيات إعلامية خلال أكتوبر، العمليات المرتبطة ب«فجر اليمن»، وشملت غارات على مواقع ومخازن نسبتها الوسائل إلى الجماعة الحوثية، من بينها مواقع في صنعاء. ونقلت قناة العربية عن متحدث تحالف دعم الشرعية القول إن التحالف دمر، مع انطلاق العملية، 324 هدفاً وصفها بعالية القيمة. كما أفادت تغطية لقناة الجزيرة بأن القوات الحكومية أعلنت 835 عملية استهداف في إطار التصعيد المرتبط بالعملية. ولم تُنشر، في البيانات المتاحة حتى إعداد هذا التقرير، خريطة ميدانية نهائية لهذه العمليات، غير أن الخطاب الرسمي يقدمها بوصفها مساراً مفتوحاً لا يتوقف عند حدود رد فعل ظرفي.
استهداف المطارات وامتداد التهديد
يأتي تصريح العليمي الأخير بعد أسابيع شهدت إدانات متكررة لهجمات نُسبت إلى الحوثيين وطالت مطارات مدنية ومنشآت حيوية. وكان من أبرز هذه المواقف إدانة الاعتداء الذي استهدف مطار الملك خالد الدولي في الرياض، حيث وصف العليمي الهجوم بالإرهابي، وأكد أن أمن المملكة العربية السعودية وأمن اليمن ومصالح شعبيهما مترابطة. ونقلت قناة الحدث هذا الموقف، فيما أفادت تغطيات أخرى بأن الهيئة العامة للطيران المدني السعودية علّقت العمليات التشغيلية في المطار مؤقتاً عقب الاعتداء.
ولم يقتصر الخطاب الرسمي على المطارات. فقد وصف العليمي، في تصريح نقلته قناة الجزيرة، الهجوم على معاشيق بأنه امتداد لنهج الاعتداء على المطارات والمنشآت النفطية. كما ربط في مواقف أخرى بين استهداف المطارات والمساجد والمنازل وبين ضرورة إنهاء التهديد وتجريد الجماعات المسلحة من السلاح. وهذا الربط يضع الهجمات الأخيرة داخل سوق أوسع من حادثة منفردة، ويقدمها بوصفها نمطاً متكرراً يطال البنية المدنية ومصادر الرزق والممرات الحيوية للسكان.
البعد الإقليمي للأزمة
يكتسب الملف أهميته الإقليمية من كون الاستهداف لم يعد محصوراً داخل الجغرافيا اليمنية. فاستهداف مطار مدني في دولة مجاورة ينقل الأزمة من إطار الصراع الداخلي إلى إطار يمس أمن الملاحة الجوية والمطارات وحركة المدنيين في المنطقة. ومن هنا جاءت دعوة العليمي المجتمع الدولي إلى تبني موقف موحد وحازم، ودعوته الدول الصديقة إلى توحيد الجهود لمواجهة التصعيد، كما نقلت صحيفة عكاظ وشبكة الشرق.
ويعني هذا الموقف أن الحكومة اليمنية لا ترى في الهجمات رداً محلياً يُعالج ببيانات إدانة فحسب، بل سلوكاً يستدعي، بحسب الخطاب الرسمي، تنسيقاً إقليمياً ودولياً يمنع تحويل المدنيين والبنى التحتية المدنية إلى أداة ضغط. كما أن الربط بين أمن اليمن وأمن المملكة يعكس استمرار النظرة الرسمية التي تعد التهديد الحوثي خطراً مشتركاً، لا ملفاً يمنياً معزولاً عن محيطه.
المحاسبة ورفض فرض الأمر الواقع
العبارة الأكثر حسماً في التصريح هي تلك التي تنفي أن تمنح الهجمات الميليشيا فرصة لفرض إرادتها أو الإفلات من المحاسبة. وهذا التركيب يضع المسؤولية السياسية والقانونية في قلب الرسالة، لا على هامشها. فالحكومة اليمنية، وفق هذا الخطاب، لا تقبل أن يتحول استهداف المدنيين إلى مسار تفاوض يُنتج عنه تثبيت واقع الأمر أو تأجيل المساءلة. وهي رسالة موجهة إلى الداخل اليمني بقدر ما هي موجهة إلى الإقليم؛ فالعتداء على المنشآت المدنية لا يُنهي، بحسب الموقف المعلن، العملية السياسية والعسكرية، ولا يُغلق باب المحاسبة.
وفي هذا السياق، تبدو دعوة الموقف الدولي الموحد امتداداً للمطلب الداخلي. فالمحاسبة التي يتحدث عنها مجلس القيادة لا تقتصر، في خطابه، على الميدان العسكري، بل تشمل موقفاً دولياً يرفض تطبيع استهداف المدنيين ويدعم الجهود الرامية إلى إنهاء الانقلاب واستعادة المؤسسات. غير أن التصريحات المعلنة لم تحدد آلية قانونية بعينها لهذه المحاسبة، واكتفت بتثبيت المبدأ وربطه باستمرار العملية.
دور تحالف دعم الشرعية
يظل تحالف دعم الشرعية حاضراً في صلب الرسالة الرسمية. فالعليمي لم يقدم عملية «فجر اليمن» بوصفها مساراً يمنياً منفرداً، بل ربطها صراحةً بالدعم التحالفي، وبالشراكة السعودية في الهدف المعلن لإنهاء التهديد. وهذا الربط يكرس الرواية الرسمية القائلة إن أمن الممرات البحرية والجوية والمنشآت المدنية في اليمن ودول الجوار ملف واحد، وأن الرد على استهداف هذه المنشآت لا ينفصل عن مسار استعادة الدولة.
ومن الناحية السياسية، يؤدي هذا الخطاب وظيفة مزدوجة. فهو من جهة يطمئن الجبهة الداخلية المؤيدة للشرعية إلى أن العملية لن تتوقف تحت ضغط الهجمات، ومن جهة أخرى يوجه رسالة إلى الشركاء الإقليميين بأن الدعم التحالفي ما زال إطاراً مرجعياً للمواجهة. كما أن الإشادة المتكررة بالموقف السعودي، في تصريحات سابقة نقلتها صحيفة عكاظ وقناة العربية، تضع العلاقة الثنائية في مقدمة السردية الرسمية للعملية.
المدنيون وكلفة التصعيد
يبقى المدنيون الطرف الأكثر عرضة للضرر في أي تصعيد يطال المطارات والمساكن والمنشآت الخدمية. فالمطار المدني ليس منشأة عسكرية، بل شريان حياة للسفر والعلاج في الخارج وحركة البضائع والإغاثة. وكلما اتسع نطاق الاستهداف ارتفعت كلفة تعطيل هذه الوظائف، لا سيما في بلد يعاني أصلاً من انقسام السلطة وضعف الخدمات وطول أمد النزاع.
ومن هذا المنظور، يحاول الخطاب الرسمي أن يقدم عملية «فجر اليمن» بوصفها مساراً لإنهاء مصدر التهديد لا بوصفها حملة على السكان. غير أن الواقع الميداني يبقى أكثر تعقيداً من الشعارات؛ فالعمليات العسكرية، مهما كان تحديد أهدافها، تجري في بيئة مكتظة بالسكان، والمدن اليمنية التي شهدت سنوات من الحرب تحتاج إلى حماية فعلية لا إلى تعهدات سياسية فحسب. وهنا تكمن أهمية التمييز الذي أعاد العليمي تأكيده: المواطنون في مناطق سيطرة الحوثيين ليسوا هدفاً، فيما الهدف المعلن هو إنهاء الانقلاب واستعادة المؤسسات.
ماذا يعني التصريح في هذه المرحلة؟
يمكن قراءة التصريح الأخير بوصفه تثبيتاً لمسار سبق الإعلان عنه منذ بدء العملية، لا بوصفه تغييراً في الأهداف. فالعليمي يقول إن الهجمات لن توقف «فجر اليمن»، وهذا يعني أن مجلس القيادة يرفض أن يكون استهداف المطارات ورقة تُعيد ترتيب الأولويات أو تفرض وقفاً للنار. كما يعني أن الرد الرسمي على التصعيد الحوثي سيبقى، وفق هذا الخطاب، مرتبطاً بهدف أوسع هو استعادة الدولة لا الاكتفاء بإدانة الهجمات.
وفي الوقت نفسه، يفتح التصريح باب المساءلة الدولية. فالمطالبة بموقف موحد لا تكتمل إلا إذا ترجمت إلى إجراءات ملموسة: حماية الملاحة المدنية، ومنع تدفق السلاح، ودعم المسار السياسي الرامي إلى إنهاء الانقلاب، وعدم منح الجماعة أي غطاء سياسي يتيح لها الإفلات من المساءلة عن استهداف المدنيين. وهذه النقاط هي ما يمكن استخلاصه من التصريحات المعلنة، دون القول إن خريطة زمنية نهائية قد أُعلنت.
خلفية لا تزال تحكم المشهد
لا يمكن فهم التصريح بمعزل عن السياق الذي أنتجه. فالحوثيون يسيطرون على صنعاء ومناطق واسعة من شمال اليمن وغربه منذ سنوات، فيما تعمل الحكومة المعترف بها دولياً من خارج العاصمة، ويتولى مجلس القيادة الرئاسي إدارة هذه المرحلة. والنزاع لم يعد مجرد خلاف على السلطة الداخلية؛ فقد امتد إلى الملاحة البحرية والمنشآت النفطية والمطارات، وأصبح ملفاً إقليمياً تتداخل فيه حسابات الأمن والملاحة والدعم الخارجي.
وفي ظل هذه الخلفية، يبدو تصريح العليمي محاولة لإعادة تثبيت السردية الرسمية بعد كل موجة تصعيد: العملية مستمرة، والدعم التحالفي قائم، والمدنيون ليسوا هدفاً، والمحاسبة لن تسقط، والمجتمع الدولي مطالب بموقف أوضح. هذه العناصر لا تُنهي الحرب، لكنها تحدد كيف تريد السلطة المعترف بها أن يُقرأ التصعيد الحالي: ليس بوصفه نهاية للمسار، بل بوصفه سبباً إضافياً للإصرار عليه.
المشهد المفتوح
حتى لحظة إعداد هذا التقرير، لم يصدر عن مجلس القيادة جدول زمني معلن لإنهاء عملية «فجر اليمن»، ولم تُعلن نتائج ميدانية نهائية تغير خريطة السيطرة. ما هو مؤكد هو استمرار الخطاب الرسمي على ثلاثة محاور: عدم التوقف، وعدم قبول فرض الإرادة بواسطة استهداف المدنيين، وعدم إسقاط المحاسبة. وسيتوقف اختبار هذا الخطاب على مدى قدرة الدولة وحلفائها على حماية المدنيين فعلياً، وعلى ما إذا كان الموقف الدولي المطلوب سيتجاوز بيانات الإدانة إلى إجراءات تُضيّق نطاق التهديد.
وفي انتظار هذه الإجابات، يبقى الثابت الذي لا يحتمل التأويل هو موقف رئيس مجلس القيادة الرئاسي: استهداف الحوثيين للمطارات والمنشآت المدنية في اليمن ودول الجوار لن يوقف عملية «فجر اليمن»، ولن يمنح الميليشيا فرصة لفرض الأمر الواقع أو الإفلات من المحاسبة. وستظل الأيام المقبلة هي التي تُظهر ما إذا كان هذا الموقف سيترجم إلى تغيير ملموس في ميزان المواجهة، أم سيبقى إطاراً سياسياً لعملية ما زالت نتائجها النهائية غير محسومة.