بوتين: ما نسيطر عليه في أوكرانيا «أراض تاريخية» وروسيا لا تستعد لحرب ضد أوروبا | سياسة | شبكة نفود الإخبارية
عاجل
سياسة
بوتين: ما نسيطر عليه في أوكرانيا «أراض تاريخية» وروسيا لا تستعد لحرب ضد أوروبا
✍️ طلال الدوسري
شارك:
✍️ طلال الدوسري
قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إن ما تسيطر عليه موسكو في أوكرانيا يمثل أراضي تاريخية روسية، مؤكدًا في الوقت نفسه أن روسيا لا تستعد لأي حرب ضد أوروبا. وجاءت هذه الصياغة في سياق تصريحات أدلى بها يوم 25 سبتمبر/أيلول 2026، ونقلتها وسائل إعلام دولية وإقليمية، وتداولتها منصات التواصل، في وقت تواصل فيه القتال على الأراضي الأوكرانية وتصاعدت فيه مخاوف أوروبية من امتداد المواجهة.
ويضع هذا الموقف الروسي السيطرة العسكرية القائمة في إطار سردية تاريخية ترفضها كييف وغالبية الدول، فيما يحاول نفي أي نية لفتح جبهة مع الدول الأوروبية. وبين الصيغتين فجوة واسعة؛ فموسكو تقدم الحرب الدائرة بوصفها استعادة لحق تاريخي، بينما تعدها أوكرانيا حربًا عدوانية واحتلالًا لأراض معترف بها دوليًا.
## ما الذي قاله بوتين عن أوروبا؟
نقلت وكالة فرانس 24، في 25 سبتمبر 2026، عن بوتين قوله إنه يريد التأكيد مرة أخرى على أن روسيا «لا تستعد لأي نوع من الأعمال العدائية مع أوروبا». ونشرت وسائل أوكرانية ناطقة بالإنجليزية، من بينها «أوكرانسكا برافدا» و«ذا نيو فويس أوف أوكران»، الخبر نفسه بعنوان يفيد أن بوتين ينفي استعداد روسيا لحرب مع أوروبا.
وفي التغطية العربية، نقلت شبكة «العربية» وموقع «الغد» عن بوتين تأكيده، يوم الجمعة 25 سبتمبر 2026، أن بلاده لا تستعد لأي نوع من أنواع الصراع مع أوروبا. كما نقلت منصة «الشرق» عنه تحذير أوكرانيا من تصعيد الهجمات على البنية التحتية الروسية، مع تكرار القول إن موسكو لا تستعد لأي عمل عدائي ضد أوروبا. وأعادت وكالة أنباء الشرق الأوسط المعنى نفسه، إذ نشرت أن بوتين أكد أن بلاده لا تستعد لحرب مع أوروبا ولا توجد لذلك دوافع أو أسس.
ولم يكتف الرئيس الروسي، وفق هذه الروايات، بالنفي العام. فقد نقلت «أوكرانسكا برافدا» عنه اتهام دول البلطيق بانتهاك حقوق الناطقين بالروسية، مع الإبقاء على القول إن روسيا ليست بصدد الاستعداد لحرب في أوروبا. وهذا الربط مهم؛ فموسكو تقدم نفسها بوصفها طرفًا لا يبحث عن مواجهة مع القارة، لكنها تبقي ملف الأقليات الناطقة بالروسية في دول مجاورة ضمن أدوات الضغط السياسي.
## سردية «الأراضي التاريخية»
### من مقال 2021 إلى حرب 2022
ليست عبارة «الأراضي التاريخية» جديدة في الخطاب الروسي. ففي 12 يوليو/تموز 2021، نشر الكرملين مقالًا بتوقيع بوتين بعنوان «عن الوحدة التاريخية بين الروس والأوكرانيين»، ذهب فيه إلى أن الروس والأوكرانيين والبيلاروس ينحدرون من دولة واحدة قديمة، وشكك في أسس الدولة الأوكرانية المستقلة. ووصف محللون غربيون، من بينهم مركز الأطلسي، المقال بأنه حمل تهديدات مبطنة واستخفافًا بالدولة الأوكرانية.
وبعد بدء الغزو الشامل في فبراير/شباط 2022، عاد بوتين إلى هذا الإطار. ونقلت شبكة «إن بي سي» الأميركية عنه، في فبراير 2022، وصفه أوكرانيا بأنها «أرض روسية تاريخيًا». وفي السنوات اللاحقة، ظل هذا الوصف حاضرًا في الخطاب الرسمي، سواء في الحديث عن شبه جزيرة القرم التي ضمتها موسكو عام 2014، أو عن مناطق شرق أوكرانيا وجنوبها التي تسيطر على أجزاء منها القوات الروسية.
### ما ذكرته التغطية المصاحبة للتصريح
في الدورة الإعلامية المرتبطة بتصريحات 25 سبتمبر 2026، لم يكن نفي الحرب مع أوروبا منفصلًا عن الحديث عن أوكرانيا. فقد أشارت تغطية متداولة للتصريحات نفسها إلى أن ما وصفه بوتين بـ«الأرض التاريخية» يشهد، بحسب روايته، تشكل ما سماه «مضادة لروسيا». وهذا التركيب هو ما لخصته المنشورات المتداولة بعبارة: ما سيطرت عليه روسيا في أوكرانيا هو أراض تاريخية روسية، وروسيا لا تستعد لأي حرب ضد أوروبا.
ومن الناحية المهنية، ينبغي التمييز بين أمرين. الأول ثابت بتوافر مصادر مستقلة: نفي بوتين الاستعداد لحرب أو أعمال عدائية ضد أوروبا يوم 25 سبتمبر 2026. والثاني هو توصيفه الأراضي التي تسيطر عليها قواته بأنها أراض تاريخية روسية، وهو موقف سياسي معلن يتكرر في خطابه، ولا يعد حقيقة قانونية معترفًا بها خارج روسيا. فالأمم المتحدة وغالبية الدول لا تعترف بضم شبه جزيرة القرم ولا بالضم اللاحق لمناطق أوكرانية أخرى، وتعد هذه المناطق أراضي أوكرانية خاضعة للاحتلال أو للسيطرة العسكرية الروسية.
## دونيتسك والمنطقة العازلة والمفاوضات
لم يقتصر الحديث الروسي، وفق التغطية المصاحبة، على نفي الحرب الأوروبية. فقد نقلت قناة «الميادين» عن بوتين قوله إن «تحرير» أراضي ما تسميه موسكو «جمهورية دونيتسك الشعبية» ما زال من المهام الرئيسية، وإن إنشاء منطقة عازلة على الحدود مع أوكرانيا يسير قدمًا. وهذا الكلام، إن صح نقله على هذا النحو، يعني أن القيادة الروسية لا تعد السيطرة الحالية نهاية للعمليات، بل تبقي أهدافًا عسكرية معلنة داخل الأراضي الأوكرانية.
وفي المسار السياسي، نقلت «العربية» عن بوتين قوله إن روسيا كانت مستعدة لاستئناف المفاوضات مع كييف بعد الانتخابات، لكنه حمل أوكرانيا مسؤولية تعثر هذا المسار. كما أشارت صحيفة «هندوستان تايمز»، في 26 سبتمبر 2026، إلى أن بوتين يزن إمكان استئناف الحديث مع أوكرانيا، في الوقت الذي ينفي فيه استعداد موسكو لأي نوع من الصراع مع أوروبا.
وهكذا تجتمع التصريحات، بحسب ما نشر، ثلاث رسائل في وقت واحد: السيطرة الحالية غير قابلة للتفاوض من وجهة نظر موسكو لأنها تعدها أراضًا تاريخية؛ والعمليات في دونيتسك وعلى الحدود مستمرة؛ والباب السياسي مع كييف ليس مغلقًا نهائيًا لكن موسكو تحمل الطرف الآخر مسؤولية توقفه. أما أوروبا، فيُقدم لها رسالة طمأنة منفصلة عن مسار الحرب الأوكراني.
## لماذا يهم النفي الروسي؟
يأتي النفي الروسي في وقت تعاملت فيه عواصم أوروبية مع الحرب الأوكرانية بوصفها تهديدًا مباشرًا لأمن القارة، لا سيما بسبب القرب الجغرافي فحسب، بل أيضًا بسبب الهجمات المنسوبة إلى روسيا على بنى تحتية وأهداف مدنية في دول مجاورة، وبسبب الجدل حول حجم الدعم العسكري الأوروبي لكييف. ولم تُنشر، ضمن ما راجعته هذه المادة، ردود رسمية أوروبية موحدة على هذا التصريح بعينه. لكن معهد دراسة الحرب الأميركي، في تقييم نشره في 24 سبتمبر 2026، رأى أن روسيا تتصرف تجاه أوروبا وفق منطق حرب، بينما تواصل أوروبا التعامل وفق منطق سلم. وهذا تقييم تحليلي لا يعد موقفًا حكوميًا، لكنه يلخص الفجوة بين الرسالة الروسية العلنية وبين قراءة مراكز بحث غربية للسلوك العسكري الروسي.
ومن دون الدخول في نية غير معلنة، فإن للنفي وظيفة سياسية واضحة. فهو يحاول فصل الحرب الأوكرانية عن أي مسار نحو حلف الناتو أو الاتحاد الأوروبي، ويقدم الدعم الأوروبي لكييف بوصفه عامل تصعيد لا مبرر له من وجهة نظر موسكو. كما يسعى إلى طمأنة الرأي العام في دول أوروبية تجدد الجدل حول ميزانيات الدفاع وحول مدى استمرار الدعم العسكري لأوكرانيا. في المقابل، تقرأ كييف وحلفاؤها هذا النوع من التصريحات بوصفه محاولة لتطبيع الأمر الواقع على الأرض، ولإضعاف الضغوط على الأوروبيين كي يقللوا انخراطهم في حرب لا ترى موسكو أنها تعنيهم مباشرة.
## الموقف الأوكراني والإطار القانوني
ترفض أوكرانيا، منذ عام 2014 ثم بشكل أوسع منذ 2022، أي توصيف يجعل السيطرة الروسية حقًا تاريخيًا. وتعد كييف الأراضي التي دخلتها القوات الروسية أراضي محتلة، وتطالب بانسحاب كامل وباستعادة سيادتها ضمن حدودها المعترف بها دوليًا. ولم تُنشر، في المصادر التي راجعتها هذه المادة، رد رسمي أوكراني مباشر على العبارة المتداولة بعينها، لكن الموقف الأوكراني الثابت معروف: لا اعتراف بالضم، ولا تفاوض على السيادة، والقتال مستمر طالما بقيت القوات الروسية داخل الحدود.
ويكشف هذا التباين طبيعة الصراع السياسي لا العسكري فحسب. فموسكو تريد تثبيت السيطرة بوصفها نتيجة تاريخية لا مكسبًا حربيًا قابلًا للتراجع، بينما ترى كييف أن أي تسوية تبدأ من الاعتراف بأن هذه الأراضي أوكرانية. ومن دون حسم هذه النقطة، تبقى أي حديث عن وقف إطلاق نار أو مفاوضات عرضة للانهيار عند أول خلاف حول الخرائط.
## ما الذي لا يحسمه التصريح؟
لا يغير التصريح الروسي واقع القتال. فالحرب مستمرة منذ الغزو الشامل في 2022، وسبقها ضم شبه جزيرة القرم والنزاع في دونباس منذ 2014. ولا يقدم النفي الروسي الاستعداد لحرب ضد أوروبا ضمانة بعدم وقوع حوادث بين روسيا ودول أوروبية، ولا يلغي المخاوف المرتبطة بالمسيرات والأجواء المحاددة لحلف الناتو وبالبنية التحتية الحيوية. كما أنه لا يحدد مساحة الأراضي التي تسيطر عليها القوات الروسية، ولا يذكر خسائر الطرفين، ولا يرسم خريطة للانسحاب.
وفي ظل غياب أرقام رسمية متفق عليها حول مساحة السيطرة في هذا التصريح بعينه، يبقى المعنى السياسي أوضح من المعنى الجغرافي. فبوتين لا يطرح السيطرة بوصفها ورقة تفاوض مؤقتة، بل بوصفها استعادة لما يعده حقًا تاريخيًا. وهذا التوصيف يرفع سقف أي تسوية محتملة، لأنه يحول النزاع من خلاف على الحدود والأمن إلى خلاف على شرعية الدولة الأوكرانية نفسها.
## خلاصة المشهد
تُظهر تصريحات 25 سبتمبر 2026 بوتين في موقع يجمع بين رسالتين متعارضتين في الظاهر. الرسالة الأولى موجهة إلى أوروبا: روسيا لا تستعد لحرب ضدها، ولا ترى مبررًا لهجوم على دولها. والرسالة الثانية موجهة إلى كييف وإلى الداخل الروسي: ما تسيطر عليه القوات الروسية في أوكرانيا ليس محل تفاوض، بل هو، بحسب الرواية الرسمية، أرض تاريخية. وبين الرسالتين تبقى الحرب قائمة، والمفاوضات معلقة على خلاف لا يبدو قريب الحسم، والمخاوف الأوروبية مستمرة رغم النفي الرسمي.
وسيظل السؤال العملي هو ما إذا كانت هذه اللغة ستترجم إلى خطوة تفاوضية أم إلى تثبيت الوضع الميداني. المصادر المتاحة لا تقدم جدولًا زمنيًا، ولا خريطة متفقًا عليها، ولا التزامًا بوقف الهجوم. وما تقدمه هو موقف روسي معلن: لا حرب مع أوروبا في الخطاب، ولا تراجع عن الأراضي التي تصفها موسكو بالتاريخية في الميدان. وستظل مصداقية هذا الموقف رهينة بما إذا كانت العمليات ستتوقف فعلًا، وبما إذا كانت المفاوضات ستعود بشروط يمكن لكييف قبولها، وبما إذا كانت العواصم الأوروبية ستعد النفي كافيًا لخفض جاهزيتها. وحتى يحدث ذلك، يبقى التصريح موقفًا سياسيًا لا نهاية للحرب.