بوتين: ما سيطرنا عليه في أوكرانيا أراض تاريخية روسية ولا نستعد لحرب ضد أوروبا
✍️ ريهام العبدلي
شارك:
✍️ ريهام العبدلي
أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن الأراضي التي سيطرت عليها موسكو في أوكرانيا هي، بحسب وصفه، أراض تاريخية روسية، في موازاة إعادته نفي استعداد روسيا لأي حرب أو عمل عسكري ضد أوروبا. وجاءت التصريحات في مؤتمر صحافي في سان بطرسبورغ يوم 25 سبتمبر/أيلول 2026، وهي تصريحات تجمع بين سردية تاريخية رفضتها كييف ومعظم العواصم الأوروبية، ورسالة طمأنة لم تُنهِ الجدل القائم حول نوايا موسكو تجاه الجناح الشرقي للحلف الأطلسي.
ونقلت وكالة أنباء الصحافة الفرنسية عن بوتين قوله إنه يريد التأكيد مرة أخرى على أن روسيا لا تستعد لأي نوع من الأعمال القتالية مع أوروبا. ونقلت وكالة الأنباء التركية عنه صيغة مقاربة، إذ قال إن روسيا لا تستعد لأي عمل عسكري ضد أوروبا، وإنه لا خطط لها في هذا الاتجاه، والأهم أنه لا توجد أسس لمثل هذا التصعيد. ونقلت منصات إخبارية أوكرانية، منها «أوكراينسكا برافدا» وموقع «نيو فويس أوف أوكراين»، التصريح نفسه بصيغة مقاربة، مع إضافة أن بوتين اتهم دول البلطيق بانتهاك حقوق الناطقين بالروسية.
## الأراضي التاريخية وحدود الحرب
يُعدّ وصف المناطق التي تسيطر عليها القوات الروسية بأنها «أراض تاريخية» امتدادًا لخطاب كرره بوتين منذ سنوات. ففي مقال نشره الكرملين في 12 يوليو/تموز 2021 بعنوان «في الوحدة التاريخية للروس والأوكرانيين»، عرض الرئيس الروسي قراءة ترفض وجود أوكرانيا بوصفها دولة مستقلة ذات سيادة كاملة على تاريخها، ويعيد الروس والأوكرانيين والبيلاروس إلى أصول مشتركة في روس القديمة. ووصف محللون غربيون، من بينهم مجلس الأطلسي، المقال بأنه يحمل تهديدات مضمرة ويُظهر ازدراء للدولة الأوكرانية.
وفي ديسمبر/كانون الأول 2025، وفق رويترز، قال بوتين إن روسيا ستحقق «تحرير أراضيها التاريخية» بالوسائل العسكرية إذا لم تُنهِ المفاوضات إلى نتيجة تقبلها موسكو، وأضاف أن روسيا تقول إنها تسيطر على نحو 19 في المئة من أراضي أوكرانيا. وهذه النسبة روسية المصدر، ولا تعني اعترافًا دوليًا بالسيادة على هذه المناطق. وفي اليوم التالي لتلك التصريحات، نقلت صحيفة «الشرق الأوسط» عن بوتين وصفه الدعوات الغربية للاستعداد لحرب كبرى مع روسيا بأنها «هستيريا» و«أكذوبة».
ويُظهر التصريح الأحدث ان هذا الخطاب لم يتغير في جوهره مع دخول الحرب عامها الخامس. فالمناطق التي تشملها السيطرة الروسية، ومن بينها شبه جزيرة القرم التي ضمتها موسكو عام 2014، ومناطق واسعة في دونيتسك ولوهانسك وخيرسون وزابوريجيا، تعدها أوكرانيا أراضي محتلة، ولا تعترف الأمم المتحدة ومعظم دول العالم بضمها إلى روسيا. أما موسكو فتعامل مع هذه السيطرة بوصفها نتيجة لعملية عسكرية بدأت في فبراير/شباط 2022، وترفض أي تسوية لا تثبت هذه المكاسب.
## رسالة إلى أوروبا والبلطيق
لم يكتفِ بوتين بنفي الاستعداد لحرب أوروبية، بل وجه اتهامًا مباشرًا إلى دول البلطيق. ووفق موقع «EU Perspectives»، قال إن روسيا ليست لديها خطط لعمل عسكري ضد أوروبا، ووصف التحذيرات الأوروبية من روسيا بأنها تسهم في تصعيد التوتر. ونقلت «يورونيوز» عنه أن لا دافع حقيقيًا لتصعيد الوضع مع أوروبا، مشيرًا إلى ملف الناطقين بالروسية في دول البلطيق.
وتأتي هذه التصريحات في سياق تعزز دفاعي متسارع داخل حلف شمال الأطلسي. فإستونيا ولاتفيا وليتوانيا، وهي دول أعضاء في الحلف والاتحاد الأوروبي، رفعت خلال العامين الماضيين ميزانيات الدفاع وشددت على ضرورة الاستعداد لسيناريو تصعيد قد يطالها مباشرة. وترى هذه العواصم أن الحرب في أوكرانيا ليست نزاعًا بعيدًا، بل اختبارًا لمصداقية الردع الأطلسي، وأن أي ضعف في الدعم الغربي لكييف قد يُفسَّر في موسكو على أنه فرصة لاختبار حدود الحلف.
أما موسكو فتعدّ هذا الاستعداد جزءًا من حملة تصور روسيا على أنها خصم يسعى إلى توسيع نفوذه شرقًا. ويرتبط الخطاب الروسي ملف الناطقين بالروسية في إستونيا ولاتفيا وليتوانيا بملف الحرب في أوكرانيا، على الرغم من أن الدول الثلاث تعدّ سياسات اللغة والتعليم والمواطنة شأنًا سياديًا، وترفض أن تُستخدم ورقة للضغط الخارجي. ولا تُقدِّم التصريحات الروسية أدلة مستقلة على وجود انتهاكات منهجية تصل إلى حد يبرر تدخلًا خارجيًا، فيما تعدّ تالين وريغا وتالين هذه الدول الاتهامات ذريعة لإبقاء نفوذ ثقافي وسياسي روسي داخل الاتحاد الأوروبي.
## الحرب مستمرة رغم نفي التوسع
يأتي نفي الاستعداد لحرب أوروبية في وقت لا تزال فيه العمليات العسكرية جارية على الأراضي الأوكرانية. وفي اليوم التالي للمؤتمر الصحافي، نقلت «يورونيوز» أن ستة أشخاص على الأقل قُتلوا في ضربات روسية على أوكرانيا خلال 24 ساعة. وهذا التزامن يضع الرسالة الروسية أمام اختبار مباشر: فنفي النية لمواجهة أوروبا لا يغير واقع حرب مستمرة ضد دولة تتلقى دعمًا عسكريًا وماليًا واستخباراتيًا من حلفائها الأوروبيين ومن الولايات المتحدة.
وقد ربط بوتين، وفق وكالة الأنباء التركية، بين استئناف المحادثات مع كييف وبين ما وصفه بهجمات أوكرانية على مراكز اقتراع روسية. وقال إن موسكو كانت مستعدة لاستئناف الحديث بعد الانتخابات، لكن الهجمات عطلت ذلك. وهذا الربط يضع المسؤولية عن تعطل المسار الدبلوماسي على كييف، فيما ترى السلطات الأوكرانية أن الضربات البعيدة المدى جزء من حق الدفاع عن النفس ضد دولة تشن هجومًا شاملًا منذ عام 2022.
ولم تُظهر التصريحات أي مؤشر على استعداد روسي للتراجع عن المطالب الأساسية التي رفضتها كييف مرارًا: الاعتراف بالسيطرة على المناطق المضمومة، وحياد أوكرانيا عن حلف شمال الأطلسي، ووضع قيود على جيشها. وهذه المطالب هي نفسها التي وصفها الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بالاستسلام، وأكد أن أي تسوية لا تضمن سيادة أوكرانيا وحقها في اختيار تحالفاتها لن تكون سلامًا بل تثبيتًا لنتائج العدوان.
## الموقف الأوروبي والأمريكي
تتعامل العواصم الأوروبية مع الرسالة الروسية بوصفها جزءًا من نمط متكرر: نفي النية العدوانية تجاه حلف شمال الأطلسي، مقترنًا باتهام الغرب بتأجيج الحرب وبالتمسك بمطالب قصوى في أوكرانيا. وقد رفعت عدة حكومات أوروبية، خلال الأشهر السابقة، مستوى الإنفاق الدفاعي وأعادت تقييم خطط الدفاع الجماعي، لا سيما بعد تحذيرات من أجهزة استخباراتية تتحدث عن إمكان تصعيد روسي خلال السنوات المقبلة إذا لم يتعزز الردع.
وفي واشنطن، يظل ملف أوكرانيا مرتبطًا بموقف الرئيس الأمريكي ترامب الداعي إلى تسوية تُنهي القتال. وقد رفض بوتين، وفق تقارير سابقة لشبكة «CNN» في ديسمبر/كانون الأول 2025، أي تنازل يمس ما يعده أهداف روسيا الأساسية، رغم الضغوط الأمريكية لإحراز تقدم دبلوماسي. وهذا التباين يفسر لماذا تتلقى العواصم الأوروبية رسائل الطمأنة الروسية بحذر: فهي ترى أن الخطر ليس في إعلان حرب على الحلف غدًا، بل في استمرار حرب استنزاف قد تُوسع إذا شعرت موسكو بأن تكلفة التصعيد أقل من تكلفة التراجع.
## خلفية الخطاب وحدوده
يمكن قراءة التصريحات على أنها موجهة إلى ثلاثة جماهير في آن واحد. الجمهور الأول هو الداخل الروسي، حيث يُعاد تأكيد أن الحرب ليست مواجهة مفتوحة مع الغرب كله، بل عملية محدودة لاستعادة ما تصفه موسكو أراضي تاريخية. والجمهور الثاني هو الأوروبي، حيث يُطلب منه التمييز بين دعم أوكرانيا وبين الدخول المباشر في حرب مع روسيا. والجمهور الثالث هو الأوكراني، حيث تُعاد رسالة أن الزمن يعمل لصالح الطرف الذي يسيطر على الأرض، لا لصالح الطرف الذي ينتظر تغييرًا في المواقف الغربية.
غير أن هذه القراءة تصطدم بحقائق الميدان. فالحرب لم تُنتج حسمًا عسكريًا سريعًا، والجيش الأوكراني ما زال يتلقى دعمًا غربيًا، والعقوبات الأوروبية والأمريكية ما زالت قائمة. كما أن وصف الأراضي المسيطر عليها بأنها تاريخية لا يُنهي الخلاف القانوني والسياسي حولها، بل يعيد فتحه في كل مرة يتحدث فيها بوتين. فكييف تعدّ أي اعتراف بهذا الوصف تنازلًا عن سيادتها، والاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي يعدان الاعتراف بالحدود بالقوة سابقة خطيرة على النظام الأوروبي للأمن.
## ما الذي يتغير وما الذي يبقى
لا يُنهي التصريح الروسي الجدل حول احتمال تصعيد مستقبلي، لكنه يضع حدًا لغويًا للخطاب الرسمي: موسكو تقول إنها لا تستعد لحرب ضد أوروبا، وإن ما تسيطر عليه في أوكرانيا يدخل، في رأيها، ضمن أراضيها التاريخية. وهذا التمييز هو ما ترفضه كييف وحلفاؤها. فالحرب الدائرة، في نظرهم، هي الحرب ضد أوروبا بالوكالة، لأن أوكرانيا تدافع عن حدود معترف بها دوليًا، ولأن هزيمتها ستغير موازين القوة على الحدود الشرقية للحلف.
وسيظل الاختبار العملي لهذه الرسالة في ما إذا كانت ستُتبع بخفض لوتيرة العمليات، أو بفتح قناة تفاوض لا تشترط التنازل عن السيادة الأوكرانية مسبقًا. وحتى يحدث ذلك، سيبقى الخطاب الروسي عن الأراضي التاريخية وعدم الاستعداد لحرب أوروبية موضوع خلاف سياسي وقانوني، لا أساسًا لتسوية يمكن لكييف وحلفائها قبولها.