الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء: ميليشيا الحوثي جماعة إرهابية انتهكت الحرمات وحاولت استهداف الحرمين

وصفت الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء ميليشيا الحوثي بأنها جماعة إرهابية، مستندة إلى ما قالت إنه انتهاك للحرمات والمقدسات، واستهداف للمدنيين في اليمن، وزعزعة للأمن، وتفريق للكلمة، واعتداء على الآمنين والحرمات، إلى جانب أعمال وصفتها بالإرهابية تمثلت في محاولة آثمة لاستهداف الحرمين الشريفين. وجاء هذا الموقف في نص جرى تداوله على نطاق واسع، فيما بدت الجملة الختامية المتاحة مبتورة عند كلمة «يعد»، ما يقتضي التوقف عند العبارات المنشورة من دون استكمال ما لم يرد في النص.
مضمون الموقف ودلالاته
يجمع النص المتداول بين التكييف الشرعي والوصف السياسي والأمني. فهو لا يكتفي بإطلاق وصف «جماعة إرهابية»، بل يربطه بسلوك محدد: انتهاك الحرمات والمقدسات، واستهداف المدنيين داخل اليمن، وتفريق الكلمة، وزعزعة الأمن، والاعتداء على الآمنين. أما العنصر الأكثر حساسية في الصياغة فهو الإشارة إلى محاولة استهداف الحرمين الشريفين، ووصفها بالمحاولة الآثمة وبالعمل الإرهابي.
ويحمل هذا التركيز دلالة مزدوجة. فمن جهة، ينقل النقاش من إطار الصراع اليمني الداخلي إلى إطار يمس حرمة المكانين اللذين تعدهما المملكة العربية السعودية أمانة تاريخية ودينية. ومن جهة أخرى، يضع الأمانة العامة السلوك المنسوب إلى الميليشيا خارج خلافات الرأي السياسي المعتادة، ويربطه بانتهاك حرمة الدماء والمساجد والمقدسات. وهذا المسار هو الذي يمنح البيان وزنه لدى رأي عام يرى في الحرمين خطا أحمر لا يجوز المساس به، مهما كانت الذرائع التي يسوقها أصحابها.
موقع هيئة كبار العلماء
تعد هيئة كبار العلماء المرجع الشرعي الأعلى في المملكة في المسائل الدينية العامة، وتصدر عنها بيانات وقرارات تتصل بقضايا تمس العقيدة والعبادة والسلم الاجتماعي والمواقف التي ترى الهيئة أن لها أثرًا في وحدة المسلمين وحماية المقدسات. أما الأمانة العامة فهي الجهة التي تتولى إخراج المواقف وتنسيق البيانات، ولذلك فإن صدور الوصف عنها يعني أن المسألة لم تُعالَج بوصفها ملفًا عسكريًا فحسب، بل بوصفها قضية تتصل بالأحكام الشرعية المتعلقة بحفظ النفوس والحرمات.
ولا يعني هذا الموقف، في حد ذاته، أنه يحل محل القرار السيادي أو التصنيف القانوني الدولي. فالبيانات العلمية تؤسس الحكم الشرعي وتوضح المحظور والممنوع، بينما تبقى إجراءات الإدراج على قوائم الإرهاب من اختصاص الدول والمنظمات الدولية وفق أنظمتها. غير أن وزن المرجعية الدينية يجعل من البيان وثيقة يستند إليها الخطباء والدعاة ومؤسسات الفتوى في تبيين حكم استهداف المدنيين والمساس بالمقدسات.
الفرق بين الوصف الشرعي والتصنيف الرسمي
من المهم التمييز بين أمرين يختلطان في النقاش العام. الأول هو الحكم الشرعي الذي يصف الفعل ويبين حرمته، وهو ما ورد في نص الأمانة العامة. والثاني هو الإدراج على قوائم الإرهاب لدى الدول أو مجلس الأمن، وهو إجراء تترتب عليه آثار قانونية ومالية وحظر للسفر وتجميد للأموال. وقد طالبت الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، في محطات متعددة خلال السنوات الماضية، بتصنيف الجماعة إرهابية، كما شهد ملف التصنيف الأميركي مراجعات وقرارات متعاقبة. أما بيان الأمانة العامة فيبقى، وفق نصه المنشور، موقفًا شرعيًا وأخلاقيًا لا يُعلن فيه عن قرار إدراج جديد لجهة دولية.
الحرمان الشريفان في قلب البيان
تستمد الإشارة إلى الحرمين الشريفين قوتها من مكانة مكة المكرمة والمدينة المنورة في الوجدان الإسلامي. فالمسجد الحرام قبلة المسلمين ومقصد الحجاج والمعتمرين، والمسجد النبوي ثاني الحرمين، وكلاهما يستقبل الملايين سنويًا. وتتولى المملكة مسؤولية خدمتهما وتأمين القادمين إليهما، وهو ما يجعل أي حديث عن استهدافهما مسألة تتجاوز الحدود السعودية إلى العالم الإسلامي بأسره.
وفي السياق الإقليمي القريب، تداولت تحذيرات سعودية شملت مكة وجدة، فيما نفى مصدر عسكري منسوب إلى الجماعة، في تصريح نُسب إلى وكالة سبأ التي تديرها الجماعة في صنعاء، وجود خطر يستهدف مكة أو الأراضي المقدسة. كما أعلنت المنظمة العربية للسياحة إدانتها ما وصفته بهجوم على مكة المكرمة والمدينة المنورة، وأدانت هيئة علماء اليمن استهداف مكة، مؤكدة أن المساس بالحرمين عدوان على مقدسات الأمة. وهذه المواقف، والنفي المقابل، تظهر أن مسألة المساس بالحرمين لم تعد خلافًا إعلاميًا عابرًا، بل أصبحت في صلب الجدل السياسي والديني والأمني.
المدنيون في اليمن وتفريق الكلمة
لم يقصر النص على الحرمين، بل قرن الوصف بما قال إن الميليشيا تقوم به من استهداف للمدنيين في اليمن. وهذا الشق مهم لأن الصراع اليمني، المستمر منذ سيطرة الجماعة على صنعاء في عام 2014 وتوسع المواجهات بعد تدخل تحالف داعم الشرعية في 2015، خلّف واحدة من أشد الأزمات الإنسانية في العالم. وقد وثقت تقارير أممية وحقوقية، على مدى سنوات، استخدام القصف والألغام والأسر والحصار في مناطق مأهولة بالسكان، من دون أن يكون هذا المقال محل لسرد أرقام ضحايا لم ترد في البيان محل التغطية.
وعبارة «تفريق الكلمة» الواردة في النص لها مدلول سياسي واضح في السياق اليمني. فالبلاد تعيش انقسامًا بين سلطة معترف بها دوليًا وسلطة أمر واقع تفرضها الجماعة في المناطق التي تسيطر عليها، مع تعدد في مراكز القوة وتعثر متكرر لمسارات الهدنة والتسوية السياسية. وقد ربطت الحكومة اليمنية، في مواقف سابقة موثقة، بين تعطيل التسوية وبين سلوك الجماعة، وطالبت المجتمع الدولي بالتصنيف. ويأتي بيان الأمانة العامة ليضيف إلى هذا المسار السياسي حكمًا دينيًا يرى في تفريق الكلمة والاعتداء على الآمنين من موجبات الوصف بالإرهاب.
الأبعاد الإقليمية للملف
لا يُقرأ موقف من هذا النوع بمعزل عن خريطة الإقليم. فالجماعة تتلقى دعمًا من إيران، وهو أمر أقرت به أطراف دولية متعددة ووثقته تقارير أممية خاصة باليمن في ما يتعلق بالسلاح والخبراء والتمويل. وقد امتد نشاطها، خلال السنوات الأخيرة، من الجبهة الداخلية إلى الملاحة البحرية في البحر الأحمر وباب المندب، عبر هجمات على سفن تجارية وعلى مصالح دول مشاركة في حماية الملاحة. وهذا الامتداد هو الذي جعل ملف الجماعة ملفًا إقليميًا لا يخص اليمن وحدها.
وفي هذا الإطار، تأتي إشارة الأمانة العامة إلى محاولة استهداف الحرمين لترفع بسقف المخاطر التي تراها المملكة. فالمسألة لم تعد، وفق هذا المنطق، مجرد تبادل للنار على جبهة يمنية، بل مساسًا محتملًا بأمن الحجاج والمعتمرين والمدن المقدسة. ومن هنا كان الوصف بالإرهاب، في لغة البيان، نتيجة لسلوك لا لرد فعل على خصومة سياسية.
ما الذي لا يقوله البيان
الالتزام المهني يقتضي عدم تحميل النص أكثر مما يحتمل. فالعبارة المتداولة لا تذكر تاريخًا محددًا لهجوم، ولا عدد الضحايا، ولا نوع السلاح المستخدم، ولا اسم المتحدث الرسمي الذي وقّع البيان. كما أن الجملة الأخيرة انقطعت عند كلمة «يعد»، فلا يجوز نسب إلى الأمانة العامة نتيجة فقهية مفصلة لم ترد في النص، مثل الحكم بوجوب القتال أو تحديد عقوبة معينة. المتاح هو الوصف والأفعال المسنودة إليه، لا التفاصيل العملياتية التي تحتاج إلى بيان كامل أو مصدر رسمي مكتمل.
الأثر المتوقع للموقف
من المرجح أن يُستحضر هذا الموقف في خطب الجمعة وفي بيانات المؤسسات الدينية، لأن هيئة كبار العلماء تمثل مرجعًا يعول عليه في توحيد الخطاب الشرعي حيال القضايا الكبرى. وقد سبق لوزارة الأوقاف والإرشاد اليمنية أن وجهت الخطباء والأئمة والدعاة إلى بيان حقيقة فكر المليشيات والتحذير منه، في سياق منفصل عن بيان الأمانة العامة. واجتماع الخطاب الديني الرسمي في الرياض والخطاب اليمني المعارض للجماعة يعزز مسار الوصف، من دون أن يلغي الحاجة إلى توثيق مستقل لكل حادثة أمنية على حدة.
أما على المستوى الدولي، فمن المبكر توقع أثر قانوني مباشر للبيان في قوائم العقوبات. فهذه القوائم تتحرك بقرارات سيادية وأدلة استخباراتية ومواقف دول. لكن البيانات الدينية تؤثر في الرأي العام العربي والإسلامي، وتضيق هامش المانورة أمام من يحاول تقديم استهداف المدنيين أو المقدسات بوصفه عملًا مقاومًا. وهذا الأثر الرمزي لا يُستهان به في صراع تتنازع فيه السرديات بقوة.
خلاصة
يُثبّت النص المنسوب إلى الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء موقفًا صريحًا: ميليشيا الحوثي جماعة إرهابية، لأنها، بحسب الصياغة المتداولة، انتهكت الحرمات والمقدسات، واستهدفت المدنيين في اليمن، وزعزعت الأمن، وفرقت الكلمة، واعتدت على الآمنين، وأقدمت على محاولة لاستهداف الحرمين الشريفين. ويبقى المطلوب، لاستكمال الصورة، الرجوع إلى النص الكامل حين صدوره من القناة الرسمية، لأن الجملة الختامية في النسخة المتداولة لم تكتمل. وحتى يحصل ذلك، فإن ما هو منشور يكفي لتثبيت أن المرجعية الشرعية السعودية وضعت استهداف المدنيين ومحاولة المساس بالحرمين في صلب تكييفها للجماعة.