الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء تدين استهداف ميليشيا الحوثي للمدنيين في اليمن

أصدرت الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية بيانًا أدانت فيه ما وصفته باستهداف ميليشيا الحوثي الإرهابية للمدنيين والمنشآت المدنية في اليمن، معدّة هذا السلوك زعزعةً للأمن وتفريقًا للكلمة واعتداءً على الآمنين والحرمات. وجاء في النص المتداول للبيان أن ما أقدمت عليه الميليشيا من أعمال إرهابية تمثل «محاولة آثمة»، في إشارة تضع الفعل في خانة التحريم الشرعي والإنكار العام، لا في خانة الخلاف السياسي المجرد.
ويكتسب البيان وزنه من الجهة التي أصدرته؛ فهيئة كبار العلماء هي المرجع الشرعي الأعلى في المملكة في المسائل العامة، وتصدر بياناتها في القضايا التي تمس حرمة الدماء والأمن والمقدسات. أما الأمانة العامة فهي الجهة التي تتولى صوغة هذه المواقف وتعميمها، بما يجعل النص موقفًا مؤسسيًا لا تعليقًا عارضًا. ولم يتضمن النص المتاح أرقامًا للضحايا ولا تحديدًا لموقع بعينه أو توقيت حادثة منفردة، وهو ما يجعل مضمونه إدانة مبدئية لسلوك متكرر لا ردًا على خبر عابر فحسب.
ما الذي قاله البيان؟
جاء في النص المتداول: «إن ما تقوم به ميليشيا الحوثي الإرهابية من استهداف للمدنيين والمنشآت المدنية، في اليمن الشقيق، وما أحدثته من زعزعة للأمن، وتفريق للكلمة، واعتداء على الآمنين والحرمات، وما أقدمت عليه هذه الميليشيا من أعمال إرهابية بمحاولة آثمة». وهذا هو المقطع المتاح من البيان، ولا يجوز استكمال ما انقطع منه بعبارات لم ترد في النص الأصلي.
وتتوزع الإدانة، وفق هذا المقطع، على خمس فكر مترابطة: استهداف المدنيين، واستهداف المنشآت المدنية، وزعزعة الأمن، وتفريق الكلمة، والاعتداء على الآمنين والحرمات. ثم يختم المقطع بوصف الأعمال بأنها إرهابية، وبأن ما وقع محاولة آثمة. والجمع بين هذين الوصفين مهم؛ فالأول يضع الفعل في خانة الجريمة المنظمة، والثاني يضعه في خانة الممانعة الشرعية، وهو المسار الذي تسلكه هيئة كبار العلماء عندما ترى أن المسألة تجاوزت الخلاف السياسي إلى انتهاك أصل من أصول حماية النفس.
لماذا يهم صدور البيان عن الهيئة؟
ليست الإدانة السياسية لاستهداف المدنيين أمرًا جديدًا في الملف اليمني؛ فقد تواترت مواقف حكومية وحقوقية، يمنية وعربية ودولية، تندد بوقوع المدنيين والأعيان المدنية ضحية للقصف والاعتداءات على امتداد سنوات النزاع. غير أن انتقال الموقف إلى هيئة كبار العلماء يغيّر طبيعة الخطاب؛ فهو ينقل الإدانة من لغة المصلحة والسيادة إلى لغة التكليف الشرعي، ويوجه الرسالة إلى جمهور يستمد موقفه من المرجعية الدينية لا من التحليل السياسي وحده.
ويحمل وصف البيان اليمن بـ«الشقيق» دلالة لا تقل عن دلالة الإدانة نفسها. فالعبارة تنقل الملف من خانة الحدث الأمني المجرد إلى خانة المسؤولية تجاه شعب مجاور، وترفض الفصل بين استهداف المدني في اليمن وبين أمن الجوار واستقرار المنطقة. وهذا الربط هو ما تكرره المواقف السعودية الرسمية منذ سنوات، حين تعد حماية المدنيين جزءًا من حماية الاستقرار لا ملفًا إنسانيًا منفصلًا عنه.
المدني ليس هدفًا
يستند موقف الهيئة إلى أصل مستقر في الفقه الإسلامي، وهو حرمة دم المعصوم والمنع من الاعتداء على من لا يقاتل. فالمدني، في هذا الميزان، ليس طرفًا في نزاع مسلح، ولا يجوز اتخاذه وسيلة لإرهاب الخصم أو فرض أمر واقع. وينسجم هذا الأصل مع قاعدة التمييز المقررة في القانون الدولي الإنساني، والتي توجب التفريق بين من يشارك في القتال ومن لا يشارك فيه، وبين الأعيان العسكرية والأعيان المدنية. واستهداف المنشآت التي لا تسهم مساهمة مباشرة في العمليات العدائية، كالمنازل والأسواق والمستشفيات والمدارس وشبكات المياه والكهرباء، يُعد انتهاكًا لهذه القاعدة مهما كانت الذريعة التي يسوقها أصحابه.
الأثر الإنساني لاستهداف المدنيين
لا يقتصر أثر استهداف المدنيين على الضحايا المباشرين. فالقذيفة التي تصيب حيًا سكنيًا أو سوقًا أو منزلًا تخلّف خوفًا يدفع الأسر إلى النزوح، وتعطل التعليم والرعاية الصحية، وترفع أسعار الغذاء والدواء، وتضعف قدرة السلطات المحلية على إيصال المساعدات. وفي بلد يعاني أصلًا من هشاشة الخدمات، يتحول استهداف منشأة كهرباء أو مياه أو مستشفى إلى أزمة تتجاوز لحظة الانفجار، لأن إعادة الخدمة تحتاج وقتًا وتمويلًا وبيئة آمنة لا يتوفر كثير منها في ظل القتال.
وهنا تظهر عبارة «زعزعة الأمن» الواردة في البيان بوصفها نتيجة لا شعارًا. فالأمن ليس غياب الاشتباك فحسب، بل هو قدرة الناس على النوم في بيوتهم والذهاب إلى أعمالهم وتلقي العلاج وإرسال أبنائهم إلى المدارس. وكلما اتسع نطاق الاستهداف تراجعت هذه القدرة، وازداد اعتماد المجتمعات المحلية على شبكات حماية غير رسمية، وهو ما يعمّق التفكك ويصعب أي تسوية لاحقة.
تفريق الكلمة والاعتداء على الحرمات
يستخدم البيان عبارة «تفريق الكلمة» لوصف أثر سياسي واجتماعي لا يقل خطورة عن الأثر المادي. فالنزاع اليمني، منذ سيطرة جماعة الحوثي على العاصمة صنعاء في عام 2014، لم يكن مواجهة عسكرية فحسب، بل كان أيضًا انقسامًا في السلطة والمؤسسات والخطاب الديني. واستهداف المدنيين، في هذا السياق، يعمّق الانقسام لأنه يحوّل الخوف إلى أداة حكم، ويدفع مجتمعات بأكملها إلى الاحتماء بأطراف متناحرة بدلًا من البحث عن مخرج مشترك.
أما «الحرمات» التي أوردها البيان فهي صيغة واسعة تشمل، في الاستعمال الشرعي، النفس والمال والعرض والمساجد والمقدسات وكل ما وجبت حياطته من الاعتداء. ولا يحدد المقطع المتاح واقعة بعينها لهذه الحرمات، لكنه يجعل انتهاكها جزءًا من وصف السلوك لا تفصيلًا عارضًا. وهذا الاختيار مهم لأنه يغلق الباب أمام أي محاولة لتصوير استهداف المدنيين على أنه ضرورة حربية أو خطأً عرضيًا؛ فالبيان يصفه اعتداءً مقصودًا ومحاولة آثمة.
المنشآت المدنية وخط الحياة
يفرّق البيان بين المدنيين والمنشآت المدنية، وهو تفريق له قيمة عملية. فالمدني قد ينجو من قذيفة، لكنه لا ينجو من انقطاع المياه أو الكهرباء أو تعطل مستشفى كان ملاذه الوحيد. وفي الحروب الطويلة، يكون استهداف البنية الأساسية أشد أثرًا في المدى المتوسط من الضربة المباشرة، لأنه يحوّل المدينة إلى مكان غير قابل للحياة ويدفع سكانها إلى النزوح المتكرر.
وقد وثقت تقارير صحفية وحقوقية متعاقبة، على مدار سنوات، وقوع منازل وأسواق ومرافق خدمية في محافظات يمنية عدة ضمن نطاق القصف والاشتباكات، كما صدرت إدانات من جهات حكومية يمنية ومنظمات حقوقية لوقوع مدنيين ضحايا. ولا يُسند هذا المقال إلى البيان السعودي أرقامًا لم يذكرها، غير أن السياق العام يكفي لبيان أن الإدانة لا تأتي من فراغ، بل من ملف طويل ظل فيه المدني الطرف الأضعف.
الرسالة السياسية للبيان
يمكن قراءة البيان على ثلاثة مستويات. المستوى الأول شرعي: تحريم استهداف من لا يقاتل والاعتداء على الحرمات. والمستوى الثاني أخلاقي وسياسي: رفض استخدام المدني أداة لفرض الأمر الواقع أو تفريق المجتمع. والمستوى الثالث إقليمي: اليمن شقيق، وما يصيب مدنييه لا يبقى شأنًا يمنيًا داخليًا. وهذه المستويات الثلاثة تفسر لماذا يختار مؤسسة دينية سعودية أن تتحدث في ملف يُعالج عادة بلغة الخارجية والدفاع.
كما أن البيان لا يفتح بابًا لتبرير العنف ضد المدنيين بأي ذريعة. فهو لا يميز بين مدني ومدني، ولا يربط الإدانة بانتماء الضحية إلى طرف سياسي. المعيار الذي يضعه هو صفة المستهدَف: إن كان مدنيًا أو منشأة مدنية فالاستهداف محرّم. وهذا المعيار هو نفسه الذي تستند إليه المواقف الدولية المطالبة بحماية المدنيين في اليمن وفي غيره من النزاعات.
ما الذي يعنيه البيان للمسار السياسي؟
لا يقدم النص المتداول خارطة تفاوض ولا يسمّي وسيطًا ولا يحدد خطوة عسكرية. وهذا الغياب مفهوم في بيان صادر عن مؤسسة شرعية؛ فوظيفتها بيان الحكم لا رسم سياسة الدولة. لكن الأثر السياسي غير مباشر: البيان يضيّق مساحة المناورة أمام من يحاول تقديم استهداف المدنيين على أنه فعل مقبول أو ضرورة لا مفر منها. وهو يعزز، في الوقت نفسه، الموقف الرسمي السعودي الذي يصف الجماعة بالميليشيا الإرهابية، ويربط أي تسوية مستقبلية بوقف الاعتداء على المدنيين واحترام مؤسسات الدولة اليمنية.
وفي ظل تعثر التسويات السياسية في اليمن على مدار سنوات، تبقى حماية المدنيين هي الاختبار الأوضح لأي طرف يدّعي البحث عن سلام. فلا معنى لحديث عن وقف إطلاق النار إذا ظلت المنازل والأسواق والمستشفيات عرضة للقصف، ولا معنى لدعوة المجتمع الدولي إلى دعم السلام إذا لم يقترن هذا الدعم بمحاسبة من يستهدف من لا يحمل سلاحًا. والبيان، في مقطعه المتاح، يضع هذا المعيار في صدارة الموقف الشرعي السعودي.
خلاصة
يخلص الموقف الصادر عن الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء، وفق النص المتداول، في أن استهداف المدنيين والمنشآت المدنية في اليمن ليس عملًا حربيًا يمكن تبريره، بل هو زعزعة للأمن وتفريق للكلمة واعتداء على الآمنين والحرمات، وعمل إرهابي يُوصف بالمحاولة الآثمة. وهذا الموقف لا يغيّر موازين القوة على الأرض، لكنه يرسّخ معيارًا لا يمكن لأي مسار سياسي أن يتجاهله: حماية المدني ليست تفصيلًا في الحرب، بل هي شرط أول لأي كلام جاد عن السلام.