البركاني يدعو برلمانات العالم لتصنيف الحوثي منظمة إرهابية وتجفيف تمويله

دعا رئيس مجلس النواب اليمني سلطان البركاني برلمانات العالم إلى تصنيف جماعة الحوثي منظمة إرهابية، وتجفيف مصادر تمويلها ومنع تسليحها، والتحرك دوليًا لوقف اعتداءاتها ومحاسبة المسؤولين عنها. وأكد أن تصعيد الجماعة يهدد اليمن ودول الخليج والمنطقة وسلامة الملاحة البحرية في مضيق باب المندب، مطالبًا برفع الحصار عن مدينة تعز وضمان وصول المساعدات والإمدادات إليها.
نص الدعوة البرلمانية
وجّه البركاني دعوته إلى المؤسسات التشريعية حول العالم، مطالبًا باتخاذ موقف واضح يترجم الإدانات السياسية إلى إجراءات عملية. وحسب نص الدعوة، فإن المطلوب لا يقتصر على إصدار بيانات إدانة، بل يشمل تجفيف التمويل ومنع التسليح ووقف الاعتداءات ومحاسبة المسؤولين عنها.
وربط رئيس مجلس النواب بين التصعيد الحوثي وتهديد متعدد المستويات: الأمن اليمني، وأمن دول الخليج، واستقرار المنطقة، وحرية الملاحة عبر باب المندب. كما خص مدينة تعز بمطلب مباشر يتعلق برفع الحصار عنها وضمان تدفق المساعدات والإمدادات، في إشارة إلى البعد الإنساني للأزمة إلى جانب أبعادها السياسية والأمنية.
لماذا يعني التصنيف في السياق اليمني؟
ليست دعوة البركاني معزولة عن مسار سياسي وتشريعي ممتد داخل المؤسسات اليمنية المعترف بها دوليًا. فقد سبق له أن دعا مجلسي الشيوخ والنواب الأمريكيين إلى المصادقة على تصنيف الحوثي منظمة إرهابية، ووصف في مراحل سابقة خطوات التصنيف بأنها رسالة واضحة تضع المليشيا أمام مسؤولية أوسع.
وفي السياق الأحدث، أفادت مصادر إعلامية موثوقة، من بينها عرب نيوز وغلف نيوز وميدل إيست مونيتور، بأن مجلس الوزراء اليمني أقر مشروع قانون لتصنيف مليشيا الحوثي منظمة إرهابية، مع تجريم أنشطتها وتمويلها. وبذلك تتقاطع الدعوة البرلمانية الجديدة مع مسار حكومي يسعى إلى تحويل التصنيف من مطلب سياسي إلى أداة قانونية داخلية قابلة للتنفيذ.
ويعني هذا المسار أن التصنيف لم يعد شعارًا فقط، بل أصبح موضوع تشريع يرتبط بتجريم التمويل والأنشطة، وهو ما يتقاطع مباشرة مع ما طلبه البركاني من البرلمانات الأجنبية: تجفيف المال ومنع السلاح والمحاسبة.
الفرق بين الموقف السياسي والأداة القانونية
يفرّق الفقه السياسي بين إدانة كلامية لسلوك مسلح وبين إدراج كيان مسلح على قوائم الإرهاب. فالإدانة تعبّر عن موقف، أما التصنيف فيفتح – حين يكتمل مساره القانوني – باب العقوبات المالية وتقييد التعامل والملاحقة القضائية، بحسب نطاق كل تشريع وطبيع كل نظام قانوني. وهذا ما يفسر إصرار البركاني على ربط التصنيف بتجفيف التمويل ومنع التسليح، لا بالاكتفاء بوصف سياسي مجرد.
باب المندب وأمن الملاحة
يكتسب مضيق باب المندب أهمية استثنائية لأنه يربط بحر العرب بخليج عدن وبحر العرب، ويمر عبره جزء كبير من تجارة الطاقة والسلع المتجهة إلى أوروبا وآسيا. وأي اعتداء يطال السفن التجارية في هذا الممر لا يبقى شأنًا يمنيًا داخليًا، بل يتحول إلى عامل ضغط على سلاسل الإمداد العالمية وأقساط التأمين وأسعار الشحن.
ومن هذا المنطلق، جاءت إشارة البركاني إلى باب المندب لتوسيع دائرة المعنيين بالدعوة. فالبرلمانات التي يطلب منها التحرك ليست برلمانات دول الجوار فحسب، بل كل مؤسسة تشريعية تمثل دولة تتضرر تجارتها أو أساطيلها أو شركات التأمين التابعة لها من استهداف الملاحة. وهذا الربط يجعل المطلب اليمني أقرب إلى لغة المصلحة المشتركة منه إلى لغة التضامن السياسي وحدها.
تعز: حصار ممتد ومعاناة مدنية
تمثل مدينة تعز أحد أبرز عناوين المعاناة المدنية في الحرب اليمنية. فقد ظلت المدينة، وهي من كبرى مدن البلاد، تحت حصار طويل الأمد قيّد حركة السكان والسلع والمواد الطبية والوقود. ونتج عن ذلك تدهور الخدمات وارتفاع أسعار السلع الأساسية وضغط مستمر على المستشفيات وشبكات المياه.
ولم يكن مطلب رفع الحصار عن تعز جديدًا في الخطاب اليمني الرسمي، لكن إعادة طرحه في دعوة موجهة إلى برلمانات العالم تمنحه بعدًا دوليًا إضافيًا. فالمسألة لم تعد شأنًا محليًا يتعلق بمدينة واحدة، بل اختبارًا لمدى استعداد المجتمع الدولي لربط الملف الإنساني بالملف الأمني. وضمان وصول المساعدات ليس مجرد إجراء إغاثي، بل هو شرط لمنع انهيار خدمي قد يُستخدم لاحقًا أداة ضغط سياسية.
دور البرلمانات في ملف معقد
تمتلك البرلمانات، في عديد من الأنظمة، صلاحيات لا تملكها الحكومات وحدها: التصديق على العقوبات، ومراقبة تنفيذ الالتزامات الدولية، وفتح جلسات استماع لضحايا النزاعات، والضغط على السلطة التنفيذية لتشديد الرقابة على شحن الأسلحة والتحويلات المالية. ولذلك فإن توجيه الخطاب إلى البرلمانات لا يعني تجاوز الحكومات، بل استثمار قنوات الرقابة التشريعية التي تستطيع أن تحول الموقف الحكومي إلى سياسة عامة أكثر استقرارًا.
وفي حالات سابقة، أظهرت برلمانات عدة، من بينها البرلمان الأوروبي وبعض البرلمانات الوطنية في أوروبا وأميركا الشمالية، اهتمامًا متزايدًا بملف اليمن، سواء عبر جلسات الاستماع أو القرارات غير الملزمة أو مراقبة سياسات العقوبات. غير أن الفجوة ظلت قائمة بين الإدانة والتنفيذ، وهي الفجوة التي يحاول البركاني سدّها بالمطالبة بتصنيف ملزم وبإجراءات مالية وعسكرية مترابطة.
التمويل والسلاح: عقدة الملف
يرى متابعون للشأن اليمني أن أي تصنيف لا يرافقه قطع لشرايين المال والسلاح يبقى ناقص الأثر. فالجماعة المسلحة التي تسيطر على مناطق واسعة وعلى موانئ ومطارات ومؤسسات إيرادية، تستفيد من شبكات تهريب وتحويلات ودعم خارجي موثق في تقارير دولية متعاقبة. ومن دون رقابة على هذه القنوات، يظل التصعيد العسكري قابلًا للتجدد مهما تغيرت البيانات السياسية.
كما أن منع التسليح لا يعني فقط وقف شحنات الأسلحة الثقيلة، بل يشمل قطع الغيار والوقود وقطع الصواريخ والطائرات المسيرة ومكونات الاتصالات العسكرية. وهذه السلسلة هي التي تجعل الملف مترابطًا بقرارات الجمارك والبنوك وشركات النقل البحري في أكثر من دولة، وهو ما يفسر الحاجة إلى تنسيق برلماني لا يقتصر على عاصمة واحدة.
المحاسبة وحدود الولاية القضائية
أشار البركاني كذلك إلى محاسبة المسؤولين عن الاعتداءات. وهذا المطلب يفتح ملف المسؤولية عن استهداف المدنيين وحصار المدن وهجمات الملاحة. وفي القانون الدولي، تتوزع أدوات المحاسبة بين القضاء الوطني والآليات الدولية والعقوبات المستهدفة، ولا يوجد مسار واحد يضمن نتيجة فورية.
غير أن طرح المحاسبة في هذا التوقيت يحمل دلالة سياسية: فهو ينقل النقاش من دائرة «الطرف المسلح» إلى دائرة المسؤولية الفردية والمؤسسية. وهذا الانتقال مهم لأنه يضعف سردية أن الاعتداءات نتاج ظروف حرب لا يمكن نسبها إلى جهة محددة. فالحصار واستهداف المدنيين وتهديد الملاحة هي، بحسب الدعوة، أفعال لها مسؤولون يجب أن يُسألوا.
الخليج والمنطقة: تهديد لا يتوقف عند الحدود
أكد البركاني أن تصعيد الحوثي يهدد الخليج والمنطقة لا اليمن وحده. وهذا التقدير ينسجم مع سجل الهجمات العبرة للحدود واستهداف المنشآت المدنية والنفطية في دول الجوار، ومع استخدام الصواريخ والطائرات المسيرة في مسارات تتجاوز الجغرافيا اليمنية. وكلما اتسع مدى السلاح، اتسعت دائرة الدول التي تعد نفسها طرفًا مباشرًا في الملف.
ويترتب على ذلك أن أمن الطاقة وأمن الممرات البحرية لم يعودا ملفين منفصلين. فاضطراب الملاحة في باب المندب ينعكس على أسواق النفط والغاز وعلى تكاليف النقل، فيما ينعكس استهداف المنشآت الخليجية على ثقة المستثمرين وعلى استقرار الإمدادات. ولذلك فإن الدعوة اليمنية تقدم التصنيف بوصفه أداة لحماية مصلحة إقليمية، لا مطلبًا يمنيًا معزولًا.
سياق سياسي لا يتحمل التأجيل
تأتي الدعوة في وقت يشهد فيه الملف اليمني تداخلًا بين مسار تشريعي داخلي وضغوط إقليمية ومخاوف بحرية. فالحكومة المعترف بها دوليًا تدفع بمشروع قانون للتصنيف، ورئيس مجلس النواب يطلب من البرلمانات أن تواكب هذا المسار بإجراءات مماثلة. والهدف، بحسب منطق الدعوة، هو منع الجماعة من تحويل الزمن إلى ورقة تفاوض تُكافأ بها الاعتداءات.
كما أن التركيز على تعز وباب المندب معًا يمنع اختزال النقاش في التعريفات القانونية. فهناك مدينة محاصرة تحتاج إلى غذاء ودواء ووقود، وهناك ممر بحري تحتاج حركة التجارة العالمية إلى أن يبقى مفتوحًا. والجمع بين المطلبين في بيان واحد يعني أن السلطة التشريعية اليمنية لا تفصل بين أمن الناس وأمن الممرات.
ما الذي يترتب على الدعوة؟
لا تنشئ دعوة رئيس مجلس النواب، في حد ذاتها، التزامًا قانونيًا على البرلمانات الأجنبية. فكل برلمان يتصرف وفق دستوره وصلاحياته، وقرارات التصنيف تخضع لمراجعات قانونية وأمنية ودبلوماسية داخل كل دولة. لكن الدعوة ترسم سقفًا للمطالب اليمنية في لحظة يتحرك فيها مشروع قانون حكومي للتصنيف، وتتراكم فيها المخاوف على الملاحة وعلى المدنيين في تعز.
وإذا استجابت برلمانات لهذه الدعوة، فإن الخطوة التالية لن تكون بيانًا إضافيًا، بل مراجعة أدوات العقوبات والرقابة على التمويل وضمان ممرات إنسانية إلى تعز. أما إذا بقيت الاستجابة في حدود التعاطف السياسي، فسيظل الفارق قائمًا بين ما تطالب به صنعاء القرار المعترف بها وما تفعله العواصم التي تمتلك أدوات الضغط.
وفي الحالتين، تبقى الرسالة التي وجهها سلطان البركاني واضحة في عناصرها: تصنيف الحوثي منظمة إرهابية، وتجفيف تمويله، ومنع تسليحه، ووقف الاعتداءات، ومحاسبة المسؤولين، ورفع الحصار عن تعز، وحماية الملاحة في باب المندب. وهي عناصر تجعل الملف اليمني، مرة أخرى، اختبارًا لقدرة المجتمع الدولي على الانتقال من الإدانة إلى الإجراء.