القوات اليمنية تستهدف منصات إطلاق صواريخ ورادارات وتعزيزات الحوثي في تعز

في سياق تصعيد عسكري متسارع يشهده ريف محافظة تعز ومحيطها، نفّذت القوات اليمنية عملية استهداف طالت منصات إطلاق صواريخ ورادارات وتعزيزات تابعة لميليشيا الحوثي الإرهابية، وفق ما أكدته بيانات ميدانية وتغطيات وسائل إعلام محلية وإقليمية تابعت التطورات على مدى الأيام الماضية. وتأتي هذه الضربات في وقت تتوسع فيه جبهات الاشتباك حول المدينة، من مديرية المسراخ ومحيط مطار تعز إلى جبهات أخرى في جنوب المحافظة وشرقها وغربها، بينما تحذر منظمات أممية من تفاقم التكلفة الإنسانية المترتبة على موجة نزوح جديدة.
تفاصيل العملية وطبيعة الأهداف
أوضحت المعلومات الميدانية المتداولة أن الاستهداف شمل منصات إطلاق صواريخ ورادارات وتجمعات وتعزيزات تابعة للميليشيا في نطاق محافظة تعز. وتُعدّ هذه الأهداف من العناصر الأكثر حساسية في أي مواجهة ميدانية، لأن منصات الإطلاق تمنح الميليشيا قدرة على القصف من مسافات تتجاوز خطوط التماس المباشر، فيما تستخدم الرادارات في رصد الحركة وتوجيه النار وتقليص قدرة القوات الحكومية على المناورة.
ولم تُعلن جهة مسؤولة حصيلة نهائية موحدة لعدد المنصات التي دمّرت في هذه الضربة بعينها، غير أن سياق الأيام الأخيرة يظهر نمطًا متكررًا من الغارات الجوية والقصف الموجه إلى هذه الفئة من الأهداف. وقد أعلنت القوات الحكومية اليمنية، وفق ما نقلته قناة الجزيرة ووكالة شينخوا في 19 أكتوبر 2026، تنفيذ أربع غارات جوية على مواقع ومنصات صواريخ تابعة لجماعة الحوثي في مطار تعز ومحيطه. كما نقلت وسائل إعلامية أن الطيران الحربي نفّذ ثلاث غارات استهدفت مواقع وآليات وتجمعات وتعزيزات في منطقتي ذي البرح وجبة بمديرية المسراخ.
وأشارت مصادر ميدانية نقلت عنها قناة الجزيرة إلى غارات جوية استهدفت مواقع الحوثيين في مديرية المسراخ، في الوقت الذي أكدت فيه السلطات المحلية في مأرب تعرض المدينة لقصف حوثي بثمانية صواريخ باليستية. ويُظهر هذا التزامن أن المواجهة لم تعد محصورة في جبهة واحدة، بل امتدت إلى تبادل نار يطال عمق المناطق الخاضعة للسيطرة الحكومية في أكثر من محافظة.
المطار والمسراخ: عقدتان حساستان
يحتل مطار تعز موقعًا خاصًا في خريطة القتال. فهو يقع شرق المدينة، ويمنح من يسيطر عليه إشرافًا على محاور الحركة ومساحات مفتوحة يمكن استخدامها لتموضع المنصات وإعادة تموضعها بعد كل ضربة. وقد نقلت وسائل إعلامية سابقًا أن محور تعز العسكري التابع للجيش اليمني قصف منصة إطلاق صواريخ باليستية داخل المطار، في مؤشر على أن المنشأة لم تخرج من دائرة الاستخدام العسكري رغم توقف حركتها المدنية منذ سنوات.
وفي موازاة ذلك، تمثل مديرية المسراخ امتدادًا طبيعيًا لمعركة المدينة. فالمنطقة تضم تجمعات ومحاور إمداد ومواقع مرتفعة تستخدمها الميليشيا للضغط على الأحياء الشرقية والجنوبية ولمحاولة فتح ثغرات في خطوط الدفاع. وأعلن محور تعز، وفق حصيلة ميدانية نُشرت في 10 أكتوبر 2026، مقتل 25 عنصرًا حوثيًا وإصابة آخرين خلال صد هجوم على جبهة الشقب جنوب شرق المدينة، مع استمرار الاشتباكات في المسراخ والبئرين ومحيط المرتفعات.
لماذا تركز القوات على المنصات والرادارات؟
يرى متابعون عسكريون أن استهداف منصات الإطلاق والرادارات ليس هدفًا رمزيًا، بل خطوة عملية لتقليص قدرة الميليشيا على فرض إيقاع النار قبل أي تحرك بري. فالصواريخ تستخدم لإرباك المدافعين وضرب مخازن الذخيرة ومحاور الإمداد والتجمعات السكانية القريبة من خطوط التماس، بينما تمنح الرادارات إنذارًا مبكرًا يسمح بإعادة تموضع القوات المهاجمة وتوجيه نيران المدفعية والصاروخية. وإخراج هذه المنظومة من الخدمة، ولو لفترة مؤقتة، يُضعف قدرة الميليشيا على تحويل القصف إلى تقدم بري.
وكانت صحيفة الشرق الأوسط قد رصدت، في تقرير نُشر في الثاني من أكتوبر 2026، نمطًا من الهجمات الصاروخية الحوثية يستهدف عمق المناطق الخاضعة للقوات الحكومية، بوصفه تمهيدًا للتقدم الميداني عبر ضرب المنشآت الحيوية وإرهاب السكان. ومن هذا المنظور، فإن تدمير المنصة قبل إطلاقها يُعدّ إجراءً وقائيًا لا يقل أهمية عن صد الهجوم البري نفسه.
حصيلة الضربات والتقدم الميداني
لا تقتصر المواجهة الحالية على غارات منفردة. فقد نقلت صحيفة عرب نيوز أن القوات الحكومية اليمنية حققت تقدمًا في مواقع جديدة بتعز، مع تنفيذ 1164 ضربة ضد أهداف حوثية. ونقلت نسخة العربية الإنجليزية، في تقرير نُشر في 19 أكتوبر 2026، عن القوات المسلحة اليمنية أنها نفّذت 1164 ضربة خلال 24 ساعة، وأن هذه الضربات أدت إلى تحييد 558 عنصرًا من الميليشيا، بينهم قادة ميدانيون، إضافة إلى تدمير أهداف عسكرية.
وتبقى هذه الأرقام حصيلة معلنة من جانب واحد، ولم يتسنّ التحقق منها بشكل مستقل في ميدان مغلق أمام الصحافيين والمنظمات الدولية. لكنها، حتى مع أخذ هذا التحفظ في الحسبان، تدل على كثافة نار غير مألوفة منذ بداية التصعيد الحالي. ونقلت وكالة الأناضول أن القوات الحكومية أعلنت تنفيذ 835 ضربة ضد الحوثيين خلال 24 ساعة في حصيلة لاحقة، ما يشير إلى استمرار الإيقاع المكثف لا إلى عملية منفردة.
وفي موازاة ذلك، نقلت قناة الجزيرة الإنجليزية أن القوات الحكومية شنت ضربات على مواقع جماعة أنصار الله الحوثية غرب تعز، في وقت تشتد فيه المعارك حول المدينة المحاصرة. كما أفاد مراسل قناة العربية هائل سعيد بأن القوات المسلحة اليمنية صدت هجمات برية عنيفة شنتها الميليشيا في ريف المحافظة. ويرسم هذا التوازي صورة معركة لا تسير في اتجاه واحد: هجمات برية حوثية يُرد عليها بالصد، ثم بضربات جوية ومدفعية على منصات النار والتعزيزات، ثم بمحاولات لتثبيت مواقع مستعادة.
الكلفة الإنسانية وموجة النزوح
لا يمكن فصل الحديث عن الضربات العسكرية عن أثرها المباشر على السكان. فقد حذرت الأمم المتحدة، وفق ما نقلته قناة الجزيرة في 22 أكتوبر 2026، من أن القتال المستعر في تعز رفع عدد النازحين إلى نحو 260 ألف شخص. وهذا الرقم لا يعكس نزوحًا قديمًا فحسب، بل موجة مرتبطة بالتصعيد الجاري، في محافظة تعاني أصلًا من ضغف خدمي وانتشار الألغام وضعف البنى التحتية.
وكانت الأمم المتحدة قد أفادت في تقدير سابق بأن تصاعد القتال في اليمن تسبب في نزوح نحو 76 ألف شخص منذ يوليو، بينهم نحو 50 ألفًا في تعز وجنوب الحديدة ومناطق مجاورة. والفارق بين التقديرين يعكس تسارع النزوح مع امتداد المعارك، لا مجرد تباين إحصائي. كما نقلت وسائل إعلامية أن موجة النزوح في تعز اتسعت مع استمرار التصعيد، وأن عدد الأسر النازحة في المحافظة يُقدر بأكثر من 6400 أسرة، اضطر كثير منها إلى النزوح أكثر من مرة.
ويعني هذا النزوح المتكرر أن الأسر لا تجد ملاذًا آمنًا داخل المحافظة، فتنتقل من قرية إلى أخرى كلما اقترب القصف أو تغيرت خطوط التماس. ويضعف ذلك قدرة السلطات المحلية والمنظمات الإغاثية على توفير المأوى والمياه والرعاية الصحية، لأن الاحتياج يتحرك مع خط النار لا مع خطط التوزيع المعدة مسبقًا.
خلفية المدينة المحاصرة
تعز، التي تُعدّ من أكبر مدن اليمن وأكثرها كثافة سكانية، لم تخرج من دائرة الحرب منذ انقلاب الحوثيين على السلطة في صنعاء عام 2014 وتدخل التحالف العربي بقيادة السعودية عام 2015 دعمًا للشرعية. وظلت المدينة، رغم بقاء مركزها الحضري تحت سيطرة القوات الحكومية، محاصرة من عدة جهات، مع سيطرة الميليشيا على مرتفعات ومداخل تطل على الأحياء وطرق الإمداد.
وهذا الوضع هو ما يفسر تكرار اسم تعز في كل موجة تصعيد. فالمدينة ليست جبهة عابرة، بل رمز سياسي وعقدة لوجستية ومعبر نحو الساحل الغربي. وقد سبق للقوات الحكومية أن أعلنت استهداف منصة إطلاق صواريخ تابعة للحوثيين في جبهة الأحكوم جنوب المدينة، في مؤشر إلى أن محاولات تقليص القدرة الصاروخية للميليشيا ليست جديدة، بل هي جزء من سياق أطول من موجة واحدة.
كما أن المواجهة لا تقتصر على تعز. ففي 15 سبتمبر 2026، نقلت قناة العربية عن القوات المسلحة اليمنية استهداف منصات صواريخ ورادارات وتجمعات عسكرية حوثية في مناطق شمال محافظة مأرب وغربها. ويظهر ذلك أن الميليشيا توزع قدراتها الصاروخية على أكثر من محور، وأن القوات الحكومية تحاول معالجة هذا الانتشار بضربات متزامنة لا بعملية واحدة معزولة.
دلالات التصعيد وحدود المشهد
يُفهم استهداف المنصات والرادارات والتعزيزات في تعز بوصفه محاولة لكسر حلقة النار التي تسبق الهجوم البري. فإذا نجحت القوات الحكومية في تعطيل هذه القدرات، فإن قدرة الميليشيا على فتح ثغرات جديدة حول المدينة تتراجع، وتزداد فرص حماية الأحياء والطرق والمخازن. أما إذا أعادت الميليشيا تموضع منصاتها بسرعة، فإن المدينة ستبقى معرضة لقصف متقطع يرفع كلفة الدفاع ويدفع المزيد من السكان إلى النزوح.
ولا تزال الصورة الميدانية غير مكتملة. فالبيانات المتاحة لا تحدد بدقة موقع كل منصة استُهدفت في العملية الأخيرة، ولا حجم التعزيزات التي طالها القصف، ولا حصيلة بشرية مستقلة لهذه الضربة بعينها. كما أن بعض الروايات الميدانية عن غارات في المسراخ والمطار تحتاج إلى تأكيد رسمي أوسع، في ظل صعوبة الوصول إلى جبهات القتال وتعدد الجهات المعلنة.
ومع ذلك، فإن الثابت حتى الآن هو أن تعز دخلت مرحلة جديدة من الضغط العسكري، تجمع بين هجمات برية حوثية، وقصف صاروخي على مدن مثل مأرب، وضربات حكومية مكثفة على منصات الإطلاق والرادارات والتعزيزات، ونزوح يُقدر بمئات الآلاف. وسيتوقف أثر هذه المرحلة على ما إذا كانت الضربات الأخيرة ستُترجم بتقليص قدرة الميليشيا على القصف، أم أنها ستكون حلقة أخرى في مواجهة مفتوحة لم تحسم بعد سيطرة المدينة ولا مصير ريفها.