انسحاب وزراء القوات اللبنانية من جلسة الحكومة بعد عدم البت بإحالة قضية المتفجرات إلى المجلس العدلي

انسحب وزراء «القوات اللبنانية» من جلسة لمجلس الوزراء انعقدت في السراي الحكومي برئاسة رئيس الحكومة نواف سلام، في محطة جديدة من التوتر داخل السلطة التنفيذية حول مسار ملف المتفجرات المضبوطة وحدود التعامل الحكومي معه. وأكد وزير الإعلام بول مرقص، بعد الجلسة، أنه لم يصدر حتى الآن قرار حكومي بإحالة قضية شاحنة المتفجرات إلى المجلس العدلي. وبذلك بقي الملف، الذي يتصل بضبط متفجرات في ضهر البيدر، خارج مسار الإحالة الاستثنائية الذي تطالب به أطراف سياسية ووزارية، فيما استمرت الجلسة في بنود أخرى بعد خروج الوزراء.
جلسة في السراي وخلاف لم يُحسم
شهدت الجلسة، وفق ما نقلته وسائل إعلامية لبنانية من بينها النهار والمركزية وموقع نبض، نقاشاً حاداً قبل أن يغادر وزراء القوات القاعة. ولم يكن الانسحاب استقالة من الحكومة، بل خروجاً احتجاجياً من جلسة واحدة، في سلوك تكرر في الحياة الحكومية اللبنانية عندما يرى طرف سياسي أن مطلبه لم يلقَ استجابة كافية. غير أن دلالة الخطوة هذه المرة تتجاوز الإجراء الشكلي؛ فهي تتصل بملف أمني وقضائي يمس مسألة احتكار السلاح وحركة المتفجرات خارج إطار المؤسسات الرسمية، ويضع الحكومة أمام سؤال مباشر: هل تكتفي بالمسار القضائي العادي، أم تنقل القضية إلى المجلس العدلي بوصفه المرجع الجزائي الأعلى في الجرائم الخطيرة التي تُحال إليه بمرسوم حكومي؟
ووفق الرواية التي تداولتها وسائل متابعة للجلسة، جاء الانسحاب احتجاجاً على عدم إحالة قضية المتفجرات إلى المجلس العدلي. في المقابل، نقلت صحيفة النهار ووكالة المركزية أن وزير الصناعة جو عيسى الخوري قال بعد الخروج إن الوزراء انسحبوا لأنهم طالبوا بالتعامل مع ملف الكهرباء بجدية أكبر ولم تلقَ مطالبهم الاستجابة المطلوبة. وذكرت قناة البي سي آي، وفق ما نقله موقع النشرة، أن الانسحاب أتى بعد عدم الاستجابة لمطلب تأمين أموال لشراء المحروقات لمعامل الكهرباء لمدة ثلاثة أشهر. وهذا التباين في السرد لا يلغي وقوع الانسحاب، لكنه يفرض التمييز بين ما ثبت رسمياً، وهو عدم صدور قرار الإحالة، وبين التفسيرات المتعددة لسبب الخروج.
ملف المتفجرات: من الضبط إلى طاولة مجلس الوزراء
ضبط ضهر البيدر ومنطقة القصر
يتعلق الملف بمتفجرات ضُبطت في ضهر البيدر، مع إشارات في التغطية الإعلامية إلى كميات أخرى ضُبطت في منطقة القصر. ونقلت صحيفة النهار أن تصريح مرقص جاء بعقب ساعات من إعلان حزب الله مسؤوليته عن الشحنة. وهذا الإقرار، إن ثبت في السياق الذي و6قل، ينقل القضية من خانة التهريب المجهول المصدر إلى مواجهة سياسية وقانونية مع حزب مسلح يشارك في الحياة العامة، ويجعل أي تردد حكومي في الإحالة عرضة لتفسيرات متضاربة: إما أن الدولة تمضي في التحقيق حتى نهايته، وإما أنها تبحث عن توقيت يجنبها صداماً مفتوحاً داخل مجلس الوزراء.
وطلب وزير العدل عادل نصار، وفق ما نقلته منصات إعلامية محلية ومن بينها لبنان 24 والنشرة وجريدة اللواء، إحالة ملف المتفجرات المضبوطة في ضهر البيدر ومنطقة القصر، وكل ما قد يظهره التحقيق من ارتباط مباشر أو غير مباشر بها، إلى المجلس العدلي. والطلب، بحسب التغطية، أُدرج على جدول أعمال مجلس الوزراء، لأن الإحالة إلى هذا المجلس لا تتم بقرار قضائي منفرد، بل تحتاج إلى موقف حكومي صريح. وهنا تكمن أهمية توضيح مرقص: غياب القرار لا يعني بالضرورة إغلاق الملف، لكنه يعني أن الحكومة لم تنتقل، حتى تلك الجلسة، من مرحلة النقاش إلى مرحلة الإحالة.
لماذا يُطرح المجلس العدلي؟
يُعد المجلس العدلي في النظام اللبناني هيئة قضائية استثنائية تُحال إليها قضايا جزائية كبرى، ولا سيما تلك المتصلة بالأمن العام، بناءً على مرسوم يتخذه مجلس الوزراء بناءً على اقتراح وزير العدل. ولهذا السبب لا يمكن فصل الجانب القانوني عن الجانب السياسي: فالإحالة قرار حكومي قبل أن تكون مساراً قضائياً. ومن يطالبون بها يرون فيها رسالة بأن الدولة لن تكتفي بإجراءات إدارية أو بحفظ جزئي للملف، بل ستضعه في إطار يسمح بكشف شبكة المتورطين ومسار المواد. ومن يتحفظون على التوقيت يحذرون من تحويل قضية جزائية إلى مواجهة سياسية مفتوحة قبل استكمال عناصر التحقيق.
ونقلت تغطيات لاحقة أن الملف ظل مطروحاً على النقاش الحكومي، وأن طلب وزارة العدل عاد إلى جدول الأعمال، في مؤشر إلى أن عدم البت في الجلسة التي شهدت الانسحاب لم يعنّ طي الصفحة. كما أشارت تقارير إلى اتصالات سياسية بشأن توقيت الخطوة، من دون أن تُنهي الخلاف حول مبدأ المحاسبة. وفي هذا السياق، يكتسب توضيح وزير الإعلام قيمة مضاعفة: هو يمنع نسب موقف نهائي إلى الحكومة قبل صدور قرار، ويؤكد في الوقت نفسه أن المطلوب السياسي لم يتحول بعد إلى نص قانوني.
الانسحاب وحدود الموقف الرسمي
لا يغير خروج وزراء القوات من الجلسة تركيبة الحكومة، لكنه يضع علامة على سقف التوافق داخلها. فحكومة نواف سلام قامت على توازن دقيق بين كتل ووزراء من خلفيات متعددة، وأي انسحاب منظم يعني أن ملفاً بعينه لم يعد قابلاً للإدارة بالتوافق. وفي ملف المتفجرات، يبدو هذا السقف أوضح، لأن القرار المطلوب ليس إجراءً تقنياً يمكن تأجيله من دون ثمن سياسي. فمن يرى في الإحالة اختباراً لجدية الدولة في مواجهة السلاح غير الشرعي، يعتبر التأجيل تراجعاً. ومن يرى فيها تصعيداً قد يهدد استقرار الحكومة، يفضل إبقاء التحقيق في القنوات القضائية القائمة ريثما يكتمل الملف.
ويُستفاد من تصريح مرقص أن الحكومة لم ترد تبني رواية واحدة للانسحاب، ولم تعلن رفضاً نهائياً للإحالة. هذا التموضع يترك الملف معلقاً: لا هو في عهدة المجلس العدلي، ولا هو خارج الجدول السياسي. وكلما طال هذا الوضع، اتسعت المساحة أمام تفسيرات متضاربة؛ فريق يقول إن التحقيق يسير، وفريق يقول إن غياب القرار هو قرار بعدم التصعيد. وفي ملفات من هذا النوع، يكون للصمت الرسمي ثمن سياسي، لأنه يُفسّر من خارج الحكومة أكثر مما يُفسّر من داخلها.
ملف الكهرباء يزاحم ملف المحاسبة
لا يمكن قراءة الجلسة من زاوية المتفجرات وحدها. فالمصادر التي نقلت تصريح عيسى الخوري تضع ملف الكهرباء في قلب الخلاف نفسه. والكهرباء في لبنان ليست ملفاً خدمياً معزولاً؛ هي مرتبطة بالتمويل والمحروقات وقدرة الدولة على تأمين التغذية، وبالثقة بين المواطن والسلطة. وعندما يطالب وزراء بتأمين محروقات لثلاثة أشهر ثم ينسحبون لعدم الاستجابة، فإنهم ينقلون الخلاف من الغرفة المغلقة إلى الرأي العام، ويربطون بقاءهم في الجلسة بنتيجة ملموسة للناس.
وفي الجلسة نفسها، نقلت النهار عن مرقص موافقة مجلس الوزراء على إقامة محطات تعمل على الطاقة البديلة، فيما أُرجئ البحث في بعض البنود إلى جلسة لاحقة. هذا التفصيل مهم: الجلسة لم تتوقف كلياً بسبب الانسحاب، ولم تتحول إلى مواجهة مفتوحة حول مصير الحكومة. لكن إرجاء البنود الخلافية، سواء كانت مالية أم قضائية، يعني أن مجلس الوزراء يدير الخلاف بالتأجيل لا بالحسم. وفي بلد يعاني أزمة طاقة مزمنة، يكون للتأجيل أثر مباشر في ساعات التغذية، فيما يكون لتأجيل الإحالة القضائية أثر في مصداقية الدولة أمام ملف أمني.
المحاسبة واستقرار الحكومة
يضع الملف حكومة سلام أمام معادلة صعبة. فمن جهة، تحتاج الحكومة إلى حد أدنى من التماسك لكي تمرر قرارات الطاقة والمالية والإدارة. ومن جهة أخرى، يُقاس أداؤها، داخلياً وخارجياً، بقدرتها على فرض احتكار السلاح ومنع تحول الأراضي اللبنانية إلى ممر لمواد تنافي هذا الاحتكار. وقضية المتفجرات تجمع الطرفين: هي اختبار للقضاء، واختبار للإجماع الحكومي، واختبار لعلاقة الدولة بالقوة المسلحة التي أعلنت، وفق النهار، مسؤوليتها عن الشحنة.
ولا يقدم الانسحاب، في حد ذاته، إجابة عن هذه الأسئلة. فهو يثبت أن قوة سياسية ممثلة في الحكومة ترفض أن يُطوى الملف أو يُؤجل من دون قرار، لكنه لا ينتج القرار. كما أن بقاء الوزراء الآخرين في الجلسة لا يعني أنهم يرفضون المحاسبة؛ فقد يعني أنهم يختلفون على التوقيت أو على الأداة أو على ثمن المواجهة. والتمييز بين هذه الاحتمالات ضروري، لأن اختزال الموقف الرسمي قبل اكتمال التحقيق يحول قضية جزائية إلى شعار سياسي، ويضعف فرصة بناء ملف قضائي يصمد أمام أي مرجع لاحق.
ما الذي تغيره الجلسة وما الذي لم تحسمه
النتيجة المؤكدة من الجلسة هي أن مجلس الوزراء لم يتخذ قراراً بإحالة قضية شاحنة المتفجرات إلى المجلس العدلي، وأن وزراء القوات اللبنانية غادروا الجلسة احتجاجاً، فيما بقيت الحكومة قائمة وأنهت بعض بنودها. أما سبب الانسحاب، فالروايات المنشورة لا تتطابق كلياً: رواية تربطه بعدم إحالة قضية المتفجرات، ورواية أخرى، مسنودة إلى تصريح وزير الصناعة، تربطه بملف الكهرباء وتأمين المحروقات. وقد يكون الجمع بين الملفين هو الأقرب إلى واقع جلسة مكتظة، لكن المؤكد حتى الآن هو أن الإحالة لم تحصل، وأن الاحتجاج حصل.
وسيظل السؤال المطروح على الجلسة المقبلة هو نفسه: هل يوقّع مجلس الوزراء مرسوم الإحالة، أم يبقي التحقيق في مساره الحالي ريثما تكتمل المعطيات؟ الإجابة لن تُقاس فقط بعدد الأصوات داخل القاعة، بل بقدرة القرار، إن صدر، على فتح التحقيق لا غلقه، وعلى حماية المسار القضائي من التسوية السياسية. وإلى أن يحدث ذلك، سيبقى انسحاب وزراء القوات علامة على أن ملف المتفجرات لم يعد ملفاً إدارياً يمكن تأجيله من دون ثمن، وأن الحكومة ما زالت تبحث عن الصيغة التي تجمع بين متطلب المحاسبة ومتطلب بقاء مؤسساتها قادرة على العمل.