بيسنت: جزيرة خارك شاهدة على «فشل» النظام الإيراني وناقلات نفطها اختفت

قال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، يوم الخميس 22 أكتوبر 2026، إن جزيرة خارك، المنفذ الرئيسي لتصدير النفط الخام الإيراني، باتت شاهدة على ما وصفه بـ«فشل» النظام الإيراني، بعدما اختفت ناقلات النفط التي كانت تملأ ميناء التحميل في وقت سابق. وجاء التصريح في سياق حملة أميركية متصلة لخنق الصادرات النفطية الإيرانية، التي تمثل المصدر الأهم للعملة الصعبة لدى طهران.
ونشر بيسنت مقارنة بين مشهدين لمحطة التحميل الرئيسية: الأول يظهر ناقلات تملأ المرفأ، والثاني، وفق وصفه، لا يظهر فيه أي ناقلة نفط خام. وكتب أن الجزيرة «لم تعد أكثر من نصب تذكاري لفشل النظام الإيراني»، في صياغة تجعل من غياب السفن دليلًا سياسيًا على تراجع قدرة طهران على تحويل النفط إلى إيرادات. ونقلت منصات متابعة للتصريح عبارة أوسع نسبت إليه، مفادها أن ما يزال النظام قادرًا على إنتاجه هو الفشل.
ماذا يعني اختفاء الناقلات من ميناء خارك؟
لا يقيس غياب ناقلات النفط الخام عن مراسي التحميل بالضرورة توقف الإنتاج من الآبار، لكنه يعني، إن صحت الصورة التي يروج لها وزير الخزانة، أن الحلقة الأخيرة في سلسلة التصدير البحري توقفت. فالنفط الإيراني يُنتج داخل البرا، ثم يُنقل عبر أنابيب إلى منشآت التخزين والتحميل في خارك، ومن هناك تغادر الناقلات المياه الإيرانية في اتجاه المشترين. فإذا خلت المراسي من السفن، فإن النفط يتراكم في الخزانات أو يُحتجز داخل المنظومة، ولا يتحول إلى عائدات خارجية.
من ميناء مكتظ إلى مشهد فارغ
اعتمد بيسنت في رسالته على تباين بصري مباشر: «قبل» كانت الناقلات تملأ محطة التحميل، و«بعد» لا توجد ناقلات نفط خام في الأفق. وهذا الأسلوب ليس تفصيلًا إعلاميًا فحسب، بل هو جزء من سردية واشنطن خلال الأشهر الماضية، وهي سردية تربط بين صورة الميناء والضغط المالي على طهران. وكانت وسائل إعلام عربية، من بينها القاهرة الإخبارية، قد نقلت في الأيام الماضية تصريحات منسوبة إلى الوزير نفسه مفادها أن إيران لم تشحن كميات نفط من خارك مؤخرًا، وأنه لا توجد لديها شحنات نفط في البحر.
وتنقل هذه الصياغة الجدل من أرقام الإنتاج اليومية إلى سؤال أبسط يمكن عرضه على الرأي العام: هل ما زالت إيران قادرة على إخراج برميل واحد من مينائها الرئيسي؟ واشنطن تقول إن الإجابة باتت سلبية. أما التحقق المستقل الكامل من هذا الوصف فيحتاج إلى بيانات تتبع السفن وصور أقمار صناعية متعاقبة، وهي خطوة لم تُنشر نتائجها المفصّلة بشكل موحد حتى ساعة إعداد هذا التقرير.
لماذا تُعد خارك شريان التصدير الإيراني؟
تقع جزيرة خارك في مياه الخليج العربي، قبالة سواحل محافظة بوشهر جنوب إيران. ومنذ عقود، ركّزت طهران في هذه الجزيرة الصغيرة الجزء الأكبر من قدرتها على تخزين النفط الخام وتحميله على الناقلات. وتصف التقارير الدولية الجزيرة بأنها النقطة التي يمر عبرها الجزء الأكبر من الصادرات النفطية الإيرانية، وتُقدّر هذه الحصة في كثير من التقارير بنحو 90 في المئة. ولذلك فإن أي انقطاع في حركة الناقلات هناك لا يُقرأ بوصفه حادثًا محليًا، بل بوصفه ضغطًا على المورد المالي الأهم للدولة.
جزيرة صغيرة ووزن اقتصادي كبير
تكتسب خارك أهميتها من اجتماع ثلاثة عناصر: قربها من حقول الجنوب الإيراني، ووجود خزانات تخزين ضخمة، وأرصفة قادرة على استقبال ناقلات عملاقة. وهذا التركيز جعل الجزيرة، في آن واحد، مصدر قوة ونقطة ضعف. فهي تمنح إيران قدرة على تصدير كميات كبيرة بسرعة، لكنها تجعل الاقتصاد رهينة بمنشأة واحدة يمكن مراقبتها واستهداف حركة السفن المتجهة إليها.
وقد ظهرت هذه الثنائية في مراحل سابقة من التوتر، حين ربطت واشنطن بين الضغط على الجزيرة وبين إضعاف قدرة طهران على تمويل أنشطتها. وفي أغسطس 2026، تداولت تقارير عن تصريحات للرئيس الأمريكي ترامب تتعلق باستهداف الجزيرة، فيما واصل وزير الخزانة الحديث عن عقوبات ثانوية وضغوط مالية. أما الموقف الإيراني المعلن في مراحل سابقة فكان يؤكد أن الأعمال في الجزيرة مستمرة وأن القطاع النفطي لم يتوقف، وهو ما يجعل الصورة الحالية محل تناقض بين روايتين لم يحسمه بعد بيان مستقل واحد.
سياق العقوبات والحصار البحري
لا يأتي تصريح 22 أكتوبر من فراغ. فقبل نحو يومين، نقلت منصة كوردستان 24 عن بيسنت قوله إن واشنطن لم ترصد أي عمليات تحميل في منشآت خارك منذ أغسطس، وإن إيران «على شفا الإفلاس». ونقل موقع جي فيد التصريح نفسه بصيغة مقاربة: لا نفط جرى تحميله في المنشأة منذ أغسطس، ولا توجد شحنات إيرانية في طريقها بحرًا إلى الزبائن. كما نقلت وكالة أنباء فورات بالعربية أن الوزير أعلن عدم رصد شحنات نفط إيرانية في البحر، مع توقف عمليات التحميل في الجزيرة منذ أغسطس.
أسطول الظل والمخزون العائم
إلى جانب خارك، اعتمدت إيران لسنوات على ما يُعرف بـ«أسطول الظل»، وهو شبكة ناقلات تغيّر هوية ملّاكها ومساراتها للالتفاف على العقوبات وإيصال النفط إلى مشترين، غالبهم في آسيا. وفي اليوم نفسه الذي نشر فيه بيسنت مقارنته، أفادت إيران إنترناشونال، نقلًا عن محللين في شركة كيبلر لتتبع الشحن، أن طهران استنفدت ملايين البراميل التي كانت مخزنة على متن ناقلات في مياه آسيوية، بعد حصار بحري أميركي استمر أشهرًا ومنع تدفق الصادرات الجديدة.
وهذا التفصيل مهم لفهم التصريح الأخير. فاختفاء الناقلات من خارك لا يعني فقط أن الميناء هادئ، بل يشير، إذا اجتمعت الروايتان، إلى أن المخزون العائم الذي كان يمنح طهران هامش مناورة قد استُنفد أيضًا. وحين تنضب الكميات المخزنة في البحر، ويتعذر تحميل كميات جديدة من الجزيرة، تضيق مساحة الحركة أمام الخزانة الإيرانية.
التداعيات الاقتصادية التي تحذّر منها واشنطن
سبق لبيسنت أن حذّر من سيناريو متسلسل. ففي تصريحات سابقة نقلتها وسائل إعلام، من بينها العربية وإيران إنترناشونال، قال إن مخزون خارك سيمتلئ خلال أيام إذا استمر تعذر التصدير، وإن الآبار الإيرانية التي وصفها بالهشة قد تُغلق. والمنطق الفني هنا معروف في صناعة النفط: حين تمتلئ الخزانات ولا تجد الناقلات، يُجبر المنتج على خفض الإنتاج أو إيقاف بعض الآبار، وإعادة تشغيل الآبار المتوقفة قد تكون أبطأ وأكلف من إيقافها.
وفي أبريل 2026، كان بيسنت قد حذّر من أن اقتراب خارك من طاقتها التخزينية يكلّف إيران نحو 170 مليون دولار يوميًا من الإيرادات المفقودة. ولا يمكن نقل هذا الرقم آليًا إلى الوضع الحالي من دون تحديث مستقل، لكنه يوضح كيف تفكر وزارة الخزانة الأميركية في الملف: ليس الهدف فقط منع سفينة من الإبحار، بل تحويل توقف التحميل إلى خسارة يومية متراكمة تضغط على الموازنة وعلى قدرة الحكومة على الإنفاق.
ويشكّل النفط الجزء الأكبر من صادرات إيران السلعية. وفي تصريح سابق نُسب إلى بيسنت، قال إن النفط يمثل نحو 80 في المئة من الصادرات. وسواء اعتُمد هذا التقدير أو تقديرات قريبة منه، فإن النتيجة السياسية واحدة: أي انقطاع طويل في التصدير البحري ينتقل بسرعة إلى الموازنة العامة، وسعر الصرف، وقدرة الحكومة على دفع الرواتب والدعم والالتزامات الخارجية. وهنا يكمن فهم لماذ تصف واشنطن المشهد بأنه فشل للنظام لا مجرد تعطل مينائي.
رسالة سياسية بلغة اقتصادية
يختار وزير الخزانة كلماته بعناية. فهو لا يكتفي بالقول إن التحميل توقف، بل يحوّل الجزيرة إلى «شاهد» و«نصب تذكاري». وهذه لغة موجهة إلى ثلاثة جماهير في وقت واحد: الداخل الأميركي الذي يريد أن يرى نتيجة لسياسة الضغط، والأسواق التي تراقب خطر انقطاع العرض الإيراني، والداخل الإيراني الذي تريد واشنطن أن يقرأ في الميناء الفارغ علامة على عجز السلطة.
ومع ذلك، يبقى الوصف الأميركي تقييمًا سياسيًا لا حكمًا قضائيًا ولا حسمًا فنيًا نهائيًا. فالعقوبات قد تخفض الصادرات من دون أن تنهي قدرة الدولة على الإنتاج، وقد تدفع الشركات والوسطاء إلى تجربة مسارات بديلة أو الانتظار حتى تتغير ظروف المرور. كما أن توقف التحميل في ميناء واحد، مهما بلغت أهميته، لا يلغي تلقائيًا كل إمكان لتصدير كميات محدودة من منافذ أخرى، وهو ما لم تُقدّم عنه بيانات مستقلة كاملة في التصريح الأخير.
الأسواق ومضيق هرمز
يتقاطع ملف خارك مع ملف أوسع هو مضيق هرمز، الممر الذي تعبره حصة كبيرة من نفط الخليج والغاز المسال. وخلال الأشهر الماضية، تحدث وزير الخزانة الأميركي عن تسهيل مرور كميات كبيرة من النفط غير الإيراني عبر المضيق، في مقابل منع إيران، وفق روايته، من تمرير أي برميل. وهذا التمييز هو لب السياسة الأميركية المعلنة: إبقاء تدفق الإمدادات الخليجية الأخرى قدر الإمكان، مع عزل البرميل الإيراني تحديدًا.
ولا يعني ذلك أن الأسواق محصنة من التقلب. فأي تأكيد مستقل على أن الصادرات الإيرانية البحرية توقفت لفترة طويلة سيدفع المتداولين إلى إعادة تسعير مخاطر العرض، لا سيما إذا تزامن مع حادث في هرمز أو مع تعطل في منشآت خليجية أخرى. وفي المقابل، قد تمتص الطاقة الفائضة لدى منتجين آخرين جزءًا من الأثر، وهو ما تسعى الإدارة الأميركية إلى إبرازه حين تقول إن نفط الآخرين يمر بينما يتوقف النفط الإيراني.
ما الذي يبقى قيد المتابعة؟
ثمة ثلاثة اختبارات ستحدد مدى دقة السردية الأميركية خلال الأيام المقبلة. الأول هو بيانات حركة السفن: هل تظهر قواعد التتبع أن أي ناقلة نفط خام رست في خارك بعد التصريح؟ الثاني هو مستوى التخزين: هل تمتلئ الخزانات فعلًا، وهل يبدأ خفض الإنتاج كما توقع بيسنت منذ أشهر؟ الثالث هو رد طهران: هل تقدم وزارة النفط الإيرانية أرقامًا عن التحميل والتصدير، أم تكتفي بنفي الرواية الأميركية من دون كشف حركة الناقلات؟
وحتى يصدر هذا التوضيح، يبقى الثابت هو ما قاله وزير الخزانة الأميركي وما نقلته وسائل الإعلام عنه: الناقلات التي ملأت سابقًا ميناء خارك اختفت من المشهد الذي نشره، والجزيرة، في لغة واشنطن، لم تعد مرفأً نشطًا بل علامة على ضيق مالي تريد الإدارة الأميركية أن تقدمه بوصفه فشلًا للنظام الإيراني. والسؤال الذي ستجيب عنه الأيام المقبلة ليس ما إذا كانت العبارة قاسية، بل ما إذا كانت الناقلات ستعود إلى المرفأ، أو أن الميناء الذي كان شريان التصدير سيبقى فارغًا لفترة أطول.