إسطنبول تستضيف الجمعة اجتماعاً لوزراء خارجية إقليميين وأوروبيين لبحث فلسطين وهرمز واليمن

تستعد إسطنبول لاستضافة اجتماع وزاري موسع يوم الجمعة، يجمع وزراء خارجية تركيا والمملكة العربية السعودية ومصر وباكستان مع نظرائهم من بريطانيا وفرنسا وألمانيا، في محاولة لتنسيق المواقف إزاء ملفات إقليمية متشابكة تشمل القضية الفلسطينية والوضع في مضيق هرمز والتطورات المتصلة باليمن. ويأتي هذا اللقاء في وقت تتسع فيه قنوات التشاور بين عواصم إقليمية وأوروبية، بعد سلسلة من الاجتماعات الرباعية التي جمعت أنقرة والرياض والقاهرة وإسلام آباد خلال الأشهر الماضية.
ووفقاً لما نقلته وكالة رويترز عن مصدر دبلوماسي تركي، سيستضيف وزير الخارجية التركي هاكان فيدان نظراءه من مصر وباكستان والمملكة العربية السعودية وبريطانيا وفرنسا وألمانيا. وأكدت صحيفة عرب نيوز، نقلاً عن مصدر دبلوماسي تركي أيضاً، أن الاجتماع مقرر يوم الجمعة في إسطنبول، وأن موضوعات النقاش تشمل فلسطين واليمن ومضيق هرمز. ولم تشر المصادر المعلنة حتى الآن إلى صدور بيان ختامي، إذ يُعقد اللقاء غداً، ما يعني أن أي تقييم لنتائجه يبقى رهناً بما سيصدر عن الأطراف بعد انعقاده.
تركيبة الاجتماع ودلالة المشاركة
يجمع اللقاء مسارين دبلوماسيين تعاودت العواصم المعنية على تحريكهما بصورة منفصلة. المسار الأول يضم تركيا والسعودية ومصر وباكستان، وهي الدول التي عقدت خلال الشهور الماضية سلسلة اجتماعات تشاورية على مستوى وزراء الخارجية، من بينها لقاءات في نيويورك على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة. أما المسار الثاني فيضم بريطانيا وفرنسا وألمانيا، وهي العواصم الأوروبية الثلاث التي اعتادت التنسيق فيما بينها في ملفات الأمن الإقليمي والملاحة البحرية والعلاقات مع أطراف الشرق الأوسط.
المضيف والمشاركون
تُعد إسطنبول، بحسب المصدر الدبلوماسي التركي الذي نقلت عنه رويترز، مقراً للاجتماع، فيما يتولى فيدان استضافة الوفد. ولم تُعلن الأسماء الكاملة لبقية الوزراء في البيانات الأولية التي نشرتها الوكالات، غير أن الصيغة المعتمدة تتحدث عن نظراء فيدان من الدول الست، ما يشير إلى مشاركة على المستوى الوزاري لا إلى اجتماع فني أو تحضيري. وهذا المستوى يمنح اللقاء وزناً سياسياً، لكنه لا يعني بالضرورة أن المخرجات ستكون ملزمة أو علنية على نحو فوري.
جدول الأعمال المعلن
حصرت رويترز، نقلاً عن المصدر الدبلوماسي التركي، الموضوعات المتوقع بحثها في ثلاثة عناوين: القضية الإسرائيلية الفلسطينية، وآخر المستجدات في مضيق هرمز، والتطورات المتصلة باليمن. وهذه العناوين ليست منفصلة عن بعضها في الحسابات الدبلوماسية الإقليمية؛ فالقضية الفلسطينية تمس الشرعية السياسية للدول العربية والإسلامية والأوروبية، فيما يمس مضيق هرمز أمن الملاحة وتدفقات الطاقة، ويرتبط الملف اليمني باستقرار جنوب الجزيرة العربية وبسلامة الممرات القريبة من باب المندب والبحر الأحمر.
لماذا تتكرر إسطنبول مقراً للتنسيق؟
ليست إسطنبول غريبة عن هذا النوع من اللقاءات. فقد سبق أن أعلنت وزارة الخارجية الباكستانية، في وقت سابق، عن ترتيبات لاجتماع رباعي يضم وزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا وباكستان في المدينة نفسها. كما عقدت الأطراف الأربعة لقاءات في نيويورك خلال أيلول الماضي، وأصدرت وزارة الخارجية التركية بياناً مشتركاً في الثاني والعشرين من سبتمبر عن اجتماع تشاوري جمع وزراء خارجية تركيا ومصر وباكستان والسعودية، أكدت فيه أهمية تبادل الآراء حول التطورات الإقليمية والدولية.
وفي السياق نفسه، نقلت رويترز في الثاني والعشرين من سبتمبر بياناً مشتركاً لوزراء خارجية تركيا ومصر والسعودية وباكستان أكدوا فيه حق المملكة في الدفاع عن نفسها وفقاً للقانون. وقبل ذلك بأيام، نقلت الجزيرة عن وكالة الأنباء السعودية أن وزراء خارجية السعودية وتركيا وباكستان بحثوا في نيويورك سبل تفعيل اتفاقية مكة للدفاع المشترك. وهكذا فإن اجتماع الجمعة لا يبدأ من فراغ، بل يأتي بعد تراكم قنوات تنسيق سياسي وأمني بين جزء من المشاركين.
الملف الفلسطيني في قلب النقاش
يبقى الملف الفلسطيني العنوان الأكثر حضوراً في الدبلوماسية العربية والإسلامية، وهو أيضاً ملف خلاف أوروبي داخلي بسبب تباين مواقف العواصم الأوروبية من الحرب ومسارات وقف إطلاق النار والاعتراف بالدولة الفلسطينية والمساعدات. ولأن المصادر لم تكشف عن ورقة مفاهيم مسبقة، فإن المؤشر الأوضح هو أن القضية الإسرائيلية الفلسطينية ستكون على الطاولة، لا أن الاجتماع سيُنتج مبادرة جاهزة للتنفيذ.
وللسعودية ومصر وزن خاص في هذا الملف؛ فالرياض تتحدث من موقع دولة لها علاقات واسعة مع واشنطن والعواصم الأوروبية، والقاهرة تبقى طرفاً مباشراً في أي ترتيب يتصل بقطاع غزة والمعابر والمساعدات. أما أنقرة فتجمع بين موقع جغرافي مؤثر في القضية وبين رغبة معلنة في أن تكون وسيطاً مقبولاً لدى أكثر من طرف. وتدخل باكستان هذا الإطار بوصفها دولة مسلمة كبرى لها علاقة أمنية متنامية مع الرياض وأنقرة، وبوصفها طرفاً سعى خلال العام الجاري إلى توسيع حضوره الدبلوماسي في قضايا الشرق الأوسط.
هرمز واليمن: أمن بحري واستقرار إقليمي
يُعد مضيق هرمز من أهم الممرات البحرية في العالم لتجارة النفط والغاز، وأي اضطراب في الملاحة قربه ينعكس سريعاً على أسعار الطاقة وأقساط التأمين ومسارات السفن. ولذلك فإن حضور المملكة، بوصفها من كبار المنتجين، إلى جانب دول أوروبية مستهلكة ومالكة لأساطيل بحرية، يعطي هذا البند حساسية مضاعفة. ولم تُفصح المصادر عن صيغة محددة لما سيُطلب في شأن هرمز، لكن إدراجه في جدول الأعمال يعني أن المشاركين ينظرون إلى المضيق بوصفه ملفاً سياسياً مفتوحاً لا مسألة فنية معزولة.
أما اليمن، فهو ملف تتقاطع فيه الحرب الداخلية مع أمن الممرات البحرية ومصالح دول الجوار. وقد ظلت السعودية طرفاً أساسياً في الجهود المتصلة بالأزمة اليمنية، فيما تحتفظ مصر بموقع مؤثر بسبب البحر الأحمر وقناة السويس، وتتابع أنقرة الملف من زاوية التأثير في الملاحة والتوازنات الإقليمية. وإدخال بريطانيا وفرنسا وألمانيا إلى نقاش يشمل اليمن وهرمز يعكس رغبة أوروبية في عدم ترك ملف الممرات البحرية للإدارة الأحادية أو الترتيبات العسكرية وحدها.
ما الذي يمكن توقعه من اللقاء؟
من المبكر الحديث عن اختراق دبلوماسي. فالاجتماعات من هذا النوع تُستخدم غالباً لاختبار إمكان تقارب المواقف، ولتبادل المعلومات، ولتجنب الرسائل المتضاربة قبل أن تتحول إلى مبادرة مكتوبة. وقد يكتفي المشاركون ببيان عام يؤكد التنسيق ودعم استقرار الملاحة وحق الدفاع عن النفس، كما فعلوا في بيانات سابقة، أو قد يكتفون بتصريحات منفصلة إذا تعذر التوافق على لغة مشتركة. وفي الحالتين، سيكون مضمون البيان، لا عنوان الاجتماع وحده، هو المؤشر الأهم على ما إذا كان اللقاء استطلاعياً أم تمهيداً لخطوة لاحقة.
كما أن غياب أطراف إقليمية أخرى عن المائة لا يقلل من أهمية الاجتماع، لكنه يضع سقفاً لما يمكن أن يُنجزه. فالتنسيق بين سبع عواصم لا يغني عن الأطراف المباشرة في فلسطين أو اليمن أو الخليج، ولا يحل محل قنوات الأمم المتحدة. وقيمته العملية تكمن في منع التباين بين الرسائل العربية والتركية والأوروبية، وفي إبقاء خط مفتوح بين مجموعتين من الدول لهما مصالح متقاطعة لكنهما لا تتحدثان دائماً بلغة واحدة.
خلفية التنسيق الرباعي
خلال حزيران الماضي، انتقل التنسيق بين السعودية وتركيا ومصر وباكستان من تصريحات متفرقة إلى نمط أكثر انتظاماً. ففي حزيران أيضاً، بحث وزراء خارجية تركيا ومصر والسعودية ملفات إقليمية شملت غزة والسودان وليبيا والملف الإيراني، وفق ما نقلته وكالة الأناضول حينها عن بيان للخارجية المصرية. ولا يعني ذلك أن اجتماع الجمعة سيعيد فتح تلك الملفات كلها؛ فالمصادر الحالية حددت فلسطين وهرمز واليمن. لكن الخلفية تفسر لماذا تبدو المجموعة قادرة على الانعقاد بسرعة عندما تتسارع الأحداث.
والمهم هنا عدم المبالغة في وصف هذه الآلية. فهي ليست تحالفاً معلناً يضم الدول السبع، ولا توجد معلومات مؤكدة عن أن الاجتماع سيُنشئ هيكلاً دائماً. ما هو مؤكد فقط أن تركيا دعت إلى جمع المسارين في مكان واحد وفي يوم واحد، وأن المصدر الدبلوماسي الذي استندت إليه رويترز وعرب نيوز ربط اللقاء بنقاش النزاعات الإقليمية، لا بإعلان اتفاق جديد.
المملكة وموقعها في المعادلة
تحضر المملكة الاجتماع من موقع مركب. فهي طرف في التنسيق الرباعي مع تركيا ومصر وباكستان، وهي في الوقت نفسه شريك للعواصم الأوروبية في قضايا الطاقة والاستثمار والملاحة. وهذا الموقع يجعل مشاركتها مفيدة للطرفين: للأطراف الإقليمية التي ترى في الرياض قناة نحو العواصم الغربية، وللأوروبيين الذين يحتاجون إلى قراءة خليجية مباشرة لمخاطر هرمز واليمن. وفي المقابل، تمنح المشاركة المملكة فرصة لسماع المواقف الأوروبية من دون وسيط، ولوضع حدود لما يمكن أن تقبله من تنسيق لا يمس سيادتها أو خياراتها الأمنية.
ولا تُغير العلاقات الثنائية الجيدة بين الرياض وأنقرة، ولا اتفاقية مكة مع باكستان، من حقيقة أن لكل دولة حساباتها الخاصة. فالسعودية تنظر إلى هرمز واليمن من زاوية الأمن القومي واستقرار الطاقة، بينما تنظر أوروبا إليهما من زاوية سلاسل الإمداد وأمان التجارة. والتقاء هذه الزوايا في إسطنبول قد يُنتج تفاهماً أوسع، وقد يكشف أيضاً حدود هذا التفاهم. وفي الحالتين سيكون الوضوح مفيداً.
انعقاد من دون ضمانات
الثابت حتى هذه اللحظة هو أن الاجتماع محدد الموعد والمكان والمستوى، وأن جدول أعماله المعلن يدور حول فلسطين ومضيق هرمز واليمن، وأن المعلومة مسندة إلى مصدر دبلوماسي تركي نقلت عنه وكالات دولية، في مقدمتها رويترز. أما ما عدا ذلك، من أسماء كاملة للوفود وصيغة بيان محتملة وآلية متابعة، فلم يتحول بعد إلى معلومات معلنة يمكن البناء عليها. وهذا الحذر ضروري في تغطية اجتماع لم يُعقد بعد، خصوصاً أن الملفات المطروحة تتحرك بسرعة وقد تتغير أولويات النقاش بين عشية وأخرى.
ومع ذلك، فإن انعقاد الاجتماع نفسه حدث سياسي لا يُهمل. فهو يضع السعودية ومصر وتركيا وباكستان في غرفة واحدة مع ثلاث عواصم أوروبية كبرى، ويربط القضية الفلسطينية بملفي هرمز واليمن في نقاش واحد. وهذا الربط يعكس قناعة لدى المنظمين بأن استقرار المنطقة لا يُدار ملفاً ملفاً، وأن الدبلوماسية القادرة على التأثير هي تلك التي تجمع أصحاب القرار في الملفات الثلاثة قبل أن تتسع الفجوة بين المواقف. وسيبقى الاختبار الأهم في ما سيقوله الوزراء، لا في ما يُقال عن الاجتماع قبل أن يبدأ.