إسطنبول تستضيف الجمعة أول لقاء دبلوماسي مشترك بين الرباعية الإقليمية والترويكا الأوروبية

تستضيف إسطنبول غدًا الجمعة أول لقاء دبلوماسي مشترك يجمع وزراء خارجية سبع دول مؤثرة، في محاولة لتنسيق المواقف إزاء ملفات إقليمية شائكة، وفي مقدمتها الملف الإيراني والأزمة في اليمن وقضايا الأمن الإقليمي وسلامة الملاحة. ويضم اللقاء أربع قوى إقليمية هي المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان ومصر، إلى ثلاث قوى أوروبية كبرى هي بريطانيا وفرنسا وألمانيا.
وفق مصدر دبلوماسي تركي نقلته وكالة رويترز يوم الخميس، يستضيف وزير الخارجية التركي هاكان فيدان نظراءه من مصر وباكستان والسعودية وبريطانيا وفرنسا وألمانيا في إسطنبول لإجراء محادثات حول النزاعات الإقليمية. وتوافق هذا المعطى مع ما نشرته قناة العربية وموقع نبض ومنصات إعلامية أخرى، من أن وزراء خارجية السعودية وتركيا ومصر وباكستان وألمانيا وفرنسا وبريطانيا يجتمعون في إسطنبول لمناقشة عدد من القضايا الإقليمية.
ولا يُعد اللقاء اجتماعًا روتينيًا للتشاور فحسب، بل هو أول اجتماع مشترك من نوعه بين المجموعتين، وهو ما وصفته صحيفة ديلي صباح التركية بأنه أول محادثات من طراز R4-E3، في إشارة إلى الرباعية الإقليمية من جهة والترويكا الأوروبية من جهة أخرى. ويترأس فيدان الاجتماع المقرر في 23 تشرين الأول/أكتوبر، فيما أكدت منصة Ground News أن الوزير التركي سيستقبل نظراءه من الدول الست الأخرى في إسطنبول لمناقشة النزاعات الإقليمية وسلامة الملاحة.
جدول أعمال مكثف وملفات متشابكة
تشير التقارير المتوافرة إلى أن الجدول يشمل الملف الإيراني والوضع في اليمن ومسألة الأمن الإقليمي، وهي ملفات تمس بشكل مباشر مصالح الدول السبع وإن تفاوتت زوايا النظر إليها. ونقلت منصة The Cradle أن تركيا ستستضيف وزراء خارجية من ست دول لمحادثات تتعلق بإيران واليمن وما وصفته بـ«الأمن الإقليمي». كما أفادت مصادر العربية بأن اجتماع الرباعية الإقليمية يهدف إلى الضغط من أجل استئناف قنوات التفاوض بين واشنطن وطهران، وهو تقدير ينسب إلى مصادر القناة ولا يُعامل بوصفه بيانًا رسميًا من الحكومات المشاركة.
ويأتي الاجتماع في وقت تشهد فيه المنطقة تراكمًا للأزمات المفتوحة، من تداعيات الملف النووي الإيراني ومسارات الملاحة في الخليج والبحر الأحمر، إلى استمرار التوتر في اليمن وانعكاساته على أمن الممرات البحرية. وتُعد سلامة الملاحة ملفًا جامعًا بين الأطراف، لأنها تمس تدفقات الطاقة والتجارة وأمن الموانئ في آن واحد، وهو ما يفسر اهتمام الدول الأوروبية الثلاث بالاجتماع إلى جانب الدول الإقليمية المشاطة للخليج والبحر الأحمر ومضيق هرمز.
الرباعية الإقليمية: من التشاور إلى التنسيق
لم تنشأ الرباعية من فراغ. فقد عقد وزراء خارجية السعودية وتركيا ومصر وباكستان سلسلة لقاءات خلال الأشهر الماضية، منها اجتماع في القاهرة في حزيران/يونيو دعا واشنطن وطهران إلى مراعاة مخاوف دول المنطقة، واجتماع ثالث في أنطاليا جنوب تركيا ضم فيدان ونظيره المصري بدر عبد العاطي والباكستاني محمد إسحاق دار والسعودي الأمير فيصل بن فرحان، وفق ما نقلته الجزيرة نت. وفي آب/أغسطس، أعلنت وزارة الخارجية الباكستانية عن اجتماع رباعي لاحق في إسطنبول، فيما عقد الوزراء لقاءًا آخر على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك خلال أيلول/سبتمبر.
وتشكل هذه اللقاءات خلفية مهمة للاجتماع السباعي. فالرباعية ليست تحالفًا عسكريًا، بل إطار تشاور سياسي يضم أربع دول إسلامية ذات وزن سكاني واقتصادي وعسكري متفاوت، لكنها تشترك في القلق من توسع النزاعات الإقليمية ومن تهميش مصالح دول الجوار. وقد أظهرت اللقاءات السابقة أن هذه الدول تفضل التنسيق الدبلوماسي المسبق على المواقف المنفردة، خصوصًا حين تتصل الملفات بمسارات تفاوض دولية لا تُمثَّل فيها بشكل مباشر.
اتفاق مكة والبعد الدفاعي للتنسيق السياسي
يتقاطع هذا المسار الدبلوماسي مع تطور دفاعي منفصل لكنه غير منفصل تمامًا عنه. ففي آب/أغسطس، وقعت السعودية وتركيا وباكستان اتفاق مكة الدفاعي، وهو إطار للتعاون العسكري عقدت لجنته الأولى اجتماعًا في إسطنبول في أواخر آب/أغسطس، وفق ما نقلته رويترز في حينه. وفي أيلول/سبتمبر، بحث وزراء خارجية الدول الثلاث ترتيبات عقد اجتماع عاجل لرؤساء الأركان بهدف مساندة المملكة، وفق وكالة الأناضول. ثم أعلنت الخارجية التركية في الرابع من تشرين الأول/أكتوبر أن لجنة الاتفاق ستعقد محادثات في الرياض في الخامس من الشهر.
ومن المهم التمييز بين المسارين. فاتفاق مكة إطار دفاعي ثلاثي لا تشمل عضويته مصر، ولا يشمل الدول الأوروبية الثلاث. أما اجتماع الجمعة فهو لقاء سياسي وزاري سباعي يضم الرباعية بأكملها إلى بريطانيا وفرنسا وألمانيا. والخلط بين الإطارين يُسيء فهم طبيعة اللقاء، الذي يبقى، وفق المعلنات المتاحة، اجتماع تشاور سياسي لا اجتماع تنفيذ عسكري.
لماذا تحضر الترويكا الأوروبية؟
تُعرف بريطانيا وفرنسا وألمانيا في الملف النووي الإيراني باسم الترويكا الأوروبية، وهي الأطراف الأوروبية الثلاثة التي بقيت طرفًا في الاتفاق النووي بعد انسحاب الولايات المتحدة منه عام 2018. وقد حافظت هذه الدول على قنوات تواصل مع طهران حول البرنامج النووي والعقوبات، وهي قنوات لا تملكها الدول الإقليمية بالكثافة نفسها، رغم أنها الأكثر تعرضًا لتداعيات أي تصعيد.
ومن هنا تأتي أهمية الجمع بين المجموعتين. فالدول الإقليمية تملك القرب الجغرافي والمعرفة الميدانية والمصلحة المباشرة في استقرار الخليج والبحر الأحمر واليمن، بينما تملك الدول الأوروبية أدوات عقوبات وقنوات تفاوض وتأثيرًا داخل الاتحاد الأوروبي ومجموعة الدول السبع. واجتماع الطرفين في غرفة واحدة قد يقلل مخاطر الرسائل المتضاربة، خصوصًا إذا كان الهدف هو دفع واشنطن وطهران نحو استئناف التفاوض، كما ترجح مصادر العربية.
ولا يعني ذلك أن المواقف متطابقة. فالسعودية تنظر إلى الملف الإيراني من زاوية أمن الخليج وسلامة الممرات واستقرار اليمن، بينما تنظر تركيا إليه من زاوية الجوار والتجارة والنفوذ الإقليمي، وتنظر مصر من زاوية أمن البحر الأحمر وقناة السويس. أما باكستان فتجاور إيران مباشرة، ولها حساباتها الخاصة في أي ترتيب أمني يمس حدودها الغربية. وفي المقابل، تركز بريطانيا وفرنسا وألمانيا على منع انتشار السلاح النووي وعلى وحدة الموقف الأوروبي وعلى التنسيق مع واشنطن.
دور السعودية في الترتيب الجديد
تحضر المملكة هذا اللقاء وهي تجمع بين صفتين متكاملتين: عضويتها في الرباعية التشاورية مع تركيا ومصر وباكستان، وعضويتها في اتفاق مكة الدفاعي مع تركيا وباكستان. ويعطيها هذا الموقع قدرة على ربط النقاش السياسي بالحسابات الأمنية، من دون أن يتحول اجتماع الجمعة إلى امتداد للاتفاق الدفاعي. والرياض، التي استضافت قبل أسابيع لجنة اتفاق مكة، تنتقل الآن إلى طاولة أوسع تشمل الشركاء الأوروبيين الثلاثة.
وللمملكة مصلحة مباشرة في أن تُسمع مخاوفها قبل أن تتبلور أي تسوية بين واشنطن وطهران. فالتجارب السابقة أظهرت أن التفاوضات الثنائية قد تُنتج ترتيبات لا تأخذ في الحسبان أمن الخليج ولا الملاحة ولا الوضع اليمني. ومشاركة السعودية في لقاء يضم الترويكا الأوروبية تمنحها قناة مباشرة لوضع هذه المخاوف على الطاولة، بدلًا من الاكتفاء بإبلاغها عبر واشنطن.
إسطنبول بوصفها منصة لا طرفًا
ليس اختيار إسطنبول تفصيلًا بروتوكوليًا. فالمدينة استضافت خلال العامين الماضيين جولات تفاوض متعددة الأطراف، وتمتلك تركيا علاقات عمل مع جميع الأطراف المعنية: مع السعودية وباكستان عبر اتفاق مكة، ومع مصر عبر الرباعية، ومع الدول الأوروبية الثلاث عبر عضوية أنقرة في حلف الناتو وشراكتها الجمركية مع الاتحاد الأوروبي، ومع إيران عبر حدود مشتركة وتجارة لا تنقطع رغم الخلافات. وهذا الموقع يجعل أنقرة قادرة على استضافة لقاء يصعب عقده في عاصمة أوروبية أو خليجية من دون أن يُقرأ بوصفه انحيازًا لأحد الأطراف.
كما أن رئاسة فيدان للاجتماع تعكس رغبة تركية في تثبيت دور الوسيط القادر على الحديث مع جميع الأطراف، لا دور الطرف المنحاز لكتلة ضد أخرى. وهذا التمييز مهم، لأن بعض التغطيات قد تُغري بتقديم اللقاء بوصفه جبهة موحدة، في حين أن المعلنات الرسمية المتاحة تصفه بوصفه محادثات حول النزاعات الإقليمية، لا بوصفه تحالفًا جديدًا.
ما الذي يمكن أن يُنتجه اللقاء؟
لا تشير المعلومات المتوفرة حتى الآن إلى أن الاجتماع سيُصدر بيانًا ختاميًا ملزمًا، أو أنه سيطلق مبادرة تفاوض جديدة. والتوقعات الأكثر واقعية، بناءً على طبيعة اللقاءات المماثلة، هي أن يُنتج تقاربًا في تقييم المخاطر، وربما رسائل منسقة إلى واشنطن وطهران بضرورة مراعاة مخاوف دول المنطقة. وقد يُتفق أيضًا على آلية للتشاور المستمر بين المجموعتين، بحيث لا يبقى هذا اللقاء حدثًا منفردًا.
أما النتائج الأكبر، مثل اتفاق جديد حول الملف النووي أو ترتيب لوقف إطلاق النار في اليمن، فهي خارج نطاق لقاء وزاري واحد، ولا تدعمها المعلومات المعلنة. والقيمة الفورية للاجتماع تكمن في أنه يُثبِّت قناة تنسيق لم تكن موجودة، ويُظهر أن الدول الأكثر تضررًا من التصعيد لن تترك إدارة الأزمة لواشنطن وطهران وحدهما.
سياق أوسع: الدبلوماسية في زمن التعدد الأقطاب
يندرج هذا اللقاء في سياق أوسع يشهد فيه النظام الدولي تعددًا في مراكز التأثير. فالولايات المتحدة تبقى اللاعب الأكبر في الملف الإيراني، لكنها ليست اللاعب الوحيد. والدول الإقليمية الأربع تسعى إلى بناء قدرة جماعية على التأثير، فيما تسعى الدول الأوروبية الثلاث إلى الحفاظ على دورها في ملف تراه مرتبطًا بأمنها وباستقرار أسواق الطاقة. والنتيجة هي دبلوماسية متعددة الأقطاب، لا تُلغي التحالفات القديمة ولا تكتفي بها.
وفي هذا السياق، يكتسب التنسيق بين الحلفاء قيمة عملية. فالرسائل المتضاربة قد تُستغل من أي طرف يريد تأجيل التفاوض أو تصعيده. واجتماع وزراء الخارجية السبعة قبل أي جولة تفاوض محتملة يُعطي هذه الدول فرصة لضبط الإيقاع، حتى لو لم يُنتج موقفًا موحدًا. والتنسيق، في هذه الحالة، ليس كمالية دبلوماسية، بل أداة لتقليل مخاطر حرب أوسع لا تريدها أي من الدول السبع.
ما ينبغي متابعته بعد الجمعة
سيراقب المتابعون عدة مؤشرات بعد انفضاض الاجتماع. أولها ما إذا كان سيصدر بيان مشترك، وما إذا كان سيشير صراحة إلى الملف الإيراني واليمن وسلامة الملاحة، أم سيكتفي بعبارات عامة عن الاستقرار الإقليمي. وثانيها ما إذا كان الوزراء سيتفقون على موعد للقاء مقبل، لأن تحول هذا الإطار إلى مسار دوري سيكون أكثر أهمية من بيان واحد. وثالثها ما إذا كانت واشنطن أو طهران سترد علمًا على اللقاء، سواء بالترحيب أو بالتحفظ أو بالصمت.
ورابعها ما إذا كان النقاش سيمتد إلى ملفات أخرى ظهرت في لقاءات الرباعية السابقة، مثل غزة والسودان وليبيا، أم سيبقى محصورًا حول إيران واليمن والملاحة. وخامسها ما إذا كان سيُعاد تأكيد الفصل بين هذا المسار السياسي وبين اتفاق مكة الدفاعي، حتى لا يُفهم اللقاء السباعي على أنه توسعة للتحالف العسكري الثلاثي.
وفي المحصلة، يُمثل اجتماع إسطنبول محاولة لإدارة مرحلة شديدة الحساسية بأدوات دبلوماسية لا بأدوات عسكرية. ونجاحه لن يُقاس بحجم البيانات، بل بقدرة الدول السبع على منع انزلاق المنطقة نحو مواجهة لا تريدها، وعلى إبقاء قناة مفتوحة بين من يملكون أدوات الضغط ومن يتحملون كلفة التصعيد. وفي منطقة لم تعد تحتمل خطأ الحساب، قد يكون هذا الحد الأدنى من التنسيق هو النتيجة الأكثر واقعية، والأكثر أهمية في آن معًا.