لولا: التدخل الخارجي عبر المنصات الرقمية فرض تنظيمًا برازيليًا أوسع
✍️ طلال الدوسري
شارك:
✍️ طلال الدوسري
أكد رئيس البرازيل لويز إيناسيو لولا دا سيلفا أن الانتخابات التي خاضها البلد كانت انتخابًا اضطر فيه البرازيليون إلى التغلب على تدخل قادم من خارج البلاد عبر المنصات الرقمية، مشددًا على أن هذه المنصات سيتعين تنظيمها. وجاء التصريح في سياق جدل متصاعد داخل البرازيل وخارجها حول حدود مسؤولية شركات التكنولوجيا الكبرى عن المحتوى الذي ينتشر أثناء المواسم الانتخابية، وحول قدرة الدول على حماية فضائها العامة من حملات التضليل العابرة للحدود.
وقال لولا، وفق النص المنشور: «كانت هذه انتخابًا اضطررنا فيه إلى التغلب على التدخل القادم من خارج البلاد عبر المنصات الرقمية، والتي سيتعين علينا تنظيمها». ويحمل هذا التصريح دلالتين مترابطتين: الأولى أن السلطة التنفيذية تعدّ ما جرى عبر هذه المنصات تدخلًا خارجيًا لا مجرد تداول آراء، والثانية أن الاستجابة الرسمية المطلوبة ليست بيانًا سياسيًا عابرًا بل إطارًا تنظيميًا يُفترض أن يضبط عمل تلك المنصات داخل الولاية القانونية البرازيلية.
## ما الذي يعنيه التصريح سياسيًا؟
يأتي كلام رئيس البرازيل في لحظة تتسع فيها المسافة بين الخطاب السياسي المحلي والبنية التحتية التي يُنتج عليها ويُوزّع. فالمنصات الرقمية لم تعد وسيلة نشر محايدة، بل أصبحت مساحة يتقرر فيها جزء كبير من النقاش العام، وتُصاغ فيها الرسائل السياسية بسرعة تفوق قدرة المؤسسات التقليدية على التحقق والرد. ومن هنا يكتسب وصف التدخل بـ«الخارجي» أهمية مضاعفة: فهو لا يشير فقط إلى مصدر الرسالة، بل إلى أن القرار المؤثر في ترتيب المحتوى وإظهاره وحذفه يُتخذ خارج الإطار الدستوري البرازيلي.
ويعكس استخدام عبارة «اضطررنا إلى التغلب» تصورًا للانتخابات بوصفها معركة على شرعية النتيجة لا مجرد تنافس بين مرشحين. في هذا التصور، لا يكفي أن تُحصى الأصوات وتُعلن النتائج، بل يجب أن تُثبت أن الناخب تصرف بناءً على معلومات لم تُصنّع من خارج العملية الديمقراطية الوطنية. وهذا المعنى هو ما يجعل التصريح مرتبطًا مباشرة بمفهوم السيادة الانتخابية، لا بمسألة تقنية معزولة عن السياسة.
ولم يُسمّ لولا في العبارة المنشورة دولة بعينها ولا منصة محددة ولا حملة معينة. وهذا الغموض مقصود في قراءة النص كما ورد، لأن التصريح يطرح المشكلة بوصفها ظاهرة بنيوية لا بوصفها واقعة موثقة بتفاصيلها. والتمييز هنا ضروري: فالتصريح الرئاسي يثبت موقف السلطة التنفيذية، لكنه لا يغني وحده عن تحقيق قضائي أو برلماني في طبيعة التدخل المدعى ومداه وآثاره.
## لماذا أصبح تنظيم المنصات ملفًا سياديًا؟
تدور الخلافات حول تنظيم المنصات الرقمية في البرازيل، كما في عدد من الدول، على سؤال مركزي: هل تُعامل هذه الشركات بوصفها وسيطًا محايدًا ينقل كلام الآخرين، أم بوصفها فاعلًا يصمم الفضاء العام ويؤثر في ما يراه المواطن وما لا يراه؟ الموقف الذي عبّر عنه لولا ينحاز إلى التصور الثاني. فإذا كانت المنصة قادرة على تضخيم رسالة أو طمسها، وعلى ربط حسابات منسقة بجمهور واسع، فإن الدولة — وفق هذا المنطق — لا تملك رفاهية ترك هذا النشاط خارج أي قاعدة ملزمة.
ويشمل النقاش البرازيلي أبعادًا متعددة لا تقتصر على حذف منشور مضلل. فهناك مسألة شفافية الخوارزميات التي تقرر ما يصل إلى المستخدم، ومسألة تمويل الإعلان السياسي العابر للحدود، ومسألة الحسابات الآلية والمنسقة التي تُضخّم روايات معينة، ومسألة حق السلطات الوطنية في طلب بيانات من شركات مقرها خارج البلاد. وكل واحد من هذه المحاور يُنتج خلافًا قانونيًا مختلفًا، لكنها تلتقي عند سؤال واحد: من يملك سلطة تقرير ما يجوز أن يُقال للناخب في الأسابيع الحاسمة قبل الاقتراع؟
ولا يمكن فصل هذا النقاش عن تجربة البرازيل خلال السنوات الأخيرة. فالبلاد شهد استقطابًا سياسيًا حادًا، وخلافات حول نزاهة المؤسسات، وجدلًا مستمرًا بين السلطة التنفيذية والقضاء والكونغرس بشأن حدود التدخل في المحتوى الرقمي. وكما أن أنصار التنظيم يرون فيه أداة لحماية الديمقراطية من الكذب المنظم، يرى معارضوه أن توسيع صلاحيات الدولة في هذا الملف قد يتحول إلى قيد على حرية التعبير وإلى وسيلة لإسكات المعارضة. والتصريح الأخير للولا لا يحسم هذا الخلاف، لكنه يضع السلطة التنفيذية بوضوح في خانة المطالبين بتشريع أوسع.
## التدخل الخارجي وحدود المفهوم
يحتاج مفهوم «التدخل القادم من خارج البلاد» إلى ضبط دقيق، لأن الفضاء الرقمي لا يعترف بالحدود الجغرافية بالطريقة نفسها التي تعترف بها الدول. قد يكون التدخل حملة ممولة من حكومة أجنبية، وقد يكون نشاطًا تموله أفراد أو كيانات خاصة من خارج البلاد، وقد يكون قرارًا تجاريًا تتخذه شركة عالمية يؤثر في ما يراه الناخب البرازيلي دون أن يكون هدفه المعلن التأثير في الانتخابات. وهذه الصور ليست متماثلة قانونيًا، ولا تستدعي الأدوات نفسها.
فالتدخل الحكومي الأجنبي يُعالج عادة بأدوات السيادة والأمن القومي والدبلوماسية. أما نشاط الكيانات الخاصة فقد يقع تحت قوانين تمويل الحملات والشفافية. وأما قرارات الشركات العالمية فتثير مشكلة من نوع آخر: هي قرارات تجارية تتخذها كيانات لا تخضع للقانون البرازيلي إلا بقدر ما تمارس نشاطًا داخل السوق البرازيلية. ولهذا فإن أي تشريع مقبل سيحتاج إلى تعريف واضح لما يُعد تدخلًا، وإلى جهة مستقلة تثبت وقوعه، وإلى ضمانات تمنع تحويل التنظيم إلى رقابة سياسية على المحتوى.
ومن دون هذا الضبط، قد يتسع المفهوم حتى يشمل أي رأي ناقد يصدر من خارج البلاد، وهو أمر يتعارض مع طبيعة النقاش العام في عصر تتداخل فيه الوسائل. فالصحف الأجنبية والباحثون والمنظمات الدولية تعلق يوميًا على شؤون البرازيل، ولا يُعد هذا التعليق في حد ذاته تدخلًا. الفارق الجوهري هو بين الرأي العلني وبين عملية منظمة تهدف إلى تزييف إرادة الناخب أو حجب معلومات ضرورية عنه أو استخدام أدوات تقنية لإغراق الفضاء العام برسائل منسقة.
## الكونغرس والقضاء ومسار التشريع
إذا كان الرئيس قد أعلن أن المنصات «سيتعين تنظيمها»، فإن تحويل هذا التعهد إلى قانون لا يمر عبر السلطة التنفيذية وحدها. فالنظام البرازيلي يوزع السلطة بين الرئاسة والكونغرس والقضاء، وأي تشريع يمس حرية التعبير أو خصوصية البيانات أو صلاحيات الهيئات الرقابية سيخضع لمراجعة دستورية. وهذا يعني أن المعركة المقبلة لن تكون بين الحكومة والشركات فحسب، بل بين قراءات متعارضة داخل المؤسسات البرازيلية نفسها.
وقد أظهرت تجارب سابقة أن الكونغرس البرازيلي منقسم بشأن هذا الملف. فهناك من يرى أن غياب التنظيم يترك الديمقراطية عارية أمام شركات تملك قدرة توزيع تفوق قدرة أي حزب، وهناك من يرى أن الحكومة تستخدم ذريعة مكافحة التضليل لتوسيع نفوذها على النقاش العام. وهذا الانقسام ليس تفصيلًا إجرائيًا؛ فهو يحدد ما إذا كان الوعد الرئاسي بالتنظيم سيترجم إلى نص قانوني متفق عليه أم سيبقى شعارًا سياسيًا يُعاد تدويره كلما اقترب موعد انتخابي.
كما أن القضاء البرازيلي، وفي مقدمته المحكمة العليا الاتحادية، أصبح طرفًا أصيلًا في هذا الملف لا مجرد حكم بين خصمين. فالقرارات المتعلقة بحذف المحتوى أو بإلزام المنصات بإجراءات معينة تُقرأ من بعض الأطراف بوصفها دفاعًا عن النظام العام، ومن أطراف أخرى بوصفها تجاوزًا للصلاحية. وأي قانون جديد سيُختبر أمام هذه المحكمة، وسيتوقف مصيره على ما إذا كان يحمي حقًا دستوريًا أم يقيده.
## الشركات العالمية ومعضلة السيادة
تواجه الحكومات التي تسعى إلى تنظيم المنصات معضلة معروفة: الشركات المطلوب تنظيمها ليست شركات وطنية يمكن إلزامها بقرار إداري، بل كيانات عالمية تملك قواعد مستخدمين ضخمة وتأثيرًا اقتصاديًا وقدرة على نقل الخلاف إلى عواصم أخرى. وقد رأت البرازيل في سنوات سابقة كيف يمكن لخلاف مع منصة رقمية كبرى أن يتحول إلى أزمة دبلوماسية وتجارية، حين تدخل حكومات أجنبية وشركات تكنولوجيا للدفاع عن ما تعده حرية تعبير مهددة.
ولا يعني ذلك أن الدولة مجردة من فرض قواعدها. فالسيادة الرقمية ليست شعارًا، بل قدرة عملية على أن تُطبق القوانين الوطنية على نشاط يُمارس داخل الإقليم ويؤثر في المواطنين، بصرف النظر عن مكان تسجيل الشركة. لكن هذه القدرة تصطدم بحقيقة أن البنية التحتية والخوادم وقرارات الإدارة تُتخذ في مقار خارجية. ومن ثم فإن أي تنظيم فعال يحتاج إلى تعاون الشركة أو إلى أدوات إكراه قانونية قد تكون مكلفة سياسيًا واقتصاديًا.
وهنا تظهر أهمية التمييز بين التنظيم والحظر. فالتنظيم يفرض قواعد شفافية ومسؤولية وآليات للتظلم وحقًا في الطعن، بينما الحظر يغلق منصة بأكملها أو يحذف فئة واسعة من المحتوى. والتجربة المقارنة تدل على أن الحظر الشامل نادرًا ما يصمد أمام المحاكم الدستورية، بينما التنظيم المحدد والقابل للمراجعة هو الذي يحظى بفرصة أكبر للبقاء. وتصريح لولا يستخدم كلمة «تنظيم» لا «حظر»، وهذا اختيار لغوي له دلالة، لكن مضمون التنظيم هو ما سيحدد إذا كان المشروع حمايةً للانتخابات أم توسيعًا لسلطة الدولة على الكلام.
## المعلومات المضللة والناخب
لا يقتصر أثر المنصات الرقمية في الانتخابات على نشر خبر كاذب. فالخطر الأكبر، وفق ما ترصده هيئات مراقبة الانتخابات في عدد من الدول، هو بناء بيئة معلوماتية يصعب فيها على المواطن التمييز بين المصدر الموثوق والحساب المنسق والمقطع المنتزع من سياقه. وهذه البيئة لا تُغيّر نتيجة الانتخابات بالضرورة، لكنها تُضعف الثقة في النتيجة حتى إذا كانت الإجراءات الفنية للاقتراع سليمة.
وفي بلد بحجم البرازيل، حيث يتجاوز عدد الناخبين مئة مليون، وحيث تتفاوت مستويات التعليم والوصول إلى الإنترنت تفاوتًا واسعًا بين الولايات، يكون أثر الرسالة المضللة غير متكافئ. فالمناطق الاحتياطية التي تعتمد على تطبيقات المراسلة مصدرًا رئيسيًا للأخبار تكون أكثر عرضة للمحتوى غير المُتحقق من المناطق التي تملك صحافة محلية قوية ومؤسسات قادرة على التصحيح. وهذا التفاوت يجعل مسألة التنظيم مسألة مساواة أيضًا، لا مسألة أمن قومي فحسب.
ولا بد من الإشارة إلى أن المعلومات المضللة لا تأتي دائمًا من الخارج. فجزء كبير من المحتوى الذي يضر بالنقاش العام يُنتج داخل البلاد، على أيدي فاعلين سياسيين محليين يستخدمون الأدوات نفسها التي تستخدمها جهات خارجية. والتركيز على التدخل الخارجي وحده قد يحجب هذه الحقيقة، ويُحوّل مشكلة داخلية إلى مواجهة مع عدو خارجي. وهذا التحويل مفيد سياسيًا لمن يريد توحيد صفوفه، لكنه لا يُنتج تنظيمًا قادرًا على معالجة المشكلة من جذورها.
## ما الذي يمكن أن يشمله التنظيم؟
لم يُفصّل لولا في تصريحه شكل التنظيم الذي يريده. لكن النماذج المقارنة المعروفة عالميًا تدور حول محاور محدودة. أولها الشفافية: إلزام المنصات بكشف مصادر تمويل الإعلان السياسي وهوية الجهات التي تشتري الوصول إلى جمهور معين. وثانيها المسؤولية: وضع آجال واضحة للرد على البلاغات عن المحتوى المضلل، مع إمكانية الطعن أمام جهة مستقلة. وثالثها حماية البيانات: منع استخدام معلومات المستخدمين في استهداف سياسي دقيق يُبنى على خصائص حساسة من دون رقابة.
ورابعها التعاون مع السلطات الانتخابية: تقديم بيانات عن الحملات المشبوهة إلى الهيئة المسؤولة عن نزاهة الاقتراع، لا إلى الحزب الحاكم. وهذا التمييز جوهري، لأن تحويل بيانات المنصات إلى أداة بيد السلطة التنفيذية يُفقد التنظيم مشروعيته ويحوله إلى ميزة تنافسية. وخامسها العقوبات المتناسبة: غرامات تردع الشركات الكبرى من دون أن تصل إلى حد إخراجها من السوق، لأن الإخراج يعاقب المستخدم البرازيلي قبل أن يعاقب الشركة.
وهناك محور سادس لا يُذكر دائمًا في الخطاب الرسمي، وهو التربية الإعلامية. فلا يكفي أن تُحذف المادة المضللة بعد انتشارها؛ بل يحتاج المواطن إلى أدوات تساعده على التعرف عليها قبل أن يصدقها. وهذا دور للمدارس والجامعات والصحافة المهنية وهيئات التحقق المستقلة، لا للجهاز الرقابي وحده. وأي تنظيم يتجاهل هذا البعد سيكون تنظيمًا للعرض لا للسبب.
## الموقف الدولي وانعكاساته
يتجاوز ملف تنظيم المنصات الحدود البرازيلية. فالاتحاد الأوروبي أقر تشريعات تُلزم المنصات الكبرى بتقييم المخاطر والشفافية، والمملكة المتحدة سنت قوانين تُحمّل الشركات مسؤولية عن المحتوى الضار، ودول أمريكية لاتينية تبحث نماذج مشابهة. في المقابل، تميل البيئة التشريعية في الولايات المتحدة إلى حماية واسعة لحرية التعبير، وتعد كثير من الشركات التنظيم الأجنبي قيدًا على هذه الحرية.
وهذا التباين يُفسر لماذا يتحول خلاف محلي مع منصة رقمية إلى ملف دبلوماسي. فالشركة التي تُعاقب في البرازيل قد تلجأ إلى حكومتها، والحكومة قد ترى في العقوبة تمييزًا ضد شركة أمريكية لا إجراءً تنظيميًا مشروعًا. وقد رأت البرازيل هذا المسار في خلافات سابقة، حين ارتبط النقاش حول حرية التعبير بملفات تجارية وجمركية. ومن المرجح أن يتكرر هذا الربط إذا تقدمت الحكومة البرازيلية بمشروع تنظيم شامل.
ولا يُلغى في هذا السياق أن الرئيس الأمريكي ترامب يمثل تيارًا يرى في تنظيم المنصات خطرًا على حرية التعبير وعلى مصالح الشركات الأمريكية. والتقاطع بين هذا الموقف وموقف لولا ليس تفصيلًا عارضًا؛ فهو يحدد الهامش الدبلوماسي الذي ستتحرك فيه أي محاولة برازيلية لفرض قواعد على شركات يُنظر إليها في واشنطن بوصفها امتدادًا للنفوذ الأمريكي. ولم يرد التصريح المنشور للولا على هذا البعد صراحة، لكن السياق الأوسع يجعله حاضرًا في أي قراءة جادة.
## ما الذي يترتب على التصريح؟
يُرتب على تصريح لولا ثلاث مهام مترابطة. الأولى هي الإثبات: فالقول بوجود تدخل خارجي يحتاج إلى أدلة تُعرض على الكونغرس والقضاء والرأي العام، لا إلى تكرار الاتهام. ومن دون هذه الأدلة يبقى التصريح موقفًا سياسيًا مشروعًا، لكنه لا يكفي لبناء تشريع يمس حقوقًا دستورية. والثانية هي تحديد الجهة المختصة: فإذا أصبحت السلطة التنفيذية هي من يُعرّف التدخل وهي من يعاقب عليه، فقد التنظيم مشروعيته مهما كان الدافع عنه. والثالثة هي ضمان التناسب: فالإجراء الذي يحمي الانتخاب لا يجوز أن يُلغي النقاش العلني الذي بدونه لا معنى للانتخاب.
وسيتابع الملف أيضًا من زاوية العلاقة بين البرازيل وشركائها التجاريين. فالبرازيل سوق ضخمة لشركات التكنولوجيا، وأي قواعد جديدة ستُقرأ في عواصم أخرى بوصفها نموذجًا محتملًا. وهذا يمنح البرازيل تأثيرًا يفوق حجمها الاقتصادي، لكنه يعرضها أيضًا لضغوط تفوق ما تواجهه دول أصغر. فالنجاح في فرض قواعد متوازنة قد يشجع دولًا أخرى على الحذو، بينما الإفراط قد يُستخدم حجة ضد أي تنظيم مستقبلي.
## خلاصة
يضع تصريح رئيس البرازيل لولا ملف المنصات الرقمية في قلب النقاش حول سيادة القرار الانتخابي. فهو لا يكتفي بوصف ما جرى بأنه خلاف رأي، بل يصفه بالتدخل الخارجي، ويربط الاستجابة المطلوبة بتنظيم قانوني لا برد سياسي. لكن المسافة بين التصريح والقانون طويلة. فهي تمر عبر تعريف دقيق للتدخل، وأدلة قابلة للفحص، وجهة مستقلة تطبق القواعد، وضمانات تحمي حرية التعبير من أن تكون الضحية الأولى للمواجهة مع المنصات.
وسيبقى السؤال المطروح على البرازيل هو نفسه السؤال المطروح على عدد من الديمقراطيات: كيف تُحمى إرادة الناخب من التلاعب من دون أن تُسلّم السلطة على تحديد الحقيقة إلى جهة واحدة؟ والإجابة عن هذا السؤال لن تأتي من تصريح رئاسي، بل من نص قانوني يصمد أمام الكونغرس والقضاء والرأي العام، ويُميّز بين حماية الانتخاب والسيطرة على النقاش. وحتى يصدر هذا النص، يبقى ما قاله لولا إعلانًا عن نية، لا خريطة كاملة لما ستفعله البرازيل في ملف يمس أساس شرعية سلطتها.