ماكرون يتهم مجموعات من اليسار المتطرف بالشغب والتخطيط لإسقاط الجمهورية | سياسة | شبكة نفود الإخبارية
عاجل
سياسة
ماكرون يتهم مجموعات من اليسار المتطرف بالشغب والتخطيط لإسقاط الجمهورية
✍️ فريق تحرير نفود
شارك:
✍️ فريق تحرير نفود
اتهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مجموعات من اليسار المتطرف بالوقوف وراء أعمال الشغب العنيف التي رافقت احتجاجات على تكاليف المعيشة في فرنسا، مؤكدًا أن هذه المجموعات خططت لما وصفه بمحاولة إسقاط الجمهورية. وجاء الاتهام في خطاب وجهه ماكرون إلى الأمة الأحد 18 أكتوبر 2026، غداة يوم شهدت فيه مدن فرنسية عدة نهبًا وتخريبًا واعتداءات على ممتلكات عامة وخاصة، بعد أن انزلقت الاحتجاجات من مطالب معيشية إلى مواجهات مع قوات الأمن.
ووفق ما نقلته وكالة الأنباء الفرنسية ومصادر إعلامية متعددة، من بينها الجزيرة وهيئة الإذاعة البريطانية وفرانس 24 وتي آر تي عربي، تعهد ماكرون بمحاسبة من وصفهم بـ«الساعين إلى إسقاط الجمهورية»، ودعا الأحزاب والنقابات إلى إدانة العنف بعبارات واضحة وحاسمة. وقال إن لا شيء يبرر التخريب والنهب، معبرًا عن غضب الفرنسيين وشعورهم بالعار مما وقع في شوارعهم.
## خطاب يفصل بين المطلب والعنف
سعى ماكرون، وفق المصادر، إلى رسم خط فاصل بين المتظاهرين الذين يعبرون عن مطالب معيشية يراها مشروعة، وبين من وصفهم بعناصر متطرفة وخارجين على القانون استغلوا التجمعات للاعتداء على الممتلكات والمؤسسات. وهذا التمييز ليس تفصيلًا بلاغيًا فقط؛ فهو يحدد الإطار السياسي الذي تريد السلطة التحرك داخله، بحيث تقر بوجود غضب اجتماعي مرتبط بالأسعار والخدمات العامة، وترفض في الوقت نفسه أن يتحول هذا الغضب إلى غطاء لأعمال تصفها بالفوضوى.
ونقلت المصادر عن ماكرون قوله إن مجموعات من اليسار المتطرف والخارجين على القانون هي من وقفت وراء العنف غير المسبوق، وإن من دمروا ونهبوا سيتحملون العواقب كاملة. كما أعلن عن خلية أزمة لمتابعة التطورات الأمنية وتنسيق الرد الحكومي، في مؤشر على أن السلطة تعامل الأحداث بوصفها أزمة لا اضطرابات معزولة.
ولم يكتف الخطاب بتوجيه الاتهام إلى اليسار المتطرف، بل حمّل القوى السياسية الأخرى مسؤولية أخلاقية وسياسية في نظر ماكرون. فالدعوة إلى إدانة العنف تضع النقابات والأحزاب، وخاصة المعارضة اليسارية، أمام خيار صعب: إما الانضمام إلى سردية السلطة والمخاطرة بالابتعاد عن قاعدة ترى في الاحتجاج أداة مشروعة، وإما الصمت والتعرض لاتهام بالتساهل مع العنف. وهذا التموضع يفسر جانبًا مهمًا من حدة الردود السياسية اللاحقة.
## أرقام الاعتقال وحجم الضرر
أفادت السلطات الفرنسية، وفق ما نقلته الجزيرة ودويتشه فيله، باعتقال نحو 2400 شخص يوم السبت 17 أكتوبر 2026، في أثناء يوم من الاحتجاجات ضد غلاء المعيشة تخللته أعمال عنف. كما أصيب نحو ألف من عناصر الشرطة والدرك، وهو رقم يعكس حدة المواجهات واتساع انتشارها، لا مجرد حجم الاحتجاج السلمي.
ووصفت تقارير نشرتها هيئة الإذاعة البريطانية وشبكة سي إن إن العنف بأنه تضمن نهبًا وتخريبًا واعتداءات على مبانٍ عامة ومتاجر، وأن المشاهد كانت لافتة في عدد من المدن الكبرى. وأشارت بعض التقارير إلى أضرار لحقت مباني عامة وتاريخية، من بينها مقر بلدية في باريس، ما رفع من حدة الجدل السياسي حول قدرة الدولة على حماية المجال العام.
والرقم المعلن للمعتقلين لا يعني بالضرورة أن جميع من وقع توقيفهم سيواجهون بتهم الشغب؛ فالإجراءات القضائية الفرنسية تميز بين التوقيف الاحتياطي والإحالة إلى النيابة والإدانة. غير أن حجم العمليات الأمنية يوضح لماذا وصفت الحكومة ما جرى بأنه غير مسبوق، ولماذا رفعت مستوى الاستنفار الأمني في الأيام التالية.
## من المعيشة إلى أزمة أمنية
انطلقت الاحتجاجات من مطالب مرتبطة بتكاليف المعيشة وأسعار الوقود وأوضاع الخدمات العامة، ومن بينها حالة المدارس، وفق ما أوردته تقارير فرانس 24 وسي إن إن وصحيفة غارديان. وقد سبقت يوم السبت أسابيع من التحركات، من بينها احتجاجات طلاب اعترضوا على تردي المباني المدرسية وظروف الدراسة. وهذا السياق يهم لفهم لماذا لم تنجح السلطة في حصر الجدل داخل إطار اقتصادي فقط.
فالغضب من الأسعار والخدمات لا يتطلب بالضرورة وجود تنظيم مركزي واحد حتى يتحول إلى أزمة سياسية. وفي الحالة الفرنسية، التقت شكاوى القدرة الشرائية مع شكاوى الطلاب ومع موقف معارض يرى في الحكومة عاجزة عن حماية المجال العام. وعندما انزلق العنف من هامش هذه التجمعات، أصبح السؤال لا يتعلق فقط بمن نظم الاعتداءات، بل بمدى قدرة المؤسسات على استيعاب غضب متراكم من دون أن يفقد الاحتجاج السلمي شرعيته.
وفي هذا السياق، يكتسب اتهام ماكرون لليسار المتطرف وظيفة مزدوجة. فمن جهة، يحدد مسؤولًا مباشرًا عن العنف ويمهد الطريق أمام النيابة والشرطة. ومن جهة أخرى، ينقل جزءًا من النقاش بعيدًا عن السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي أطلقت الاحتجاجات أصلًا، ليركزه على سلامة المؤسسات. وهذا الانتقال هو ما ترفضه قطاعات من المعارضة، التي ترى أن الحكومة تستخدم العنف لتجنب محاسبة سياسية حول الأسباب الأعمق للغضب.
## ليكورنو وخطة الأمن
لم يكن ماكرون وحده من وجه الاتهام. ففي 20 أكتوبر 2026، حمّل رئيس الوزراء سيباستيان ليكورنو مجموعات وصفها باليسار المتطرف واليسار المتطرف الراديكالي مسؤولية أعمال الشغب التي وقعت على هامش الاحتجاجات، ووعد بنشر أمني واسع لمنع تكرار المشهد. ونقلت فرانس 24 عنه التعهد بتعبئة قوات أمنية كبيرة، فيما أفادت رويترز بأن السلطات تستعد لنشر قوات، من بينها عناصر عسكرية في مهام دعم، لتأمين التجمعات المقررة لاحقًا.
وفرضت السلطات حظر تجول محليًا في عدد من المدن، ومن بينها باريس، لمنع تجمع المشاغبين في الأماكن التي شهدت أعمال نهب وتخريب. ونقلت وكالة أسوشيتيد برس ومحطة سي بي إس نيوز أن حظر التجول في العاصمة شمل منطقة ساحة الجمهورية وحي ليزال، حيث وقعت بعض أشد المواجهات. وقال ليكورنو إن الإجراءات ساعدت على حفظ الهدوء ليلًا، من دون أن يعني ذلك نهاية التوتر.
واللجوء إلى حظر تجول محدود جغرافيًا يعكس محاولة للتوفيق بين أمرين: منع تكرار العنف في نقاط معينة، وتجنب فرض إجراء شامل قد يُقرأ بوصفه تقييدًا للحريات العامة في كل أنحاء البلاد. لكن هذا التوازن يبقى هشًا؛ فالمناطق المشمولة بالحظر هي نفسها المناطق التي تتجه إليها التجمعات الاحتجاجية عادة، وأي توسع في نطاق الإجراء سيعيد الجدل حول حق التظاهر.
## انقسام سياسي قبل الانتخابات
أظهرت التطورات انقسامًا سياسيًا حادًا. فبينما ركزت الحكومة والرئاسة على مسؤولية مجموعات من اليسار المتطرف، رأت قوى معارضة أن السلطة تستخدم العنف لصرف الانتباه عن أزمة المعيشة وعن ما تصفه بفشل سياسات الحكومة. ونقلت هيئة الإذاعة البريطانية أن فرنسا منقسمة حول من يتحمل المسؤولية، وأن هذا الانقسام يأتي في وقت تستعد فيه البلاد لاستحقاق انتخابي مكثف.
وتكتسب هذه الخلفية أهمية إضافية لأن ولاية ماكرون الثانية تقترب من نهايتها، وقد بدأت القوى السياسية بالتموضع لمرحلة ما بعده. ونقلت صحيفة نيويورك بوست أن قوى يسارية تعتزم تنظيم احتجاج كبير في باريس يوم السبت التالي، في وقت تعهد فيه ماكرون بعدم تكرار أعمال الشغب. وهكذا أصبح كل تجمع مقبل اختبارًا لقدرة الدولة على حماية التظاهر ومنع انزلاقه إلى عنف في آن واحد.
ولا يمكن فصل هذا الاختبار عن التنافس الانتخابي. فاليمين يرى في العنف دليلًا على حاجة البلاد إلى سلطة أكثر صرامة، واليسار يرى فيه نتيجة لسياسات اقتصادية واجتماعية يصفها بالمجحفة، بينما يحاول معسكر ماكرون أن يقدم نفسه بوصفه ضامن النظام الجمهوري في مواجهة الطرفين. وهذا التموضع يفسر لماذا اتسعت رقعة الخطاب الرسمي من إدانة الشغب إلى الحديث عن محاولة إسقاط الجمهورية.
## جدل الهجرة ورد ماكرون
امتد الجدل إلى خارج فرنسا. ففي 21 أكتوبر 2026، نقلت صحيفة واشنطن بوست عن ماكرون وصفه محاولات ربط أعمال الشغب بالهجرة بأنها «غبية»، ردًا على تصريحات لقادة أجانب استخدموا الأحداث في خطابهم الداخلي. وأكد الرئيس الفرنسي أن تفسير العنف بعامل الهجرة لا يستند إلى وقائع التحقيقات، وأن المسؤولية، وفق رواية السلطة، تقع على مجموعات سياسية متطرفة لا على جاليات بعينها.
وهذا الرد يكشف حساسية الموضوع داخل فرنسا وخارجها. فاليمين الفرنسي وبعض القادة الأوروبيين يميلون إلى ربط أي اضطراب بقضايا الهجرة والاندماج، بينما ترى السلطة التنفيذية أن هذا الربط يشوه التحقيق ويخدم النقاش العام. وفي الوقت نفسه، نقلت هيئة الإذاعة البريطانية عن مسؤولين أمنيين لم تسمهم أن بعض الجهات الفاعلة على الإنترنت حاولت استثمار الاضطرابات لنشر رسائل مضللة، من دون أن تقدم السلطات دليلًا علنيًا يثبت توجيهًا خارجيًا مباشرًا للعنف.
ويظهر هذا التباين في الروايات مدى تعقد المشهد. فالسلطة تركز على مجموعات محلية من اليسار المتطرف، بينما يبحث خصومها الداخليون والخارجيون عن تفسيرات أخرى، تتراوح بين الهجرة والتدخل الخارجي والأزمة الاجتماعية. وفي غياب نتائج قضائية نهائية، يبقى الخطاب الرسمي اتهامًا سياسيًا لا حكمًا قضائيًا، وهو ما يفرض على التغطية التمييز بين الادعاء والإثبات.
## ماذا يعني الاتهام بالتخطيط لإسقاط الجمهورية؟
تحمل عبارة «إسقاط الجمهورية» وزنًا قانونيًا وسياسيًا ثقيلًا في النظام الفرنسي. فهي لا تصف فقط أعمال شغب ونهب، بل تنسب إلى فاعليها قصدًا سياسيًا يهدد النظام الدستوري. وهذا ما يفسر تشديد ماكرون على أن المسؤولين سيتحملون العواقب كاملة، ودعوته الأحزاب والنقابات إلى الانضمام إلى إدانة واضحة للعنف.
غير أن العبارة تفتح أيضًا باب الخلاف حول معايير الإثبات. فالمعارضة تخشى أن يؤدي توسيع مفهوم التهديد إلى تقييد الحق في التظاهر، بينما ترى السلطة أن التمييز بين المطلب السلمي والعنف المنظم ضروري لحماية المؤسسات. وسيبقى هذا التوتر حاضرًا في الأسابيع المقبلة، خاصة إذا تواصلت الدعوات إلى النزول إلى الشارع في وقت ترفع فيه جاهزية الأجهزة الأمنية.
ومن الناحية العملية، يعني الاتهام أن النيابة ستبحث لا في جرائم التخريب والسرقة والاعتداء فقط، بل في إمكانية وجود تنسيق مسبق بين مجموعات معينة. وهذا مسار تحقيقي مختلف عن ملاحقة المشاركين الفرديين في أعمال النهب، وهو ما يجعل نتائج التحقيقات حاسمة في تأكيد رواية السلطة أو تقييدها.
## اختبار الشارع والمؤسسات
تبقى فرنسا، وفق المصادر، أمام اختبار مزدوج: احتواء العنف من دون إغلاق باب الاحتجاج السلمي، ومعالجة أسباب الغضب المرتبطة بالأسعار والمدارس والخدمات العامة. وإذا نجحت الإجراءات الأمنية في منع تكرار الشغب، فإنها لن تنهي بمفردها الجدل حول من يتحمل مسؤولية ما جرى، ولا الجدل حول قدرة الحكومة على الاستجابة لمطالب تراها قطاعات واسعة مشروعة.
وفي المدى القريب، ستكون نتائج التحقيقات والملاحقات القضائية هي المحك الذي يؤكد رواية السلطة أو يقيدها. فالاعتقالات الواسعة لا تعادل إدانات، والتمييز بين المتظاهر والمشاغب سيحتاج إلى أدلة تُعرض أمام القضاء لا أمام الرأي العام فقط. كما ستكون قدرة الحكومة على منع تحول الاحتجاجات المقبلة إلى مواجهات جديدة معيارًا لمدى فاعلية الخطة الأمنية التي أعلنها ليكورنو.
وحتى يتضح هذا المسار، يبقى خطاب ماكرون العلامة الأبرز على انتقال الأزمة من خانة المطالب المعيشية إلى خانة سلامة المؤسسات. فالرئيس الفرنسي لم يكتف بإدانة العنف، بل وضعه داخل سردية تهديد للجمهورية، وهو خيار سيحدد شكل المواجهة السياسية والأمنية في الأيام المقبلة، وسيؤثر في موقع الحكومة والمعارضة معًا كلما اقترب الاستحقاق الانتخابي.