ماكرون يتهم مجموعات من أقصى اليسار بالشغب ويتعهد بمحاسبة من سعوا لإسقاط الجمهورية
✍️ فريق تحرير نفود
شارك:
✍️ فريق تحرير نفود
اتهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مجموعات من أقصى اليسار بالوقوف وراء أعمال الشغب والعنف التي رافقت احتجاجات واسعة النطاق في فرنسا، وتعهد بمحاسبة من سعوا، بحسب وصفه، إلى إسقاط الجمهورية. وجاء الموقف في خطاب متلفز وجهه ماكرون إلى الفرنسيين مساء الأحد 18 أكتوبر 2026، غداة ليلة شهدت مدنًا فرنسية عدة أعمال نهب وتخريب ومواجهات مع قوات الأمن، بعد تظاهرات شارك فيها مئات الآلاف.
ووصف ماكرون أحداث السبت 17 أكتوبر بأنها عنف منفلت وغير مكبوح، وألقى مسؤولية الشغب على ما سماه عناصر تحريضية وتمردية من تيارات أقصى اليسار، انضم إليها عدد كبير من الخارجين عن القانون. وأكد أن من دمروا يجب أن يدفعوا، ومن نهبوا يجب أن يعوّضوا، ومن حاولوا إسقاط الجمهورية سيحاسبون. ودعا الأحزاب والنقابات إلى إدانة العنف بعبارات واضحة وحاسمة، في وقت حرص فيه على التمييز بين مرتكبي العنف والمتظاهرين السلميين الذين خرجوا بالمئات الآلاف.
## مشهد السبت وحصيلة التواجهات
انطلقت الاحتجاجات في سياق احتجاج اجتماعي وسياسي متراكم، قبل أن تتحول مسيرات منها إلى مواجهات مع الشرطة. ووفقما نقلته وكالات أنباء وتقارير متعددة، شارك نحو 550 ألف شخص في التظاهرات، فيما أوقف نحو 1800 شخص على خلفية أعمال الشغب والنهب والتخريب. وشملت الأعمال إضرام النيران في سيارات، وتحطيم محال تجارية، ومواجهات مع قوات مكافحة الشغب في باريس ومرسيليا وليون ومدن أخرى.
ووصفت تقارير صحفية ما جرى بأنه من أسوأ موجات الاضطراب التي شهدتها فرنسا في السنوات الأخيرة. ولم يعلن ماكرون حالة طوارئ ولم يفرض حظر تجول عامًا في خطابه الأول، لكنه توعد برفع مستوى الأمن وبملاحقة المتورطين. وفي الأيام التالية، دعا رئيس الوزراء سباستيان لوكورنو إلى فرض حظر تجول جزئي في المدن التي طالها العنف، فيما منعت الشرطة تجمعات في أحياء من باريس مع استعداد السلطات لموجة جديدة من التحركات.
ونقلت وكالات أنباء أن لوكورنو نسب أعمال عطلة نهاية الأسبوع إلى مجموعات من أقصى اليسار ومحاولات تمرد، متوعدًا بنشر إضافي لقوات الأمن. كما رفض ماكرون استقالة وزير الداخلية بعد أن كشفت أعمال الشغب والنهب ثغرات في أداء الجهاز الأمني، في إشارة إلى رغبة الرئاسة في الاحتفاظ بالخط الحكومي من دون تغيير وزاري فوري في ملف الأمن.
## التمييز بين الاحتجاج والشغب
حرص ماكرون في خطابه على رسم خط فاصل بين من خرجوا للتعبير عن مطالب اجتماعية وبين من وصفهم بأنهم استغلوا التظاهرات لممارسة العنف. وقال إن مئات الآلاف من الفرنسيين نزلوا إلى الشوارع بطريقة سلمية، فيما حولت مجموعات أخرى المسيرات إلى أعمال تخريب ونهب. وأشار إلى أن الغضب والعار يجب أن يكونا شعورًا مشتركًا أمام صور العنف في مدن فرنسية، من دون أن يلغي هذا الوصف حق التظاهر السلمي.
ويندرج هذا التمييز ضمن خطاب سياسي مألوف في الأزمات الفرنسية السابقة، حيث تحرص السلطة على القول إن العنف لا يمثل المطلب الاجتماعي، في مواجهة اتهامات المعارضة بأن الرد الأمني يساوي بين المتظاهرين جميعًا. ولم يُنهِ الخطاب الخلاف السياسي، إذ اتهمت قوى من اليسار الحكومة بعدم الكفاءة وبمحاولة تحميل المعارضة مسؤولية أزمة تراكمت أسبابها على مدى سنوات.
## الخلفية السياسية للاحتجاج
تأتي الأحداث في وقت تعيش فيه فرنسا انقسامًا سياسيًا حادًا قبل استحقاق انتخابي. ونقلت هيئة الإذاعة البريطانية أن البلاد منقسمة حول من يتحمل مسؤولية الشغب وما يجب استخلاصه منه، في وقت يسأل مراقبون عما إذا كانت الاضطرابات نذيرًا بحملة انتخابية أكثر حدة. ورأت صحيفة نيويورك تايمز أن المشهد لا يقتصر على فرنسا، بل يندرج في ضعف أوسع للوسط السياسي في أوروبا أمام صعود اليمين واليسار الراديكالي.
وعادت حركة السترات الصفراء إلى الشارع في سياق الأزمة، فيما حمّل معارضون، ومن بينهم جوردان بارديلا، السلطة مسؤولية التوتر. وأعد اليسار تحركًا كبيرًا في باريس يوم السبت التالي، في وقت أكد ماكرون أن العنف لن يتكرر. ويعكس هذا التقاطع خصوصية المرحلة: احتجاج اجتماعي ممتد من جهة، ومنافسة انتخابية مفتوحة من جهة أخرى، وجهاز أمني يحاول السيطرة على شوارع لم تعد تحتمل فقط مطالب معيشية بل صراعًا على شرعية الرد الحكومي.
## الرد الأمني وحدود التدخل
توعد ماكرون بزيادة الإجراءات الأمنية من دون اللجوء فورًا إلى حالة الطوارئ. ويعني هذا الخيار أن السلطة تفضل التدخل المحلي والمرن على التدابير الاستثنائية الشاملة، وهو موقف يحمل دلالة مزدوجة. فمن جهة، يريد القصر الرئاسي أن يظهر بمظهر الحزم أمام العنف من دون أن يُتهم بتعليق الحياة العامة. ومن جهة أخرى، يترك الباب مفتوحًا أمام إجراءات أشد إذا تكررت المواجهات، وهو ما بدأ يترجم في دعوات لوكورنو إلى حظر تجول جزئي وفي قرارات الشرطة بمنع تجمعات في أحياء حساسة من العاصمة.
وأشارت تقارير إلى إصابات في صفوف الشرطة والمتظاهرين، من دون أن تتوافر في المراجع الأولى حصيلة نهائية موحدة لعدد الجرحى. وأكدت وكالات أنباء أن السلطات تعد بتحميل المتورطين في التخريب كلفة الأضرار، وهو ما ينسجم مع عبارة ماكرون التي ربطت بين المحاسبة الجنائية والتعويض المالي. ويظل هذا المسار قانونيًا في جوهره، لكن تنفيذه يتطلب تحديد المسؤولين فردًا فردًا وسط حشود كبيرة، وهو أمر لا يخلو من صعوبة إثباتية في مشاهد ليلية متسارعة.
## البعد الخارجي والجدل حول التدخل
لم يقتصر الجدل على الداخل الفرنسي. ففي الأيام التالية للخطاب، اتهم ماكرون قادة أجانب باستغلال الاضطرابات الفرنسية، في ما وصفته هيئة الإذاعة البريطانية بأنه رد على تعليقات رآها محاولة للاستفادة السياسية من الفوضى. ونقلت هيئة الإذاعة البريطانية أيضًا أن تقريرًا أشار إلى مسؤولين أمنيين لم تُسمَّ أسماؤهم، قالوا إن أطرافًا مؤيدة لروسيا وأطرافًا من اليمين المتطرف سعت إلى تغذية الفوضى في دول أوروبية، من دون أن يكون هذا التقدير بديلًا عن الرواية الرسمية التي تركز على مجموعات أقصى اليسار.
ويُظهر هذا التباين أن السلطة الفرنسية تحاول إدارة رسالتين في آن واحد: رسالة داخلية تحمّل العنف لمجموعات محددة من أقصى اليسار ومن الخارجين عن القانون، ورسالة خارجية ترفض أن تتحول الأزمة الفرنسية إلى مادة للتعليق الأجنبي. ولم تُسمِّ المراجع المعتمدة قادة بأعيانهم في كل التقارير، لكن سياق التصريحات اللاحقة يشير إلى حساسية باريس تجاه أي قراءة خارجية تُقدّم بوصفها تضعيفًا لقدرة الدولة على ضبط الشارع.
## ماذا يعني اتهام إسقاط الجمهورية
تحمل عبارة إسقاط الجمهورية وزنًا دستوريًا وسياسيًا ثقيلًا في اللغة الفرنسية. فهي لا تصف فقط أعمال تخريب، بل تضع العنف في خانة التمرد على النظام الجمهوري نفسه. وهذا ما يفسر إصرار ماكرون على العبارة في خطاب موجه إلى الأمة، لأنها تنقل النقاش من خانة الشغب الجنائي إلى خانة التهديد الوجودي للدولة. وفي الوقت نفسه، يفتح هذا الوصف الباب أمام انتقاد معارض يرى أن السلطة تضخم خطر مجموعات منظمة لتبرير فشلها في احتواء غضب اجتماعي أوسع.
ولم تُقدّم الرئاسة، في المراجع المعتمدة، أدلة علنية مفصلة عن خطة مركزية لإسقاط النظام، بل بنت اتهامها على طبيعة الأعمال وعلى ما وصفته بانضمام خارجين عن القانون إلى عناصر من أقصى اليسار. ويبقى على القضاء والتحقيقات أن تحدد ما إذا كانت هذه الأفعال تشكل جرائم منفردة أم مشروعًا منسقًا. وحتى تكتمل تلك التحقيقات، يظل الاتهام سياسيًا في جوهره، وهو ما يفسر حدة الردود عليه من اليسار الذي يرى فيه محاولة لتجريم الاحتجاج برمته.
## انقسام حول المسؤولية
أظهرت التغطية الصحفية اللاحقة أن فرنسا منقسمة لا فقط حول أسباب الغضب، بل حول من يحق له أن يسمي المسؤول. فالحكومة ترى في الشغب عملًا منظمًا لمجموعات من أقصى اليسار انضم إليها خارجون عن القانون. والمعارضة، ولا سيما في اليسار، ترى في العنف نتيجة لسياسات اقتصادية واجتماعية ولضعف الثقة بالمؤسسات. أما اليمين المتطرف فيستثمر المشهد للقول إن الوسط الحاكم فقد السيطرة على الشارع وعلى الجدول السياسي معًا.
وهذا الانقسام ليس تفصيلًا عابرًا. فهو يحدد طبيعة الرد المقبل: هل تكتفي الدولة بالملاحقة الجنائية وتعزيز الشرطة، أم تُجبر على فتح قناة سياسية مع النقابات والأحزاب قبل الاستحقاق الانتخابي؟ ودعوة ماكرون الأحزاب والنقابات إلى إدانة العنف تبدو محاولة لبناء جبهة واسعة ضد الشغب، لكنها تصطدم برفض جزء من المعارضة أن يُستخدم شرطًا لتبرئة سياسات يراها مسؤولة عن الغضب أصلًا.
## المشهد المقبل
يبقى الاختبار الأقرب هو قدرة السلطات على منع تكرار ليلة السبت، من دون أن تتحول إجراءات الأمن إلى مصدر جديد للتوتر. فالتحرك الذي أعلنه اليسار في باريس، ودعوات حظر التجول الجزئي، والتحقيقات في واقعة نحو 1800 موقوف، سترسم معًا حدود المرحلة المقبلة. وإذا نجحت السلطة في فرض الهدوء من دون توسيع نطاق المنع، فإن رسالة ماكرون عن الحزم من دون حالة الطوارئ ستكتسب مصداقية عملية. أما إذا تكررت المواجهات، فسيعود السؤال عن كفاية الأدوات الأمنية وعن قدرة الوسط السياسي على إدارة أزمة تتسع بسرعة.
وفي الحالتين، لا يبدو أن الخطاب وحده كافٍ لإغلاق الملف. فالرئيس الفرنسي وضع العنف في خانة التمرد على الجمهورية، وتوعد بالمحاسبة والتعويض، وحاول أن يفصل بين المتظاهر السلمي ومثير الشغب. لكن الشارع الفرنسي، كما أظهرت ليلة السبت، لم يعد ينتظر الخطاب ليحدد إيقاع المرحلة. والسؤال الذي سيواجه الأسابيع المقبلة هو ما إذا كانت الدولة قادرة على ترجمة هذا الخطاب إلى هدوء مستدام، أم أن الانقسام حول المسؤولية سيبقى هو العنوان الأبرز لما تبقى من العام السياسي في فرنسا.