مجلس وزراء خارجية التعاون الإسلامي يقرر إنشاء مجلس وزاري للأمن السيبراني ويختار الرياض مقراً له | سياسة | شبكة نفود الإخبارية
عاجل
سياسة
مجلس وزراء خارجية التعاون الإسلامي يقرر إنشاء مجلس وزاري للأمن السيبراني ويختار الرياض مقراً له
✍️ ريهام العبدلي
شارك:
✍️ ريهام العبدلي
قرر مجلس وزراء خارجية دول منظمة التعاون الإسلامي إنشاء مجلس وزاري جديد تحت مسمى «مجلس وزراء الأمن السيبراني لدول منظمة التعاون الإسلامي»، واختار العاصمة السعودية الرياض مقراً له. ويعدّ القرار خطوة تنظيمية واسعة النطاق لنقل ملف الأمن السيبراني من التنسيق الفني المتفرق إلى إطار وزاري جماعي يضم دول المنظمة، ويضع الرياض في موقع محوري داخل هذا الترتيب المؤسسي الناشئ.
ويأتي القرار في وقت تتسارع فيه خطورة التهديدات الرقمية العابرة للحدود، من هجمات الفدية والابتزاز إلى استهداف البنى التحتية الحيوية والقطاعات المالية والخدمية والطاقة. ولم يعد الأمن السيبراني ملفاً فنياً يُدار داخل الحدود الوطنية فحسب، بل أصبح جزءاً من الأمن القومي والاستقرار الاقتصادي والتنمية الرقمية. ومن هذا المنطلق، يكتسب قرار مجلس وزراء الخارجية أهميته السياسية؛ فهو ينقل الملف إلى مستوى التنسيق الحكومي الجماعي بين دول المنظمة، ويفتح الباب أمام صياغة مواقف مشتركة وتبادل الخبرات وبناء قدرات جماعية لا تستطيع الدولة الواحدة، مهما بلغت إمكاناتها، أن تنجزها بمفردها.
## مضمون القرار ودلالته المؤسسية
ينص القرار على أمرين متلازمين: الأول إنشاء مجلس وزاري مختص بالأمن السيبراني لدول المنظمة، والثاني اختيار الرياض مقراً لهذا المجلس. ويعني الاسم المعتمد أن الكيان الجديد سيعمل في المقام الأول بوصفه إطاراً وزارياً، لا مجرد لجنة فنية أو فريق خبراء. وهذا التمييز مهم؛ فالمجالس الوزارية في المنظمات الحكومية الدولية هي الأدوات التي تضع التوجهات وتنسّق المواقف وتتابع تنفيذ القرارات، بينما تبقى اللجان الفنية أقرب إلى العمل التشغيلي والتبادل المعلوماتي.
واختيار الرياض مقراً ليس تفصيلاً إدارياً ثانوياً. فالمقر يحدد مركز ثقل العمل المؤسسي، ويسهّل عقد الاجتماعات والتنسيق مع الجهات الوطنية المضيفة، ويعطي الدولة المستضيفة دوراً محورياً في تشغيل المجلس وربطه بالبيئة التنظيمية والفنية المحلية. وقد راكمت المملكة، خلال السنوات الأخيرة، بنية تنظيمية ومؤسسية في هذا المجال، جعلت من استضافة مقر إقليمي أو دولي امتداداً طبيعياً لمسار بدأ من التشريع الوطني وانتهى باستضافة منصات حوار دولية.
ولا يعني إنشاء المجلس، في حد ذاته، أن كل دولة عضو ستتبنى نفس القدرات أو تتبنى التشريعات نفسها. فالتفاوت بين الدول الأعضاء كبير في حجم الاقتصاد الرقمي وفي نضج الأطر القانونية وفي توفر الكوادر. لكن قيمة المجلس تكمن في توفير منصة تسمح للدول الأكثر تقدماً بمشاركة التجربة، وللدول الأقل قدرة بالاستفادة من أطر مشتركة وبرامج بناء قدرات، بدلاً من البدء من الصفر في كل مرة.
## منظمة التعاون الإسلامي وموقع المجلس الجديد
تُعدّ منظمة التعاون الإسلامي ثاني أكبر منظمة حكومية دولية بعد الأمم المتحدة، وتضم عشرات الدول الأعضاء الموزعة على أكثر من قارة. وتعمل المنظمة، عبر مجلس وزراء الخارجية ومؤتمر القمة الإسلامي والأمانة العامة، على تنسيق المواقف السياسية والاقتصادية والثقافية والإنسانية بين أعضائها. وإضافة مجلس وزاري مختص بالأمن السيبراني توسّع هذه المنظومة لتشمل مجالاً أصبح من صميم السياسة الخارجية والأمن الجماعي، لا ملفاً تقنياً معزولاً عن قرارات الدول.
وليس هذا المسار منفصلاً عن تجارب إقليمية سابقة. ففي الإطار العربي، أُنشئ مجلس وزاري تحت مسمى «وزراء الأمن السيبراني العرب» في جامعة الدول العربية عام 2023، بناءً على مقترح من المملكة العربية السعودية، بهدف تنمية التعاون وتنسيق الجهود بين الدول العربية في هذا المجال. وعقد المؤتمر التأسيسي للمجلس في الرياض في ديسمبر 2024، وشاركت فيه دول عربية عديدة، من بينها المغرب والعراق واليمن وسلطنة عُمان. ووصف مسؤولون مشاركون الخطوة بأنها محورية لتعزيز التعاون في مواجهة التحديات السيبرانية المتزايدة.
واستمر هذا المسار. ففي يونيو 2026، أكدت وكالة الأنباء السعودية أن المملكة تستضيف عدداً من المقار والكيانات الإقليمية والدولية ذات الصلة بالأمن السيبراني، ومن أبرزها مجلس وزراء الأمن السيبراني العرب. وفي سبتمبر 2026، شاركت الجمهورية اليمنية في اجتماع للمجلس عُقد في مقر الأمانة العامة لجامعة الدول العربية. وتُظهر هذه الوقائع أن النموذج الوزاري الإقليمي للأمن السيبراني ليس تجربة نظرية، بل ممارسة قائمة توسعت تدريجياً من الإطار العربي إلى إطار أوسع يضم دول منظمة التعاون الإسلامي.
## لماذا الرياض؟
يستند اختيار الرياض إلى سجل تنظيمي ومؤسسي متراكم. ففي عام 2017 صدر نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية، ثم أُنشئت الهيئة الوطنية للأمن السيبراني عام 2018 وارتبطت مباشرة بالملك. وتتولى الهيئة الشؤون المتعلقة بالأمن السيبراني في المملكة، وتضع السياسات والمعايير والضوابط، وتبني القدرات الوطنية، وتشرف على المركز الوطني للإرشاد السيبراني. وفي عام 2020 أصدرت الهيئة الضوابط الأساسية للأمن السيبراني، وهي إطار حد أدنى من متطلبات الأمن السيبراني للجهات الوطنية، ويشمل حوكمة الأمن السيبراني وتعزيز الأمن السيبراني وصمود الأمن السيبراني والأمن السيبراني المرتبط بالأطراف الخارجية والحوسبة السحابية والأنظمة الصناعية.
ولم تقتصر التجربة السعودية على التنظيم الداخلي. ففي نوفمبر 2020 أُطلقت من الرياض منظمة التعاون الرقمي، وهي منظمة حكومية دولية تهدف إلى تمكين الازدهار الرقمي للجميع من خلال تسريع نمو الاقتصاد الرقمي الشامل. وتستضيف المملكة كذلك المنتدى الدولي للأمن السيبراني، الذي أصبح منصة سنوية للحوار بين الحكومات والقطاع الخاص والخبراء حول سياسات الأمن الرقمي وحوكمته. وفي يونيو 2026، اختار معهد الأمم المتحدة للتدريب والبحث الرياض مقراً لأول مكتب له في العالم مختص بالأمن السيبراني، في مؤشر إضافي على أن العاصمة السعودية أصبحت نقطة التقاء لمبادرات دولية في هذا الملف.
وينسجم هذا السجل مع توجهات رؤية المملكة 2030، التي تعد التحول الرقمي وحماية البنى التحتية الرقمية من شروط تنويع الاقتصاد وجذب الاستثمار. فالخدمات الحكومية الرقمية والمدفوعات الإلكترونية والمدن الذكية والذكاء الاصطناعي لا تستقيم بدون ثقة المستخدم وبدون قدرة على ردع الهجمات واستعادة الخدمات. ومن هنا، فإن استضافة مجلس وزاري لدول المنظمة في الرياض تعزز موقع المملكة بوصفها مركزاً إقليمياً للحوكمة الرقمية، لا مجرد مستهلك للتقنية.
## ما الذي يمكن أن يقدمه المجلس؟
لا يحدد نص القرار المعلن الصلاحيات التفصيلية للمجلس الجديد، ولا يحدد موعد أول اجتماع له ولا آلية اتخاذ القرار. وهذه التفاصيل ستتضح من النظام الأساسي المقبل للمجلس ومن قرارات الدورة الأولى. غير أن تجارب المجالس الوزارية المماثلة، وفي مقدمتها مجلس وزراء الأمن السيبراني العرب، ترسم نطاقاً محتملاً للعمل يمكن البناء عليه من دون افتراض نتائج لم تُعلن.
في المقام الأول، يمكن للمجلس أن يكون منصة لتبادل المعلومات عن التهديدات والحوادث. فالهجمات السيبرانية لا تتوقف عند الحدود، والمؤشرات التي ترصدها دولة ما قد تكون بالغة الأهمية لدولة أخرى إذا وصلت في الوقت المناسب. وفي المقام الثاني، يمكن للمجلس أن ينسق المواقف في المحافل الدولية، من مفاوضات الأمم المتحدة بشأن الجريمة السيبرانية إلى النقاشات حول حوكمة الذكاء الاصطناعي وحماية البنى التحتية الحيوية. وفي المقام الثالث، يمكن أن يدعم بناء القدرات، عبر التدريب المشترك والتمارين وتبادل الخبراء، وهو مجال سبقت فيه تجارب عربية وإسلامية، منها تمارين الأمن السيبراني التي شاركت فيها دول المنظمة.
وفي المقام الرابع، يمكن للمجلس أن يساهم في تقارب الأطر التنظيمية، من دون فرض نموذج واحد على الجميع. فالتقارب لا يعني التطابق، بل يعني تقليل الفجوات التي تستغلها الجماعات الإجرامية عندما تنتقل بين أنظمة قانونية متباينة. وفي المقام الخامس، يمكن أن يربط الأمن السيبراني بالتنمية الرقمية، بحيث لا يكون الحماية عائقاً أمام الشمول الرقمي، بل شرطاً له. فالدول التي تبني اقتصادات رقمية من دون حماية البيانات والبنى التحتية تعرّض مواطنيها ومؤسساتها لمخاطر قد تكلف أكثر مما تحققه من مكاسب.
## التحديات التي تنتظر التنفيذ
القرار السياسي بإنشاء مجلس لا يكفي لإنتاج تعاون فعال. فالتجربة الدولية تظهر أن كثيراً من الهياكل الوزارية تبقى بطيئة الحركة إذا لم تُرفق بأمانات فنية وبتمويل مستدام وبآليات واضحة للمتابعة. وأول هذه التحديات هو تباين القدرات. فبعض دول المنظمة تمتلك هيئات وطنية للأمن السيبراني ومراكز استجابة للحوادث وتشريعات ناضجة، فيما ما زالت دول أخرى في مرحلة بناء المؤسسات. وإذا لم يراعِ هذا التفاوت، فقد يتحول المجلس إلى منتدى للدول الأكثر جاهزية فقط، بدلاً من أن يكون أداة لرفع مستوى الجميع.
والتحدي الثاني هو الثقة وتبادل المعلومات. فالمعلومات عن الحوادث السيبرانية قد تكون حساسة أمنياً واقتصادياً، والدول لا تتبادلها إلا ضمن قواعد واضحة للسرية والاستخدام. وبناء هذه الثقة يحتاج وقتاً وإلى نجاحات صغيرة متكررة، لا إلى إعلان واحد. والتحدي الثالث هو سرعة التهديد مقابل سرعة المؤسسات. فالهجمات تتطور خلال أسابيع، بينما قد تحتاج القرارات الوزارية إلى أشهر. ولذلك فإن فاعلية المجلس ستتوقف على قدرته على إنشاء مسارات عمل دائمة بين الاجتماعات، لا على عقد دورة سنوية فقط.
والتحدي الرابع هو التمويل والاستدامة. فالمقار الدولية تحتاج ميزانيات وفرقاً وبرامج، والاعتماد على الدولة المستضيفة وحدها لا يكفي لبناء مؤسسة جماعية. والتحدي الخامس هو الربط بين المجلس الجديد والهياكل القائمة، وفي مقدمتها مجلس وزراء الأمن السيبراني العرب ومنظمة التعاون الرقمي والهيئات الوطنية في الدول الأعضاء. فتعدد المجالس من دون تنسيق قد ينتج توصيات متضاربة ويهدر جهود الدول الصغيرة.
## الأمن السيبراني بوصفه ملفاً سياسياً
يعكس قرار مجلس وزراء الخارجية تحولاً أوسع في كيفية نظر الدول إلى الأمن السيبراني. فقبل عقد، كان الملف يُعالَج غالباً بوصفه مسألة تقنية تخص وزارات الاتصالات والداخلية. أما اليوم، فهو ملف يُناقش في مجالس وزراء الخارجية، لأن آثاره تمس السيادة والاقتصاد والعلاقات الدولية. فهجوم سيبراني على مرفأ مينائي أو شبكة كهرباء أو نظام مدفوعات وطني ليس حادثة تقنية، بل حادثة قد تُعطّل حياة الناس وتهز الثقة في الدولة.
وكذلك فإن انتشار الذكاء الاصطناعي يغير طبيعة التهديد. فالأدوات الآلية تخفض كلفة شن الهجمات، وتسهّل انتاج محتوى مضلل، وتعقّد مهمة الدفاع لأن المدافع يحتاج إلى الأدوات نفسها لكشف الأنماط والرد. وهذا يعني أن التعاون بين الدول لم يعد كمالياً، بل ضرورة عملية. فالدولة التي لا تستثمر في الكوادر والمعايير قد تجد نفسها متأخرة لا لأنها أفقر فقط، بل لأن سرعة التغير أصبحت أعلى من قدرة كثير من الأنظمة التعليمية والإدارية على اللحاق.
وفي هذا السياق، يكتسب قرار اختيار الرياض معنى إضافياً. فالمملكة لا تقدم نفسها فقط بوصفها دولة مضيفة، بل بوصفها دولة بنت مؤسسات وطنية وأطراً تنظيمية ومنصات حوار دولية، ويمكن أن تضع هذه الخبرة في خدمة تنسيق أوسع. ولا يعني ذلك أن النموذج السعودي سيُنسخ كما هو. فكل دولة عضو لها سيادتها التنظيمية وأولوياتها الأمنية. لكن وجود مقر في دولة تمتلك تجربة تشغيلية يخفض كلفة البدء، ويوفر بيئة يمكن للمجلس أن يبني عليها برامجه الأولى.
## ما الذي ينتظره المتابعون
سيتركز الاهتمام، في المرحلة المقبلة، على ترجمة القرار إلى آليات عمل. ومن بين ما سيُراقب: إعداد النظام الأساسي للمجلس، وتحديد العضوية وآلية اتخاذ القرار، وتشكيل الأمانة الفنية، وموعد الدورة الأولى ومكان انعقادها، وعلاقة المجلس بالأمانة العامة للمنظمة وبالهيئات الوطنية في الدول الأعضاء. وسيكون من المهم أيضاً معرفة ما إذا كان المجلس سيكتفي في مرحلته الأولى بالتنسيق السياسي، أم سينتقل بسرعة إلى برامج تدريب وتمارين وتبادل معلومات.
وكما سيكون من المفيد متابعة كيفية توزيع الأدوار بين الرياض بوصفها مقراً وبين بقية العواصم العضو. فالمقر لا يعني احتكار القرار، ونجاح المجلس سيتوقف على شعور الدول الأعضاء بأن المنصة ملك جماعي لا منصة لدولة واحدة. وهذا يتطلب توزيعاً متوازناً للرئاسة الدورية وللجان الفنية، ومراعاة للتنوع الجغرافي داخل المنظمة، من آسيا وأفريقيا إلى العالم العربي وأوروبا.
وفي المحصلة، فإن قرار مجلس وزراء خارجية دول منظمة التعاون الإسلامي بإنشاء مجلس وزراء الأمن السيبراني واختيار الرياض مقراً له يضع حجر الأساس لتنسيق حكومي أوسع في ملف لم يعد يحتمل التأجيل. وقيمته الحقيقية لن تُقاس بنص الإعلان، بل بقدرة الدول الأعضاء على تحويل المجلس إلى أداة تحمي البنى التحتية، وترفع جاهزية الدول الأقل قدرة، وتُنتج مواقف مشتركة يمكن الدفاع عنها في المحافل الدولية. والرياض، بما راكمته من تجربة تنظيمية ومؤسسية، تملك فرصة لتسهيل هذه الانطلاقة، على أن يبقى نجاح المسار رهناً بالتزام جماعي لا بقرار دولة واحدة.