مشاهد متداولة توثق تجنيد الحوثيين أطفالًا يمنيين وأسر عدد منهم في باب المندب | سياسة | شبكة نفود الإخبارية
عاجل
سياسة
مشاهد متداولة توثق تجنيد الحوثيين أطفالًا يمنيين وأسر عدد منهم في باب المندب
✍️ فريق تحرير نفود
شارك:
✍️ فريق تحرير نفود
أظهرت مواد مصورة متداولة جانبًا من عمليات تجنيد تنفذها ميليشيا الحوثي لأطفال يمنيين، عبر نقلهم من قراهم وإخضاعهم لتعبئة فكرية قبل إرسالهم إلى جبهات القتال. وأفادت المواد أن عددًا من هؤلاء القاصرين أُسروا مؤخرًا في منطقة باب المندب، في مؤشر جديد على استمرار نمط موثق دوليًا يضع الأطفال في مواجهات مسلحة لا علاقة لها بحقهم في الحماية والتعليم.
ولا تقدم المواد المتداولة، في حدّ ما هو متاح من معلومات مصحوبة بها، رقمًا نهائيًا لعدد من أُسروا، ولا تحدد أعمارهم بالتفصيل. غير أن السياق الأوسع الذي ترصده منظمات حقوقية وتقارير رسمية يجعل هذه المشاهد جزءًا من مسار متكرر، لا حادثة معزولة، يبدأ باستقطاب القاصر من بيئته الاجتماعية وينتهي بدفعه إلى خط النار.
## ما تظهره المشاهد المتداولة
تبيّن المواد المصورة أن العملية لا تقتصر على وجود قاصرين في محيط عسكري، بل تشمل سلسلة من الإجراءات: النقل من القرى، ثم التعبئة الفكرية، ثم الإرسال إلى جبهات القتال. وهذا التسلسل يطابق ما وثقته منصات إعلامية عربية في مواد حديثة عن تجنيد الأطفال وإرسالهم إلى مناطق المواجهة، ومن بينها تقارير مصورة لقناة الحدث والقاهرة الإخبارية رصدت استمرار هذا النمط والإدانات الحقوقية المرافقة له.
ويكتسب ظهور قاصرين في عداد الأسرى دلالة مضاعفة. فهو يؤكد، من جهة، أن هؤلاء الأطفال لم يكونوا في مؤخرة الخطوط الخلفية فحسب، بل وصلوا إلى مناطق اشتباك مباشر. وهو، من جهة أخرى، يفتح باب المسؤولية القانونية والأخلاقية عمن جنّدهم وزجّ بهم في قتال لا يملكون أهلية القرار فيه. ويبقى الأسير القاصر، في هذا الإطار، ضحية قبل أن يكون طرفًا في نزاع، وهو ما تشدد عليه القواعد الدولية الخاصة بحماية الأطفال في النزاعات المسلحة.
## مسار التجنيد من القرية إلى الجبهة
### النقل من القرى
يشير وصف العمليات المتداول إلى أن الخطوة الأولى تتم بانتزاع الطفل من قريته، أي من البيئة التي يُفترض أن توفر له المدرسة والأسرة والرقابة الاجتماعية. وهذا الانتزاع ليس تفصيلًا عارضًا؛ فهو يغيّر موقع الطفل من فضاء يمكن للأسرة والمجتمع المحلي رؤيته فيه، إلى فضاء مغلق تصعب فيه المساءلة. وكلما ابتعد القاصر عن قريته، انخفضت قدرة ذويه على معرفة مصيره، وارتفعت كلفة استرداده قبل أن يصل إلى خط التماس.
وتشير تقارير صحفية سابقة، من بينها ما نشرته صحيفة الشرق الأوسط، إلى أن حملات الاستقطاب استغلت حالة الفقر الشديد التي أنتجتها الحرب لدفع صغار السن نحو جبهات القتال. وفي بيئة تنهار فيها فرص العمل والتعليم، يصبح الوعد بمبلغ مالي أو بمكانة اجتماعية أداة ضغط على الأسرة قبل الطفل. ولا يلغي هذا الوصف صفة التطوع عن الفعل؛ فالقانون الدولي ينظر إلى رضا القاصر بوصفه معيوبًا كلما توفرت عناصر الإكراه أو الاستغلال أو غياب الأهلية.
### التعبئة الفكرية
الخطوة الثانية التي تظهرها المواد هي التعبئة الفكرية. وهذا الوصف يتقاطع مع ما وثقه تقرير وزارة العمل الأميركية بشأن عمالة الأطفال في اليمن، إذ أشار إلى أن الحوثيين أخضعوا أطفالًا لتدريب عسكري وتأطير فكري ضمن ما يُعرف بـ«المخيمات الصيفية»، على نحو زاد من قابليتهم للتجنيد بوصفهم جنودًا أطفالًا.
والتعبئة، في هذا السياق، ليست نشاطًا تربويًا. هي أداة لإعادة تعريف العدو والواجب في ذهن قاصر لا يملك أدوات التمييز السياسي. وحين يُقدّم القتال بوصفه واجبًا دينيًا أو وطنيًا مطلقًا، يُحجب عن الطفل حقه في الرفض، ويُحوّل الخوف الطبيعي من الموت إلى شعور بالذنب. وهذا النوع من التأطير يصعّب لاحقًا أي مسار لإعادة الإدماج، لأن الطفل لا يعود من الجبهة فقط بخبرة عنف، بل بسردية مغلقة عن المجتمع الذي خرج منه.
### الدفع إلى جبهات القتال
الخطوة الثالثة هي الإرسال إلى القتال. وهنا يتحول الانتهاك من مسألة حماية إلى مخاطرة مباشرة بالحياة. الطفل المجنّد لا يملك التدريب ولا النضج البدني ولا القدرة على تقدير الموقف العسكري، فيُستخدم غالبًا في مهام تعرّضه لإصابات بالغة، أو يُترك في مواقع لا يستطيع الانسحاب منها. ونتيجة ذلك إما القتل أو الإصابة أو الأسر، وهي نتائج تحمّل الأسرة ثمنها الاجتماعي والنفسي لسنوات.
## باب المندب وسياق المواجهات
يضفي ذكر منطقة باب المندب بُعدًا إضافيًا للحدث. فالمضيق ليس جبهة داخلية عادية؛ إنه ممر بحري استراتيجي يربط خليج عدن بالبحر الأحمر، وتمر عبره حركة ملاحة دولية كثيفة. ومنذ تصعيد الحوثيين هجماتهم على السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، تحولت السواحل المطلة على المضيق إلى منطقة احتكاك عالي الخطورة، تتقاطع فيها المواجهات البرية مع حسابات الملاحة والأمن الإقليمي.
وأن يُزجّ بأطفال في هذا النوع من الجبهات يعني أن الميليشيا لا تفرّق، في ممارسة التجنيد، بين جبهة داخلية وأخرى ذات امتداد إقليمي. الطفل هنا لا يُستخدم فقط في حرب أهلية يمنية، بل يُدفع به إلى مسرح تترتب عليه آثار تمسّ حرية الملاحة وأمن الممرات البحرية. وهذا ما يرفع مستوى المسؤولية الدولية، لأن الضحية لم تعد محصورة في نطاق جغرافي واحد.
وفي سياق متصل، نقلت منصات إعلامية عن مندوب اليمن لدى الأمم المتحدة قوله إن الجهة الرسمية وثقت مقتل أكثر من مئة طفل جنّدهم الحوثيون للقتال خلال مواجهات الشهر الماضي. والرقم، بوصفه رواية منسوبة إلى المندوب وليس حصرًا مستقلًا نهائيًا، يظل مؤشرًا صارخًا على حجم الخسارة. فالقتل ليس النتيجة الوحيدة؛ الأسر والإصابة والاختفاء يوسّعان دائرة الضحايا التي لا تظهر دائمًا في البيانات الفورية.
## إطار قانوني لا يقبل الالتباس
تجنيد الأطفال واستخدامهم في الأعمال العدائية محظوران بموجب القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي الإنساني. وتعدّ هيومن رايتس ووتش تجنيد من هم دون الخامسة عشرة جريمة حرب. وفي تقرير نشرته المنظمة في الثالث عشر من شباط/فبراير 2024، قالت إن الحوثيين يقولون إنهم جندوا الآلاف في قواتهم المسلحة منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، فيما أفاد نشطاء بأن التجنيد شمل أطفالًا، وإن أعمار بعضهم لم تتجاوز ثلاثة عشر عامًا.
والتقرير نفسه ربط هذه الموجة بدعوات علنية للتجنيد صدرت عن قيادة الجماعة بعد السابع من أكتوبر 2023. والمعنى العملي لهذا الربط أن التجنيد لم يكن عرضًا جانبيًا للحرب، بل سياسة أُعلن عنها ونُفّذت في ظل تصعيد إقليمي. وحين تظهر اليوم مشاهد لأطفال في محيط باب المندب، فإن السؤال المشروع ليس ما إذا كان النمط موجودًا، بل كم استمر رغم التوثيق المتكرر.
ويسبق هذا التو8يق الحديث بسنوات. ففي أيار/مايو 2014، وقّعت الحكومة اليمنية خطة عمل مع الأمم المتحدة لإنهاء تجنيد الأطفال واستخدامهم من قبل القوات المسلحة، في مؤشر إلى أن الحظر كان معروفًا ومُقرًّا قبل تصعيد الحرب. أما البروتوكول الاختياري لاتفاقية حقوق الطفل بشأن إشراك الأطفال في النزاعات المسلحة، فيرفع سن الحماية ويلزم الأطراف بمنع التجنيد وبإعادة تأهيل من انخرطوا في القتال. والفجوة بين هذا الإطار وبين الممارسة الميدانية هي فجوة مساءلة، لا فجوة معرفة.
## فقر ومخيمات وغياب مدرسة
لا يمكن فهم استمرار التجنيد من دون البيئة التي ينمو فيها. فالحرب أخرجت ملايين الأطفال اليمنيين من التعليم المنتظم، ووسّعت دائرة الفقر، وأضعفت قدرة الأسر على حماية أبنائها. وفي هذا الفراغ، تتحول المخيمات الصيفية والدورات المغلقة إلى بديل عن المدرسة. والبديل هنا ليس حياديًا؛ إنه مسار يقود إلى السلاح.
وتظهر تجربة النزاعات المسلحة أن الجهات التي تجنّد الأطفال تعتمد على ثلاثة عوامل متلازمة: الحاجة المادية للأسرة، وضعف رقابة الدولة، ووجود خطاب يُضفي شرعية على القتال. وفي المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، تتوفر هذه العوامل معًا. المدرسة مغلقة أو مُستولى عليها، والراتب مقطوع، والخطاب الديني المسيّس يملأ الفراغ. والنتيجة أن الطفل لا يختار بين مسارين متكافئين؛ هو يواجه مسارًا واحدًا يُقدّم له بوصفه المخرج الوحيد من الفقر والتهميش.
## الأثر على الطفل والأسرة والمجتمع
التجنيد لا ينتهي بانتهاء المعركة. الطفل الذي ينجو من القتل يعود غالبًا بإصابات جسدية ونفسية، وبانقطاع عن التعليم، وبصعوبة في الاندماج مع أقرانه. والأسرة التي فقدت ابنها تواجه ضغطًا مزدوجًا: الحداد أو القلق من جهة، والخوف من المساءلة أو من فقدان الدخل الذي وُعدت به من جهة أخرى. وفي مجتمعات خرجت منها أجيال من القاصرين، يصبح السلاح مرجعية اجتماعية، وتضعف سلطة المدرسة والأسرة معًا.
والأطفال الذين يقعون في الأسر يحتاجون إلى معاملة مختلفة عن معاملة المقاتلين البالغين. القانون الدولي يلزم بالنظر اليهم بوصفهم ضحايا، وبفصلهم عن البالغين، وبعدم عرضهم للاستجواب، وبإتاحة سبيل لإعادتهم إلى أسرهم متى أمكن ذلك بأمان. كما يلزم بتوثيق ظروف تجنيدهم لا باستخدامهم أداة دعاية. فالطفل الأسير شاهد على جريمة ارتُكبت بحقه، وشهادته جزء من ملف المساءلة، لا مادة للعرض الإعلامي.
## مطالب الحماية والمساءلة
تتكرر المطالب الحقوقية الخاصة باليمن حول ثلاثة عناوين لا يمكن فصلها. الأول وقف فوري لتجنيد القاصرين وتسريح من هم في صفوف الميليشيا وإعادتهم إلى أسرهم. والثاني فتح المدارس وإعادة البرامج التعليمية والإنسانية التي تمنع تحويل الفقر إلى قناة تجنيد. والثالث مساءلة من أمر بالتجنيد ومن نفّذه، لأن الإفلات من العقاب هو ما يجعل الانتهاك سياسة مستمرة لا حادثة عابرة.
وتتحمل الأطراف التي تضبط على الأسرى مسؤولية مكملة: حماية القاصرين، وتمكين المنظمات الإنسانية من الوصول إليهم، وعدم استخدام صورهم في حملات تعرّضهم للخطر أو تكشف هويات أسرهم. كما أن على الأمم المتحدة، وفي مقدمتها يونيسف والمبعوثة الخاصة بالأطفال والنزاع المسلح، أن تواصل توثيق الحالات والضغط من أجل إدراج هذا الملف في أي مسار سياسي مقبل. فالتسوية التي تتجاهل تجنيد الأطفال لا تُنهي الحرب، بل تُأجل فاتورتها.
## الطفل ليس وقودًا لحرب مفتوحة
المشاهد القادمة من باب المندب، وما سبقها من توثيق لهيومن رايتس وووتش وتقارير حكومية وبيانات منسوبة إلى ممثلي اليمن في الأمم المتحدة، ترسم صورة واحدة: ميليشيا الحوثي تواصل تحويل الأطفال اليمنيين من أبناء قرى إلى وقود لجبهات مفتوحة. والأسر الذي أفادت به المواد المتداولة لا يُغلق الملف، بل يؤكد أن المسار ما زال قائمًا من القرية إلى التعبئة ثم إلى خط النار.
وفي ظل غياب رقم نهائي مستقل لعدد من أُسروا في باب المندب، يبقى الثابت هو الاتجاه لا التفصيل الرقمي وحده. الاتجاه هو استمرار انتهاك موثق، في منطقة تُعدّ من أكثر ممرات الملاحة حساسية في العالم. وكل طفل يُنقل من قريته إلى مخيم تعبئة ثم إلى جبهة هو دليل إضافي على أن الحرب في اليمن لا تستهلك البنى التحتية فحسب، بل تصنع من الطفولة المسلوبة وقودًا لصراع لا نهاية معلنة له.