مسؤول إسرائيلي: اقتراب المقاتلات من أجواء إيران إجراء روتيني ورفعنا التأهب تماشيًا مع واشنطن
✍️ طلال الدوسري
شارك:
✍️ طلال الدوسري
قال مسؤول إسرائيلي إن اقتراب المقاتلات من أجواء إيران إجراء روتيني وليس أمرًا استثنائيًا، مؤكدًا أن إسرائيل رفعت حالة التأهب تماشيًا مع حالة التأهب الأميركية. ويأتي هذا التوضيح في وقت تتناقل فيه وسائل إعلام دولية تقارير عن طلعة جوية واسعة نفذها سلاح الجو الإسرائيلي يوم الاثنين، وصلت فيها عشرات المقاتلات إلى حدود إيران فوق أجواء سوريا والعراق، ما أعاد فتح ملف التوتر بين تل أبيب وطهران وواشنطن في لحظة تتداخل فيها الرسائل العسكرية مع حراك دبلوماسي مكثف.
## تفاصيل الطلعة والخلاف حول تفسيرها
نقلت وكالة أكسيوس الأميركية، نقلًا عن مسؤولين إسرائيليين وأميركيين، أن عشرات من مقاتلات سلاح الجو الإسرائيلي نفذت يوم الاثنين طلعة جوية وصلت إلى حدود إيران. ووصفت الوكالة العملية بأنها عملية واسعة لإظهار القوة العسكرية والردع، في ما أشارت تقارير متداولة إلى أن المسار الجوي مرّ فوق سوريا والعراق ورافقته طائرات تزود بالوقود جوًا.
وأوضح مسؤولون إسرائيليون وأميركيون، حسب ما نقلته عدة وسائل نقلًا عن أكسيوس، أن الطلعة تندرج ضمن نشاط نسبيًا روتينيًا يهدف إلى إظهار القدرة العسكرية وردع أي تصعيد محتمل. وهذا الوصف يتقاطع مع ما نقله الخبر الوارد عن مسؤول إسرائيلي من أن اقتراب المقاتلات من الأجواء الإيرانية ليس إجراءً استثنائيًا، بل يندرج في إطار النشاط المعتاد للقوة الجوية الإسرائيلية في مرحلة تتسم بارتفاع جاهزية الجيش الأميركي في المنطقة.
غير أن هذا التفسير لم يكن موحدًا. فقد نقلت صحيفة تايمز أوف إسرائيل أن بعض المصادر الأميركية تشك في أن الطلعة كانت محاولة لإثارة طهران ودفعها إلى رد يمكن استخدامه لاحقًا مبررًا لعمليات أوسع. ونقلت وكالة الأناضول التركية، نقلًا عن مصادر أميركية، أن عشرات المقاتلات اقتربت من الحدود الإيرانية في مناورة قد تكون هدفت إلى استدراج رد. وبذلك يظهر انقسام واضح بين رواية تعدّ الحركة تدريبًا روتينيًا للردع، ورواية ترى فيها رسالة سياسية مقصودة في توقيت حساس.
## رفع التأهب والتنسيق مع واشنطن
أكد المسؤول الإسرائيلي أن تل أبيب رفعت حالة التأهب تماشيًا مع حالة التأهب الأميركية. ويعني هذا الموقف أن الجاهزية الإسرائيلية لا تُقرأ بمعزل عن الوضع الأميركي، بل تُعدّ جزءًا من منظومة تنسيق عسكري أوسع تشمل الدفاعات الجوية والاستعداد لاحتمالات التصعيد. وكانت تقارير سابقة قد أشارت إلى رفع إسرائيل مستوى التأهب تحسبًا لتصعيد محتمل مع إيران، في سياق تبادل التهديدات بين واشنطن وطهران ومحاولات متقطعة لاستئناف المفاوضات.
ويكتسب هذا التنسيق أهمية إضافية في ضوء ما نقلته وكالة رويترز قبل يومين من زيارة غير معلنة أجراها وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث إلى إسرائيل، التقى خلالها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. ونقلت الوكالة عن أكسيوس أن اللقاء تناول التهديدات في المنطقة والشراكة بين الجانبين في التعامل معها هجوميًا ودفاعيًا. كما نقلت وسائل أميركية أن مسؤولين من الجانبين بحثوا إمكانية استئناف عمليات قتالية كبرى ضد إيران، من دون أن يُعلن عن قرار بإعادة الضربات.
وفي هذا السياق، تكتسب عبارة «التماشي مع التأهب الأميركي» معنى عمليًا: فإسرائيل لا تريد أن تُفهم حركة مقاتلاتها بوصفها قرارًا منفصلًا عن واشنطن، بل تسعى إلى ربطها بجاهزية أميركية قائمة. وهذا الربط يقلل، من وجهة نظر تل أبيب، مخاطر التصعيد الأحادي، ويعزز في الوقت نفسه رسالة الردع الموجهة إلى طهران.
## خلفية التوتر ودلالات المسار الجوي
لا يمكن فهم الطلعة بمعزل عن المسار الذي سلكته المقاتلات. فقد أشارت تقارير، من بينها ما نشرته واي نت، إلى أن المسار شابه مسار ضربة محتملة، وهو ما يفسر حجم الاهتمام الإعلامي بالعملية حتى لو أصرّ المسؤولون الإسرائيليون على وصفها بالروتينية. ففي بيئة تشغيلية متوترة، قد تُقرأ حركة تدريبية على أنها تمهيد لعملية، خصوصًا إذا توافقت مع لقاءات عسكرية رفيعة المستوى ومع تقارير عن مباحثات بشأن استئناف العمليات.
وتُظهر الطلعة فوق سوريا والعراق أن مسارات الوصول الجوي إلى حدود إيران ما زالت متاحة للقوة الجوية الإسرائيلية، وأن عمق المنطقة لا يُلغي هذه القدرة عند توفر التزود بالوقود جوًا. وهذا المعطى هو ما يجعل الحركة، حتى لو وُصفت بالروتينية، ذات أثر إقليمي: فهي تمس أجواء دول عدة، وتضع قوات دفاع جوي في حالة يقظة، وتُعيد فتح النقاش حول احتمال انزلاق مواجهة أوسع تشمل الولايات المتحدة.
وقد سبقت هذه الطلعة مراحل من التوتر العالي بين إسرائيل وإيران، شملت تبادلًا للضربات وفترات من الهدوء النسبي ومحاولات دبلوماسية للحد من التصعيد. وفي كل مرحلة، بقيت القوة الجوية أداة رئيسة في حسابات الردع، سواء من خلال التدريب أو الاستعراض أو الضربات الفعلية. وما يميز الحركة الأخيرة هو توقيتها: فهي تأتي بعد لقاء هيغسيث ونتنياهو، وفي ظل تقارير عن مباحثات أميركية إسرائيلية بشأن إيران، ومع إشارات إلى رفع متزامن لمستوى التأهب.
## قراءة في الرسائل المتعارضة
تتراوح الرسائل الصادرة عن الطلعة بين خطابين. الخطاب الأول، وهو الذي تبنته الجهة الإسرائيلية علنًا، يقول إن الحركة عملية روتينية لإظهار القوة وليست تمهيدًا لضربة وشيكة. وهذا الخطاب يهدف إلى طمأنة الأسواق والحلفاء وإيران نفسها، عبر التأكيد على أن لا قرار فوريًا بتوسيع المواجهة. أما الخطاب الثاني، وهو الذي نقلته مصادر أميركية لوسائل مثل تايمز أوف إسرائيل والأناضول، فيرى في الطلعة محاولة لاستدراج طهران، بما يفتح الباب أمام تصعيد لا تريده واشنطن بالضرورة في هذا التوقيت.
وهذا الانقسام ليس تفصيلًا إعلاميًا ثانويًا. فهو يعكس خلافًا محتملًا في تقدير المخاطر بين الحليفين: هل الردع يتحقق بالتدريب المعلن والتأهب المنضبط، أم أن الاقتراب من الأجواء الإيرانية قد يُفهم في طهران على أنه خطوة نحو مواجهة مفتوحة؟ والمسؤول الإسرائيلي، بحسب الخبر الوارد، اختار الرد الأول: الإجراء روتيني، والتأهب متماشٍ مع واشنطن، وليس هناك ما يدعو إلى قراءة استثنائية.
## ما الذي يعنيه رفع التأهب عمليًا؟
رفع حالة التأهب، في العرف العسكري، لا يعني بالضرورة بدء عمليات قتالية، بل يعني زيادة جاهزية وحدات الدفاع الجوي والاستخبارات وقيادات العمليات للتعامل مع سيناريو متعددة، من بينها رد إيراني محتمل على الطلعة، أو تصعيد أميركي منفصل، أو حادثة غير محسوبة ناجمة عن اقتراب الطائرات من الحدود. وفي الحالة الإسرائيلية، يشمل ذلك عادةً تعزيز الدفاعات الجوية ورفع جاهزية القواعد والوحدات المنتشرة على جبهات أخرى قد تتأثر بأي تصعيد مع إيران.
وقد سبق أن رفعت إسرائيل التأهب في محطات سابقة مرتبطة بإيران، سواء تحسبًا لتدخل أميركي أو في ظل تبادل التهديدات. وما يميز التصريح الأخير هو ربطه الصريح بالجاهزية الأميركية، لا بتقدير إسرائيلي منفرد. وهذا الربط يحمل رسالة مزدوجة: إلى الداخل الإسرائيلي بأن الجيش منسجم مع الحليف الأميركي، وإلى طهران بأن أي رد على الطلعة لن يُواجه إسرائيل وحدها.
## الأثر الإقليمي والحسابات المفتوحة
تتابع عواصم المنطقة هذه التطورات بحذر، لأن أي خلل في التقدير بين واشنطن وتل أبيب قد ينقل التوتر من مستوى الرسائل إلى مستوى الاشتباك. فالدول المشاطئة لإيران، وتلك التي تستضيف قواعد أميركية أو تقع ضمن مسارات الطيران، تتأثر مباشرة بأي تصعيد. كما أن أسواق الطاقة والملاحة البحرية في الخليج تبقى حساسة تجاه أي إشارة إلى عمليات قريبة من الأراضي الإيرانية.
وحتى الآن، لم تُعلن واشنطن قرارًا بإعادة الضربات على إيران، ولم تُصدر طهران ردًا علنيًا معلنًا على الطلعة يغير معادلة التوتر القائمة. لكن المعطيات المتداولة كافية لإبقاء الملف مفتوحًا: طلعة واسعة وصلت إلى الحدود، ومسؤول إسرائيلي يصفها بالروتينية، ومصادر أميركية تشك في الدوافع، ولقاء غير معلن بين هيغسيث ونتنياهو، ورفع متزامن لحالة التأهب.
## خلاصة
يبقى السؤال المركزي هو ما إذا كانت الطلعة ستظل محصورة في خانة التدريب والردع، أم أنها ستُقرأ لاحقًا بوصفها خطوة في مسار أوسع. والمسؤول الإسرائيلي حسم هذا السؤال، في تصريحه، لصالح التفسير الأول: اقتراب المقاتلات من أجواء إيران إجراء روتيني وليس أمرًا استثنائيًا، ورفع التأهب جاء تماشيًا مع الجانب الأميركي لا بمعزل عنه. أما المصادر الأميركية التي نقلت عنها وسائل دولية، فتترك الباب مفتوحًا أمام قراءة مغايرة، ترى في الحركة محاولة لاستدراج طهران في لحظة يبحث فيها الحليفان خياراتهما العسكرية تجاه إيران.