ميلانو تشهد اشتباكات وحرائق خلال احتجاجات غلاء المعيشة في امتداد لموجة أوروبية شملت باريس | سياسة | شبكة نفود الإخبارية
عاجل
سياسة
ميلانو تشهد اشتباكات وحرائق خلال احتجاجات غلاء المعيشة في امتداد لموجة أوروبية شملت باريس
✍️ ريهام العبدلي
شارك:
✍️ ريهام العبدلي
تحولت مسيرة انطلقت سلمية في وسط ميلانو إلى اشتباكات وإضرام نيران ونهب محال، بعد أن خرج محتجون يوم السبت 17 أكتوبر 2026 للاحتجاج على ارتفاع كلفة المعيشة، في مشهد وصفته وكالات أنباء بأنه يشبه في حدته ما جرى في مدن فرنسية، وفي مقدمتها باريس، حيث تصاعدت احتجاجات الغلاء والسكن إلى أعمال شغب واعتقالات واسعة. ولم تعدّ المدينة الإيطالية حالة معزولة؛ فقد سجلت تغطيات صحفية متزامنة احتجاجات مماثلة في فرنسا وبلجيكا والبرتغال، ما يشير إلى ضغط معيشي مشترك يتجاوز الحدود الوطنية ويضغط على حكومات أوروبية مختلفة التوجهات.
وظهرت على منصات التواصل عبارات من قبيل «أوروبا جائعة» و«ميلانو تشتعل أسوة بباريس». وهذه الصياغات تعبّر عن مزاج متداول، لكنها لا تُعدّ في حد ذاتها وصفًا رسميًا للوضع. الثابت، بحسب روايات رويترز وأسوشيتد برس والغارديان والجزيرة، هو أن غضبًا مرتبطًا بأسعار السكن والمعيشة، وفي بعض الروايات بالحروب أيضًا، تحول في ميلانو من مسيرة إلى مواجهة مع الشرطة في قلب مدينة تعد من أهم مراكز الأعمال والسياحة في إيطاليا.
## ما الذي جرى في وسط ميلانو
نقلت صحيفة الغارديان أن مسيرة في وسط ميلانو، يوم السبت، بدأت سلمية للاحتجاج على ارتفاع كلفة المعيشة، ثم انتهت بمشاهد عنف شارك فيها محتجون ملثّمون. ووفق الصحيفة، رمى محتجون الشرطة بالحجارة وقنابل المولوتوف وأجسام معدنية وأدوات نارية، وأشعلوا النار في سيارات وحاويات نفايات، وأقاموا متاريس لعرقلة تقدم قوات الأمن.
ووصفت وكالة أسوشيتد برس المشهد بأن مشاغبين اشتبكوا مع الشرطة ونهبوا متاجر وأضرموا النار في الساحة الرئيسة في ميلانو، في احتجاج على الحروب وارتفاع كلفة المعيشة. ونقلت شبكة الجزيرة أن المشاغبين أضرموا النار في ممتلكات بوسط المدينة، وأن ساحة بياتسا دل دومو، المجاورة لكاتدرائية ميلانو، أُخليت مع رواق تجاري فاخر. وهذا التفصيل مهم لأن الساحة ليست مجرد ممر مرور؛ فهي واجهة سياحية ورمز مديني، وانسحاب الزوار وإغلاق المحال يعنيان أن الاضطراب لمس النشاط التجاري في أكثر نقاط المدينة حساسية.
### من المسيرة إلى المواجهة
أفادت تغطيات مصورة وتقارير صحفية أن الشرطة استخدمت الغاز المسيل للدموع، وفي روايات أخرى مدافع المياه، بعد رشق الحجارة وتحطيم واجهات محال وإشعال نفايات. ونقلت دويتشه فيله أن شبانًا ملثمين يرتدون الأسود ألقوا ألعابًا نارية وزجاجات على الشرطة وأقاموا متاريس في ساحة الدومو المركزية. وذكرت وكالة الأنباء الإيطالية أنسا، وفق ما نقلته الشبكة الألمانية، في سياق هذا الوصف.
وأشارت تقارير مصورة، من بينها ما نشرته شبكة سي إن إن نيوز 18، إلى أن الاحتجاج نظمته حركة «إيطاليا في الساحة» ضد ارتفاع الأسعار. وورد الاسم ذاته في ملخصات متداولة على منصة إكس لمسيرة «إيطاليا في بياتسا». ولا تتوفر في المصادر المرجعية قائمة موحدة ونهائية بأسماء كل الجهات المشاركة، لكن الثابت هو أن الشعار المعيشي كان الإطار العلني لليوم، قبل أن تنفصل مجموعات عن المسار السلمي.
### اعتقالات وإصابات بأرقام متباينة
تباينت حصيلة الاعتقالات بين المصادر، وهو أمر مألوف في الساعات الأولى لأحداث من هذا النوع، حين تُحدّث الأرقام مع امتداد الزمن واختلاف جهة الإعلان. فقد نقلت رويترز أن الشرطة أطلقت الغاز المسيل للدموع يوم السبت، وأنها نفّذت سبعة اعتقالات بعدما تحول الاحتجاج إلى عنف، في سياق تقرير تناول أيضًا اشتباكات في بولونيا. ونقلت شبكة آي 24 أن ضابطين أُصيبا، وأن أربعين محتجًا على الأقل اعتُقلوا في ميلانو يوم السبت. وأشار ملخص متداول على منصة إكس إلى اعتقال ما بين أربعين وخمسين شخصًا، كثير منهم قُصّر، إلى جانب إحراق متاريس.
وفي تطور لاحق، نشرت يورونيوز يوم 19 أكتوبر 2026 عنوانًا يُفيد باعتقال أكثر من مئتي شخص في اليوم الثاني من اشتباكات الشوارع المرتبطة بغلاء المعيشة في ميلانو. وهذا الرقم، إن تأكد في التحديثات اللاحقة، يعني أن الحدث لم ينحصر في ليلة واحدة، بل امتد إلى يوم ثانٍ من المواجهات. ولا يصح الجمع بين هذه الأرقام كما لو كانت حصيلة واحدة نهائية؛ فالأدق هو عرضها بوصفها تقديرات متعاقبة صادرة عن جهات مختلفة وفي أوقات مختلفة.
## باريس نقطة المقارنة لا نموذج النسخ
المقارنة المتداولة بين ميلانو وباريس لها أساس واقعي في التوقيت والشعار، لكنها لا تعني أن المدينتين عاشتا الحدث نفسه بالحجم نفسه. ففي فرنسا، وفق رويترز، تحولت احتجاجات واسعة يوم 17 أكتوبر إلى أسوأ أعمال شغب منذ سنوات، وشارك فيها طلاب ونقابات ومحتجو «السترات الصفراء»، وهي الحركة التي ارتبط اسمها منذ عام 2018 بالغضب من أسعار الوقود والضرائب وتكلفة الحياة خارج المدن الكبرى.
ونقلت الجزيرة أن أكثر من نصف مليون شخص تجمعوا في باريس ومدن أخرى، في احتجاجات جمعت طلابًا ومعلمين ونقابات و«سترات صفراء». وقالت أسوشيتد برس إن وزير الداخلية الفرنسي لوران نونييز أفاد بأن نحو 110 مسيرات جذبت نحو 550 ألف شخص في أنحاء البلاد، فيما بلغ عدد المعتقلين في رواية مبكرة نحو 400 شخص على مستوى البلاد. وقالت رويترز لاحقًا إن نحو 1200 شخص اعتُقلوا في إطار هذه الاحتجاجات. أما وكالة الصحافة الفرنسية فنقلت، في تقرير عن كلفة الاحتجاجات العنيفة، أن 1800 شخص اعتُقلوا، وأن 557 شخصًا كانوا رهن الاحتجاز، نحو ثلثهم من القُصّر.
### لماذا تختلف الأرقام
لا يعني هذا التباين أن إحدى الروايات ملفقة بالضرورة. فالاعتقالات تُحسب في لحظات مختلفة، وقد يشمل الرقم من أُوقفوا ثم أُفرج عنهم، أو من بقوا رهن التوقيف. كما أن تقديرات المشاركة تختلف بين الداخلية والمنظمين. وقد نقلت فرانس 24 عن مصدر شرطي لوكالة الصحافة الفرنسية تقديرًا مسبقًا يقول إن نحو 200 ألف شخص قد يشاركون، منهم 40 ألفًا في باريس، وهو رقم توقع لا يطابق بالضرورة حصيلة نهاية اليوم. المهم صحفيًا هو أن الحركة كانت وطنية لا محلية، وأن العنف والنهب والحرائق ظهرت في أكثر من مدينة، وأن السلطات وصفت الحصيلة لاحقًا بعبارات تقارب كلفة حرب، وفق عنوان تقرير وكالة الصحافة الفرنسية.
وفي باريس حديثًا، و8ثّقت لقطات لمركبات محترقة ودخان كثيف واستخدام للغاز المسيل للدموع. وهذا المشهد البصري هو ما جعل منشورات التواصل الاجتماعي تضع ميلانو في الإطار نفسه، رغم أن حجم المشاركة المعلن في فرنسا أكبر بكثير، وأن تركيبة المحتجين هناك شملت طلابًا ونقابات وحركة السترات الصفراء، بينما اتسمت المواجهة في ميلانو، وفق الروايات المتاحة، بأن مجموعات ملثمة انفصلت عن مسيرة بدأت سلمية.
## امتداد أوروبي لا حدث محلي
نشرت الجزيرة يوم 17 أكتوبر تقريرًا يوضح أن احتجاجات غلاء المعيشة طالت بلجيكا وإيطاليا والبرتغال وفرنسا في الوقت نفسه. وعنونت الغارديان تقريرها بعبارة «نحن نختنق»، في إشارة إلى انتقال الاحتجاج إلى لشبونة وميلانو مع تصاعد التوتر المرتبط بالسكن وكلفة العيش. وهذا الامتداد يغيّر طبيعة الخبر: فميلانو ليست مدينة انفجرت فجأة لسبب محلي منفصل، بل حلقة في سلسلة احتجاجات تتقاطع فيها أزمة السكن مع ضغط الأسعار والأجور.
وفي البرتغال، ارتبطت الاحتجاجات في السنوات الأخيرة بأزمة إسكان حادة في لشبونة ومدن سياحية أخرى، حيث ارتفعت الإيجارات بوتيرة أسرع من الأجور. وفي إيطاليا، تظهر ميلانو منذ سنوات بوصفها مدينة جاذبة للاستثمار والسياحة والإيجارات قصيرة الأجل، ما رفع تكلفة السكن على المقيمين والعاملين في قطاعات لا تواكب أجورها أسعار الإيجار. وفي فرنسا، عاد شعار السترات الصفراء ليذكّر بأن الغضب من الأسعار ليس جديدًا، بل يتجدد كلما شعرت فئات واسعة بأن الراتب لم يعد يكفي ثمن السكن والطاقة والغذاء.
ولا تقدم المصادر المرجعية رقمًا موحدًا لمعدل التضخم في إيطاليا أو فرنسا يوم الاحتجاج نفسه. لذلك لا يمكن الجزم هنا بنسبة مئوية محددة للغلاء. ما يمكن قوله هو أن المحتجين، في البلدين، رفعوا شعار تكلفة المعيشة بوصفه السبب المعلن، وأن السلطات واجهت هذا الشعار بالإنكار حين تحول إلى تحطيم ونهب وإضرام نار.
## موقف الحكومة الإيطالية
أفادت دويتشه فيله أن رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني دعمت الشرطة بعد تحول احتجاجات غلاء المعيشة إلى عنف في مدن إيطالية. ونقلت فوكس نيوز أنها أدانت عصابات ومشاغبين بعد انتشار العنف. ولم تنشر المصادر المعتمدة هنا نصًا حرفيًا كاملًا لتصريح يمكن نقله بين علامتي تنصيص، لذلك يُكتفى بالمعنى الذي أجمعت عليه هذه الروايات: إدانة العنف، والوقوف إلى جانب أجهزة إنفاذ القانون، وعدم التسليم بأن الشعار المعيشي يبرر التحطيم.
وهذا الموقف منسجم مع خط حكومة ميلوني منذ تشكيلها، القائم على تقديم الأمن وضبط الشارع بوصفه أولوية. غير أن الوضع الحالي يختلف عن مواجهة مع مظاهرة قطاعية محدودة. فالشعار هنا يمس الأسر والأجور والسكن، وهي ملفات لا تُعالج بالغاز المسيل للدموع وحده. وإذا استمر اليوم الثاني من الاشتباكات، كما أفاد عنوان يورونيوز، فإن السؤال السياسي أمام روما لن يكون فقط: كيف تُفض المواجهة؟ بل أيضًا: هل تملك الحكومة ردًا اقتصاديًا يُقنع من يشعرون بأن المدينة لم تعد في متناول أجورهم؟
ولم تُنشر، حتى ساعة إعداد هذا التقرير، حزمة إجراءات معيشية جديدة معلنة كرد مباشر على أحداث ميلانو. المعلوم هو أن الخطاب الحكومي العلني ركز على إدانة المشاغبين ودعم الشرطة. وهذا يترك المطلب المعيشي معلقًا، ويفسح مجالًا لاستمرار التعبئة حتى لو هدأت الشوارع.
## السياحة والتجارة في مهب الريح
ميلانو ليست مدينة صناعية هامشية. فهي عاصمة مالية وأزياء لشمال إيطاليا، ومقر لمعارض دولية، ومحطة سياحية يمر بها ملايين الزوار سنويًا. ووقوع الاشتباك أمام الكاتدرائية وفي الرواق التجاري المجاور يعني أن الصورة التي ستنتقل إلى الخارج ليست صورة حي شعبي بعيد عن مراكز المال، بل صورة وسط تجاري وسياحي مغلق. ونقلت تغطيات أن سياحًا غادروا المكان وأن محال أغلقت أبوابها. وهذا الأثر المباشر قد يكون محدودًا زمنيًا، لكن تكراره يضغط على سمعة مدينة تبيع نفسها بوصفها وجهة آمنة للتسوق والأزياء.
كما أن نهب المتاجر، إن تأكد نطاقه في الحصر اللاحق، ينقل النقاش من حق التظاهر إلى مسؤولية من استغلوا الفوضى. وهنا يكمن الفصل بين أمرين ثبتا في التغطية: وجود مطلب معيشي علني جمع ناسًا في مسيرة بدأت سلمية، ووقوع أعمال تحطيم ونهب وإضرام نار لا تمثل هذا المطلب ولا تخدمه. الخلط بين الأمرين هو ما تسعى بعض المنشورات إلى فعله، حين تختصر اليوم في صورة حريق وتتجاهل سبب الخروج الأول.
## ماذا يعني اتساع المشهد
الدلالة السياسية لما جرى تتجاوز عدد المعتقلين في ليلة واحدة. فالاحتجاج على الأسعار والسكن ظهر في أكثر من عاصمة أوروبية خلال أيام قليلة، وفي بلدان تحكمهما أغلبيات مختلفة. هذا يضعف سردية أن الحدث مؤامرة حزبية محلية أو رد فعل على قرار حكومي واحد. المشترك هو الشعور بأن تكلفة الحياة اليومية، وفي مقدمتها السكن، تتحرك بوتيرة لا تواكب الدخل.
وفي الوقت نفسه، لا يجوز تحويل هذا الغضب إلى سردية انهيار. فالمؤسسات في باريس وروما ما زالت قائمة، والشرطة أعادت فتح شوارع، والاعتقالات تم تنفيذها ضمن إطار قانوني معلن. الخطر الأقرب ليس سقوط الدولة، بل تآكل الثقة إذا بقي الرد الوحيد أمنيًا، وإذا تكررت صور الحرائق من دون ألا يرى الناس تغيرًا في فاتورة الإيجار أو الطاقة.
كما أن مشاركة قُصّر في جانب من المعتقلين، وفق روايات عن ميلانو وفرنسا، تضيف طبقة أخرى. فهي تشير إلى أن جزءًا من الغضب يأتي من فئة عمرية لا ترى في المدينة فرصة سكن مستقرة، وهي في الوقت نفسه فئة أكثر عرضة للاستقطاب نحو العنف حين تنفلت المسيرة. وهذا ملف اجتماعي قائم بذاته، لا يختزل في عدد المعتقلين.
## خلاصة لا تغلق الملف
حتى مساء 19 أكتوبر 2026، يمكن تلخيص المشهد كما يلي: مسيرة معيشية في ميلانو بدأت سلمية يوم السبت، ثم انحرفت إلى رشق حجارة وقنابل مولوتوف وإضرام نار ونهب محال في محيط ساحة الدومو؛ والشرطة ردت بالغاز المسيل للدموع وفي روايات أخرى بمدافع المياه؛ والاعتقالات تراوحت، بحسب المصدر والتوقيت، بين سبعة وأربعين وأكثر من مئتين في اليوم الثاني؛ ورئيسة الوزراء دعمت الشرطة وأدانت العنف. وفي فرنسا، خرج مئات الآلاف، وبلغت بعض التقديرات نحو نصف مليون، وارتفعت حصيلة الاعتقال من مئات إلى أكثر من ألف، ثم إلى 1800 في رواية لاحقة، مع عودة رمز السترات الصفراء.
العبارة المتداولة عن أن ميلانو «تشتعل أسوة بباريس» تصف الصورة لا التفسير. التفسير الأدق هو أن مدنًا أوروبية عدة شهدت، في الأسبوع نفسه، غضبًا من تكلفة العيش، وأن جزءًا من هذا الغضب انزلق إلى عنف في الشارع، وأن الحكومات ردت بالقوة وبإدانة المشاغبين، من دون أن تُغلق الملف المعيشي الذي أخرج الناس إلى الساحة في الأصل. وسيظل السؤال مفتوحًا في الأيام المقبلة: هل تهدأ الشوارع بعد الاعتقالات، أم أن ميلانو وباريس ليستا إلا المحطة الأوضح في موجة أوسع لم تقل كلمتها بعد؟